الخميس ٩ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٤
قصة قصيرة
بقلم نازك ضمرة

أمامك أم خلفك

تناولت أنا وزوجتي جرعة من نفس الدواء ، كان ذلك مساء الأمس ، ثم تناولت هي جرعة ثانية من نفس الدواء صباح اليوم التالي ، أذهب للطبيب شاكياً من آلام خفيفة في أمعائي ، اشتكت زوجتي من مغص وقرقرة في الليل ، حاولت الوقوف فأحست بالدوار ، ومع ذلك تناولت جرعة أخرى في الصباح ، معتقدة أن الدواء سيخلصها من ألم الليل ، لكنها تراخت أكثر ، ولزمت الفراش ، وفي المساء قبل الغروب ، دعوتها لمرافقتي لزيارة للطبيب ، لأن ألمي لم يتوقف ، لكنني لم أتقاعس عن رغبتي.

قامت في الصباح أعدت فنجانا من القهوة لي ، وأتت به على صينية فضية اللون ، تقشر دهانها في بقع صغيرة متباعدة ، وبجانب القهوة كأس ماء وطبق صغير به قليل من البسكوت ، أما هي فقالت أنها لا تشتهي القهوة ، لأن طعم الدواء ورائحته تنفرانها من أي شيء ، مشيتها المتراخية كانت محط أنظار عيني ، بلباس النوم الخفيف ، كاشف من الأعلى ، وهفهاف من الأسفل برغم قصره الزائد ، ويليق بها كثيراً لنحافتها ، تراخى صدرها وذوى ، وأنا أحب الصدر النافر المتعالي بطبيعته ، جهدها لأطعم شيئاً كالعادة في الصباح ، وطبيعة الأنثى بغنجها سواء كان حقيقياً أم تصنعاً ، كلاهما فتحا شهيتي ، فشربت نصف فنجان القهوة ، وثلاثا من البسكوت ، لكنني أتيت على كأس الماء المتوسطة كلها ، كنا نجلس متقابلين في غرفة التلفاز ، لا ننتبه للبرامج ولا للشاشة ، وطول الدقائق التي مرت أشرب القهوة وملحقاتها أثناءها ، ظلت تشكو من ألم هنا ، ووجع هناك ، وأشرت لها قائلاً: وهل من ألم هناك؟ حاولت الابتسام لكن ظهر جلياً أنها موجوعة فعلاً ، أمسكت بذراعها ، ومشينا صوب غرفة النوم ، لم أطلق ذراعها إلا بعد أن تأكدت أن جسدها تساوى على السرير ، الوقت صبح ، والقهوة أنعشتني قليلاً ، لكن أعمالاً كثيرة تنتظرني في ذلك اليوم ، أنت واشتكت مرات عدة قبل الاستئذان للخروج ، تقول زوجتي : مع الهاتف النقال لا نخشى بعداً ولا خطراً ، فكان جوابي لها: ربما إن استطعنا الاحتماء والصبر ، وأنا أغادر غرفة نومنا ، شاهدت زوجتي وقد انكمش لباس النوم القصير وأنا الخطوة الأخيرة عند الباب ، تمنيت لو أخذت جرعة دواء ثانية ، كي أغيب عن العمل.

يرافقني طفلنا الصغير ، وألتقي بقريب يكبرني عمراً ، ضجراً يبحث عمن يسليه ، فينضم لي وللطفل في طريقنا للطبيب ، أخاطب نفسي ، لماذا لم تحضر هي بدل الطفل ، فضلت الانتظار ، سألني رفيقنا إن كنت أخاطبه.

غرفة على شارع عام غير معبد ، يكثر التراب فيه والغبار ، وباب عيادة الطبيب مفتوح ، أدخل وأرد السلام ، يجلس خلف منضدته قرب المدخل ، يشير لي الطبيب بالانتظار في غرفة عميقة بلا باب ولا جدار فاصل عن مكان عمله ، حاولت المرور للوصول إلى كرسي في الزاوية البعيدة ، لكن أواني معدنية ضخمة كانت في الطريق ، جربت تحريك واحد منها ، فكان ثقيلاً ، بقي قريبنا ينتظرني خارج المبنى ، أما الطفل فظل ممسكاً بيدي ، بل شددت قبضتي على يده لأضمن عدم مغادرته ، وطفلنا نشيط لعوب متوقد الذكاء ، يحب أن يعرف أي شيء يراه ، ولأنه الأصغر فهو مدلل ومعظم طلباته ملباة ، وفي منطقة سكننا ومستوانا لا توجد هناك أشياء مدهشة أو ثمينة أو مزعجة ، مما قد تثقل كاهل الأهل إذا أصرّ عليها الطفل ، طلبات لا تتعدى الحلوى أو الفواكه أو حذاء أو لعبة ميكانيكية من صنع الصين ، ولا تعيش تلك اللعبة أكثر من يوم على الأكثر ، لكن لا غنى عن الآيس كريم كل يوم ، وهو المفضل عند طفلنا وعند والدته ، وحتى معظم الأسرة وأنا من ضمنهم ، ولما كنت أعاني من غازات كلما أكلت الآيس كريم ، ظننت أن ما يجلبه أصحاب المحلات التجارية في منطقة سكننا غير معقم ، أو يساء المحافظة عليه ، فجربت شراء أنواع أخرى غالية الثمن ، وحتى أمريكية الصنع من محلات تجارية كبرى ، يرتادها الأغنياء والأمراء والوزراء ، فعانيت نفس المشكلة ، بل زاد الريح متواصلاً بأصوات يصعب إخفاؤها ، بسبب المكسرات والملونات التي تضاف إلى أيسكريم الأغنياء ، جلست على طرف كرسي صغير قبل الحواجز المعدنية ، لأسأل الطبيب عن أسباب وجودها ، لكنه كان يمسك بيد الولد المراهق ، مغمضاً عينيه كأنه حالم أو نصف نائم ، فغادرت المكان طالباً منه أن يناديني ، عندما يأتي دوري وسأكون جالساً على كرسي في المقهى المجاور لعيادته. ساحة واسعة فيها متاجر أخرى ، وقليل من الرواد سواء في المقهى أو في الدكاكين ، لكن الجهة الغربية مفتوحة أمام العين ، والشمس ما زالت لم تغب بعد ، لكنها أضفت على ذلك الفراغ الغربي مسحة من جمال ينعش روح المريض، تتمنى أن تتمشى حول تلك الساحة برفقة ابنك الصغير وقريبك الذي وجدته منتظراً يجلس على كرسي قصير من القش قديم ، لم يأت أحد من العاملين في المقهى كي يسأله عن طلبه ، جلسنا لما يقارب النصف ساعة ، وفي اللحظة التي نادى بها الطبيب علينا ، حضر النادل يسألنا عما نريد شربه ، اتجهت لعيادة الطبيب ذات الباب المفتوح دائما وعلى الشارع العام المترب ، سلمت عليه ، فاستغربت حين سألني عن اسمي ، لكنه طبيب ، ويزوره الكثيرون كل يوم ، لم أعبأ بسؤاله وذكرت له اسمي ، كتبه على دفتره بحيادية مهنية ، فحص نبضي عند معصمي ، وصف لي دواء ضد الدواء ، قلت في نفسي سينفع لي ولزوجتي ، ثم قال الطبيب

-  ناديت عليك مرات عدة ولم تسمعني ، ما الذي يشغلك أو يؤلمك؟
-  أثارني عدم معرفتك لي يا حكيم ، سبق وزرتك عشرات المرات ، وكنا نمزح ونتحدث في أمور كثيرة كلما زرتك ، فهل تغير أي منا خلال السنوات الأربع التي لم أزرك بها؟
-  آآه ، تذكرت ، آسف لما حصل ، لم أكن متيقظاً لحظة دخولك.
سألني عن صحتي ، قلت له كانت ممتازة ، ولهذا لم أزره خلال السنوات الأربع الماضية ، قال: أحب أن نراك باستمرار ، ولتهتم بصحتك ، سألني عن الدواء الذي أتناوله للنوم.
- لا يهمني النوم يا طبيب ، ولا أتناول أي دواء.
عذرته ، وقلت في نفسي بعض الناس ينسون المعارف بعد لحظات من مغادرتهم ، وفي سنوات أربع اخترع الإنسان أدوية وأجهزة وإليكترونيات أضعاف ما توصل إليه البشر كافة ، خلال أربع آلاف من السنين. ولهذا نسينا جهاز اسطوانات الغناء اليدوي ، واختفى السيف من البيوت ، وأصبحت الخيل واصطبلاتها ملهاة وأداة تفاخر لأصحاب المليارات ، والذين تزايدت أعدادهم فوقنا ، سعداء في حارتنا لأن حافلة ركاب النقل العام تصلنا ، وتنقلنا إلى أي مكان داخل المدينة ، أو إلى مدينة مجاورة ، نحسب الوقت بالسنين والشهور وبالأيام ، وفي أحيان قليلة بالساعات ، أما الدقائق فليس لها قيمة في حارتنا ، لاحظ رفيقي كثرة شرودي ، وحين رافقنا أراد أن يدفع الملل عن نفسه ، فسألني - مالي أراك تكلم نفسك كثيراً هذا اليوم.
-  هذه الأيام
-  وحتى أمام الناس ومعنا طفل
-  حيرني الطبيب ، وحيرتني عيادته ، وحمانا الله مما سنرى لاحقاً
اتصل الطبيب بالصيدلية القريبة ، وقال لي ، تجد دواءك في الصيدلية ، أمسكت بيد طفلي المدلل ، كم هو جميل ذاك الطفل ، جذاب الوجه بهي الطلعة ، تهتم والدته باختيار أفضل الملابس له ، ولا أقول أغلاها أو حسب آخر تقليعة كأطفال هواة الخيل ، قريبي الذي يسير بمحاذاتي يحب الكلام في مختلف أنواع الكلام ، سياسة نقد ترفيه ذكريات وحتى تغزل بعجائز بدينات ، لم يصادفنا امرأة واحدة في طريقنا الطويل في ذلك المساء ، كنا نمشي ثلاثتنا ، والطريق عريضة غير معبدة ، ولم تمر أي سيارة أبداً ، والشمس تجري لمستقرها الليلي ، بل غاصت في البحر الغربي ، تذمّر رفيق دربي وقريبي الأكبر مني سناً ، لكنه يحب المشي ويقول إنه يقوي القلب ، ويطيل العمر ، لاحت لنا بقالة متوسطة الحجم ، تدخلها امرأة متوسطة في العمر ، متوسطة في الحجم وفي الطول وفي الوزن وفي نوعية لباسها ، بمشية معتدلة لا تلتفت يميناً ولا يساراً ، كأنها روبوت يسير ببطارية شحنت لتوها، اقترح رفيقي أن ندخل لنرى موجودات البقالة ومن فيها ، لكن طفلي الصغير سبق رغبة الرفيق ، جذبني صوب البقالة كأمر مفروغ منه وقبل انتباه الرفيق ، وحيدة وفي مبنى طويل قديم من طابق واحد ، لا أبواب فيه ولا نوافذ إلا باب البقالة الصغير ، وربما كان باباً لمصلى أو معبد ، رجل كبير في السن يغادر المكان من المدخل إياه ، قد يكون ذلك الشخص كفيفاً ، والمسافة بعيدة ، فإن لم يكن كفيفاً فهزيل أو ضعيف بصر أعيته السنون ، تساءل من صاحب البقالة عن أغراض دون نية في الشراء ، سمعه رفيقي حاد السمع قائلاً:أين سأذهب والظلام قادم وطويل؟ ، ومنزلنا بعيد جداً ، علينا المشي السريع لأكثر من ساعة للوصول لحارتنا الفريدة نهاراً ، فكيف بطفل معنا وظلام يطبق على أرضنا بسرعة ، اشترى طفلنا ما أراد ، لكنه اقتصر على الموز كأساس ، وبعض الحلوى الصغيرة الصلبة ، حمل ثلاثاً من الموز ، قال واحدة لي وواحدة لك وواحدة لماما ، فاشتريت أربعة قدمت لرفيقي واحدة ، والدتك مريضة يا بني ، ونحن على عجل لنسقيها من دواء الطبيب ، ذكرني بالهاتف النقال ، فاتصلت بالمنزل لأطمئن على زوجتي ، فصاحت مولولة ، ولدي أين ولدي ،

- هاي ماما ، آي لوف يو ، أنا آكل موزة ، وأحضرت لك موزة معي ، أتناول الهاتف وأسألها ، هل شفيت وتحسنت حالك؟
-  دعني أحادث طفلي من فضلك ، أظلمت الدنيا ولماذا تتأخر دائماً حينما تغيب؟
-  آمل أن نكون عندك بعد ساعة أو ..
-  أو ماذا ، أخشى أن تبيت عند أحد الناس ، وتتركني في قلق وهموم ، ألا يكفيني ما أعانيه؟
-  هل تحسنت حالك ، طمنيني! أتيت لك بدواء.
-  شربت الكثير من الماء والميرمية والبابونج ، وببدو أن الأزمة ستخف ، لكن توقفت عن شرب الدواء القديم.
-  هلو هلو … ضغطت الزر وقطعت المكالمة ، رن الهاتف ثانية ، أحسست بالجوع ، تمنيت لو أن لدي مالاً كافياً لدخول مطعم نظيف ، وصفوا لي واحداً خلف الحارة التي نسير عبرها ، أقفلت الهاتف نهائياً حتى لا يعمل ولا يرن ، ألح البلاء الأعظم طفلي على أن يكلم والدته لزمن أطول ، لكن الدقائق هنا محسوبة عليّ وبسعر مرتفع ، ندفعه شهرياً للشركة المستثمرة في مدينتنا ، وما أسرع ما تمر الدقائق ، ويتبعها تراكم التكاليف.

لم نعثر على المرأة التي شاهدناها تدخل البقالة ، والمحل واسع ومتشعب ، ولا يوجد إلا زبون آخر شاب يبحث عن دخان أصلي أي أجنبي ، بعد خروجنا أدركنا أن الدقائق أصبحت مهمة ، حلّ الظلام على منطقتنا بسرعة لم نكن نتصورها من قبل ، ظلام يكاد يكون دامساً ، والسير فيه صعب ومخيف ، المهم أن نصل نهاية الطريق ، تشعبت المسالك ، جادلني رفيقي أي فرع نسلك ، فاختلفنا ، وسلك كل منا فرعاً ، واتفقنا أن ينادي الواحد منا على الآخر إن وجد منفذا سليماً ، ضاع رفيقي وغاب ، رحمه الله لن يعود ، أنا الضائع ، ومشكلتي الكبرى هي الطفل ، أما الدواء السائل الذي وضعته في جيبي أصبح يضايقني ، لأنها زجاجة كبيرة منتفخة وثقيلة ، لا ألوم زوجتي فالساعة تشير إلى العاشرة ، والوقت في فصل الصيف يمضي بسرعة ، وأقفلت المحلات القليلة كلها.

يلتصق الطفل سعيدا بيد والده ، لا يحس خوفاً من ظلام أو من انقطاع كهرباء ، جفل مرة لأن قطاً كان مختبئاً ينتظر فأراً ، وما إن خرج الفأر حتى هجمت عليه القطة ، خاف الوليد ، لكنه مع النور الكهربائي الضعيف الواصل لهما من بعيد ، تأكد أنها قطة ، وهو يحب القطط كثيراً ، ويفضل اللعب بها ومعها أكثر من الألعاب الصلبة ، ومن تماثيل الحيوانات المحشية ، يوقفه والده عن متابعة القطة ، لم يطلق يده ، أكل نصف الموزة حتى تلك اللحظة ، وصار ينوء بحمل النصف الثاني ويتذمر ، يتناولها والده منه ويقضم ما تبقى منها. وجد الأب نفسه ومعه طفله على سطح عمارة تتصل بمباني أخرى ، وجدا الشارع الذي كانا يسيران فيه مقفلاً بركام من الحصى والتراب ، ظنها الرجل عمارة انهارت فأقفلت ذلك الدرب الضيق ، يكفي لمرور سيارة ولشخص ماش بجانبها ، ثلاثة أمتار أو ثلاثة ونصف ، لكن تبين أن رؤساء الحارة تعمدوا إقفال الشارع ، حتى تضطر للمرور عبر ممرات ودهاليز ضيقة معتمة ، أو أن لا تفكر بالخروج ليلاً ، وإن اضطررت فلا بد من المرور على سطوح المنازل القديمة الراجراجة ، على سطوح المباني القديمة أعمدة خشبية متآكلة أو معدنية صدئة ، والمشي تحتها أو قربها أو فوقها خطر ومخيف ، والطفل كان المشكلة الكبرى ، أخيراً تنبه الطفل المحمول إلى نافذة صغيرة ، يبدو نور ضعيف من خلالها ، تهلل وفرح ، تشبث الأب بالكثير من الجدران والعارضات الخشبية الهزيلة والقضبان المعدنية الصدئة ، حتى بلغا النافذة ، لاحظت كتابة فاهية على خشب النافذة ، كتب عليها (نحن عراقيون) ، أطل منها شبه إنسان بنطق بلهجة عراقية ، طلب الطفل منه أن يدلنا على الطريق للنزول عن السطوح القلقة ، ترك الأب ابنه بتكلم على هواه ، وحين توقف أضاف الأب
-  بيوت كلها قديمة ، نحس باهتزازها ، وكلها آيلة للسقوط ، فهلا ساعدتنا يا بني كي نسرع الخروج.

كان شاباً لا يزيد عن الخامسة والثلاثين عاماً ، نحيف دقيق الوجه ، ناتئ العظام ، لكنه صلب عنيد ، عيناه نجمتان بعيدتان مشعتان ، كان شهماً ، غادر الغرفة ، وترك بابها مفتوحاً ، وقادنا إلى طريق معقول يوصلنا إلى حيث نريد.

الطريق طويلة ، طويلة ، والسير فيها متواصل ، لا تدري أن الطريق كانت طويلة أمامك أم خلفك.
رالي في 1/9/2004


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى