الاثنين ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٥
قصة قصيرة
بقلم كُليزار أنور

الشاهد الوحيد

بأقدامي أحرقت المسافات الطويلة .. ووصلت .. تقترب الصورة .. تتوضح معالمها أكثر فتندفع أقدامي في جريٍ سريع .. تبدو مدينتي أمامي على البعد كقلعة قديمة منخورة بالقنابل ..شعرتُ بقلبي يغوص في صدري وينعصر بشدة .. فالموت الساكن قد غطى المدينة .. والدمار قد أكل من كل أطرافها وشوارعها ومنازلها .. الجو هنا معبق برائحة الحرب .. الرصاص الفارغ يملأ المكان .. يرسم خرائط غريبة على الأرض .. تبدو مدينة هامدة حزينة مغسولة بالحريق والدمار .. الصمت يغطي أُفقها الواسع .. كوجهِ طفلٍ سرقوا منهُ الأمل !
عندما وطئت قدماي باب منزلي .. داهمني فيض من الألم والحسرة لما رأيتُ بيتي بهذا الشكل .. أحسستُ بحرقةٍ تكوي دواخلي .. ذرفتُ دموعاً صامتة .. آه .. لشدّ ما تمنيتُ أن أتحول إلى ذرةٍ من ذرات الهواء حولي .

الحديقة جافة وقد تشققت أرضيتها والأشجار على وشك الموت .. لم يبقَ منها سوى الرمق الأخير من الحياة .. فتحتُ صنابير المياه كلها باتجاه الحديقة لترتوي بعد ذلك العطش .. وأخذت عيوني تتفحص جدران بيتي .. امتلأني حزنٌ موجع .. فالرصاص قد نخرَ الجدران بمختلف القذائف .. الأبواب ما زالت مفتوحة كما تركناها .. أدخل إلى الصالة .. التفت حولي .. أتفقد المكان شبراً .. شبراً ..لم يبقَ منهُ شيء .. كل ما فيه قد التهمتهُ الحرب .. وما بقي منه .. قد نُهب .. مَن نهبهُ ؟ .. لا أدري ! .. ويشهد لذلك آثار أقدام على الأرض .. تركَ علامات حزينة وباهتة .. بيوت العناكب غطت كل الزوايا والغبار كوّنَ طبقة على الأشياء الباقية المبعثرة هنا وهناك .

أقف أمام النافذة .. أتطلع نحو الحديقة .. ذوائب الأشجار تتحرك وأسأل : - هل سينقذها الماء ؟ .. لا يهم ! حتى وإن ماتت سأزرع غيرها من جديد .. أرفع نظري إلى السماء .. العصافير تمرح على أسلاك الكهرباء .. تنزرع عيناي هناك .. لحظات وكأنها سنين طويلة .. الصور تتزاحم .. ففي تلكَ الليلة التي كانت بلا تاريخ أمطرت السماء بغزارة .. لم يكن يمطر فيها سوى القنابل والرصاص والبارود .. ليلتها .. أفقنا على أصوات القذائف التي تهز الأرض .. ضياء الرصاص يلهب سماء المدينة يغطيها بسماءٍ اخرى من الدخان .. دوي الانفجارات وعويل صفارات الإنذار يشرخ صمت الليل .. الوقت يمضي وقصف الطائرات مستمر لا يعطي للروح بعض الأمان .

انفجار قريب يدوي في الوجود .. إنهُ قريبٌ جداً – قلت في نفسي – ياترى يانصيب الدمار أي البيوت اختار هذهِ المرة ؟ .. ففي الحرب .. يختار الموت ضحاياه بالصدفة !
ارتسم على الوجوه الهلع .. إنهُ فزع الحرب .. كل ما استطعنا أن نفعلهُ هو انتزاع الأرواح من براثن الموت .. لم نفكر بأي شيء آخر .. ففي مثل تلك اللحظات يتحول التفكير إلى شظايا.. ومضينا ليلتها نحو مدناً اخرى أكثر أماناً .
القذائف تتهاوى علينا كالمطر .. جموع الناس تفر بأرواحها فقط .. بكاء الأطفال قد اختلط بدعاء المسنين ونفير الإنذار .. وحده الصراخ يتفجر في أرجاء المكان .. ولم يكن لمدينتنا ذنب سوى انها في الفوهة .. قدرها أن تكون مدينة على الحدود !
توقفت الحرب وحطت أوزارها ، فالحرب مهما طالت ..لا بد أن تنتهي في يومٍ ما .. وأول ما فكرتُ فيه بعدها .. بيتي .. نعم بيتي !

تتلاشى الصور كلها كومضةِ ضوء .. مازالت العصافير تمرح على أسلاك الكهرباء .. وذوائب الأشجار تتحرك .. أبتعد عن النافذة .. أدخل غرفة مكتبي .. لا شيء هناك .. حتى مكتبتي سرقوها ! .. وانتبهت فجأةً .. هناك شيء ما " لوحة الموناليزا " لم يأخذوها ! .. أتعجب في سري .. ألم يُغرِ لغز ابتسامتها أحد ؟ .. إنها ساقطة على وجهها .. أندفع نحوها .. أرفعها بهدوء .. يا إلهي ..لم تتأذَ ! .. الفرحة تسري في شعاب الروح .. إنها أجمل ما أملك ! .. رُحماكِ سيدتي .. ألم تتحملي هذهِ المأساة .. فسقطتِ ؟! .. الموناليزا .. الشاهد الوحيد على ما جرى !

- مازلتِ تبتسمين سيدتي ؟ .. رأيتِ كل ذلك وما زلتِ تبتسمين ؟ .. لو عَلِمَ دافنشي بأنكِ سَتشهدي هذا كله .. لَما رسمكِ ! .. أي غموض يُفسر ابتسامتكِ .. وأي لغزٍ يحويها ؟؟ .. ربما كانت ابتسامة سخرية !
مسحتُ عنها الغبار .. وثبتُها في مكانها .. لتبقى الشاهد الوحيد !


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة عراقية تكتب القصة والرواية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى