الأحد ١١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩
في حوار ممتع مع الأديب أحمد زياد محبك
بقلم زهيرة عقل

الشبكة هي نبض العصر وروحه

منذ انضمامه إلى أسرة تحرير ديوان العرب ساهم في إحداث نقلة نوعية في صرحها الثقافي والفكري. أديب عربي عرف عنه سعة اطلاعه، وغزارة علمه، وعدم خشيته في مسيرة الأدب والثقافة لومة لائم. فرأيه في نقد النصوص الأدبية لا يعرف المجاملة، مع الحرص الدائم على توجيه جيل الشباب وحثهم على شق طريقهم بالمثابرة والتعليم. كاتب سوري كتب القصة، والرواية، وأكاديمي محاضر جامعي في علوم اللغة العربية، والأدب. يعشق اللغة العربية ليس لآنها مجال دراسته، وتخصصه الجامعي، ولكن لأنه يرى فيها الوجه المشرق لحضارتنا الإنسانية التي ما زال بريقها ساطعا وإن غطته السحب. معروف في الوسط الجامعي، والأدبي، والثقافي السوري وفي بلاد العرب. يعد مرجعا في علوم اللغة العربية، وموسوعة أدبية ينهل الطلبة من صفحاتها الأدب، والثقافة.
الأديب الدكتور أحمد زياد محبك، نرحب بك في هذا الحوار ونبدأ حوارنا بالسؤال الذي يردنا بين الحين والآخر من بعض الكتاب.

- يدعي بعض الكتاب أنك متشدد في آرائك النقدية تجاه نصوصهم، ماذا ترد عليهم؟

- جهودي النقدية لا تقوم على التشدد، إنما تقوم على فهمي للشعر، فهو استعمال متميز للصورة والإيقاع واللغة، وتعبير متميز عن موقف ورؤية وحالة، وليس الشعر أفكاراً منظومة، ولا خطابات تلقى، ومن الطبيعي أن أنطلق في تقويمي النصوص الشعرية من هذا الفهم، ولذلك لا يمكن أن أخدع شاعراً فأقول له أحسنت، إذا كان يقدم قصيدة لا شيء فيها سوى اللغة العادية المباشرة الخطابية، القائمة على الجمل المحفوظة، والعبارات المرددة التي حفظها، وإذا كان لا يقدم غير أفكار منظومة، لأن هذا الشاعر يضع نفسه خارج إطار الشعر، ولا يمكن أن يتبوأ مكانة في الفضاء الشعري، ولذلك لا بد أن أكون متشدداً معه، وبالأحرى لا بد أن أَصْدُقَه القول، والأمر لا يتعلق على الإطلاق لا بقديم ولا حديث، ولا بقصيدة الشطرين ولا بقصيدة التفعيلة ولا بقصيدة النثر، ففي ديوان امرئ القيس والمتنبي وأبي تمام وأبي نواس وابن الفارض وغيرهم....ما يحقق أعلى درجات التألق الشعري.

- كثير من الكتاب الشباب يتذمرون إذا وجههم أحد إلى مظاهر الخلل في كتاباتهم، او نصحهم بضرورة تعلم اصول اللغة العربية، ماذا تقول لهم؟

- اللغة هي مادة الإبداع، ووسيلته، مثلها مثل الألوان للرسام والأصوات للموسيقي، ولا بد للمبدع من أن يحسن التعامل مع اللون والصوت واللغة، ولا يمكن تقديم عمل إبداعي في لغة ضعيفة، وكل الأعمال العظيمة في العالم كله كانت في لغة عظيمة، ولا بد للمبدع من أن يغوص في محيط لغته، ويعرف أسرارها وما فيها من قيم، والأمر لا يتعلق بالنحو، فهو وحده لا يكفي، ولكن لا بد من إتقان أصوله الأولى، المفيدة عملياً في تحقيق السلامة، وليس من الإبداع في شيء أن يدعي الأديب الجهل بلغته، وعلى العكس، فكلما أتقنها زادت قدرته على التعامل معها، والإبداع من خلالها، ولكن مما لاشك فيه أيضاً أن التمكن من اللغة لا يعني التكلف والتقعر، إنما يعني أن يمتلكها الأديب، لا أن تمتلكه، وأن يكون قادراً على تطويعها لعمله، لأن المبدع الحق لا يعبر باللغة اليومية أو المعجمية أو العادية، إنما يعيد تشكيل اللغة، ويعيد خلقها خلقاً آخر، لتكون لغته هو، لا لهجة زمان أو مكان، ولا لغة معجم، أو لغة شارع أو مقهى، إنما لتكون صوته وصوت تجربته، مثله مثل الرسام القادر على توليد درجات من الألوان من لون واحد.

- لماذا ينفر معظم الطلبة من دروس اللغة العربية؟ ألأنها صعبة الاستيعاب؟ أم أن اللغة بحاجة إلى تطوير؟

- يتعلم الإنسان اللغة في مراحل أربع، الأولى في المنزل، من أمه وأبيه وإخوته، والثانية، من الشارع والسوق، في تعامله مع الناس، وهو في هاتين المرحلتين يتعلم الكلام، وليس اللغة، وفي المرحلة الثالثة يتعلم اللغة في المدرسة والجامعة، في قواعدها ونصوصها الجميلة، وهذه هي اللغة، وفي المرحلة الرابعة يتعلم التوفيق بين المراحل الثلاث والتقريب بين الكلام واللغة، وتطوير كلامه، والمشكلة أن الطلبة يظنون أن ما تعلموه في البيت والشارع هو وحده اللغة وأنه وحده كاف، وينفرون من القصد في التعلم، ويرفضون أن يمتلكوا اللغة، يميلون إلى السهل اليسير، وهو الكلام اليومي، بل يفاخرون باللهجة، وتشجعهم على ذلك أكثر وسائل الإعلام، ولا سيما في الدعوة إلى أغنية هذا الإقليم وتلك البيئة وذلك المكان، اللغة العربية ليست صعبة، ويتعلمها المستشرق في بضع سنوات، في ثلاث سنوات أو أقل، ويجيدها، وهو متقدم في العمر، وقد تعلم اللغة العربية من قبل أمم وشعوب كثيرة، في الهند وبلاد فارس وتركية وفي إفريقة وإسبانية أو الأندلس، من أجل الإسلام، وأتقنوها، وتعلمها الرهبان ورجال العلم في فرنسا وإيطاليا وصقلية في مطلع عصر النهضة الأوربية، لأنها كانت لغة العلم، وفاخروا بتعلمها، ولم تكن صعبة، وهي في تطور مستمر، عبر العصور، ولم تجمد في يوم، وهي اليوم تستوعب لغة الفضاء والحاسوب والطب، واليوم أيضاً يشكو أبناء اللغة العربية من ضعفهم هم باللغة، ويظنون أنها لم تتطور، والمشكلة فيهم، وليس في لغتهم، لأنهم يعيشون مرحلة ضعف وتخلف وانهيار، ولذلك ضعفت ثقتهم بأنفسهم، فضعفت ثقتهم بلغتهم، واتهموها بالصعوبة وعدم التطور، والعلة فيهم وليس في لغتهم.

- السيرة الذاتية أصبحت نادرة في الشارع العربي، لماذا؟ ألانها صعبة المراس؟

- قلة هم الكتاب الذين يكتبون سيرتهم الذاتية، لأن معظم الكتاب يشعرون أنهم استوفوا الكتابة عن أنفسهم بطريقة غير مباشرة فيما أنتجوه من أدب، ولأن كتابة السيرة الذاتية أمر صعب حقيقة، فلا بد من أن يتوافر في السيرة الصدق والأمانة والموثوقية والدقة والعفوية، إلى جانب الفن، وكتابة السيرة أمر صعب لأن المجتمع العربي غير معتاد على الصدق والصراحة، ولا يتقبل الحقائق، ولا تقل الإجابة عن هذه الأسئلة في هذا الحوار صعوبة عن كتابة السيرة الذاتية، لأن الإجابة عن هذه الأسئلة تشبه كثيراً كتابة السيرة الذاتية، وعلى كل حال، هناك كتاب كُثُر كتبوا سيرتهم الذاتية، منهم عبد الوهاب البياتي من العراق، وصلاح عبد الصبور وطه حسين وأحمد أمين وعباس محمود العقاد وعائشة عبد الرحمن وعبد الرحمن بدوي ونجيب محفوظ وغيرهم من مصر، وحنا مينة وشفيق جبري ونزار قباني ومراد السباعي من سورية، وبالمناسبة فإن ابنتي فاطمة محبك قد نالت عام 2007 درجة الماجستير في اللغة العربية من جامعة حلب عن رسالة لها عنوانها: أدب السيرة الذاتية في سورية، درست فيها أكثر من عشرين سيرة ذاتية لأدباء من سورية.

- هل تؤيد ترجمة الأدب العبري إلى العربية وبالعكس؟ أم تعد ذلك نوعا من التطبيع مع العدو؟

- أؤيد ترجمة الأدب العبري، وأؤيد ترجمة كل ما يصدر باللغة العبرية من مؤلفات، وغيرها من لغات العالم، في الأدب والعلم وشتى جوانب المعرفة، وأدعو إلى ذلك، ومن الضروري أن نعرف الآخر، العدو والصديق، ومعرفة الآخر ضرورية لمعرفة العالم كله، ولمعرفة الذات، وللخروج من إطار الذات إلى العالم، ونحن العرب في العصر الحديث مقصرون كثيراً في مجال الترجمة، وقد ترجم أجدادنا في العصر العباسي أضعاف ما ترجمناه في القرن العشرين، ولذلك ازدهرت الحضارة العربية، واليوم تترجم اليابان كل ما يصدر باللغة الإنكليزية، فور صدوره، بل تصدر بعض الكتب بالإنكليزية في إنكلترة أو أمريكا، وتصدر ترجمتها في الوقت نفسه إلى اليابانية في اليابان، ونحن لا نكاد نترجم من الكتب إلا ما صدر قبل عشر سنين.

- هل ساعدتك الشبكة على التواصل مع الأدباء العرب؟

- الشبكة هي نبض العصر وروحه، ولا يمكن أن يدخل الإنسان القرن الحادي والعشرين إذا كان لا يتعامل مع الشبكة، وأنا من خلالها وفي خمس سنين، حققت ما لم أستطع تحقيقه في عشرين سنة، ولا أنسى أصدقائي عبر الشبكة، ولاسيما في موقع ديوان العرب.

- هل نستطيع تقسيم الأدب، والثقافة إلى يمين، ويسار، ووسط؟

-  الأدب هو لقاء الإنسان بالإنسان، وهو تعبير جميل عن الإنسان، وهو دعوة إلى الحق والخير والعدل والجمال، هو دعوة إلى الحرية، هو دعوة إلى الحب، وهي جميعاً قيم لا ينفصل بعضها عن بعضها الآخر، يمكن أن نوحّدها في الحب، وأن نوجدها فيه، وهل في الحب يمين ويسار ووسط؟ الحب الحق فيه الجهات الست كلها، بل إنه يبدع جهات أكثر من الجهات الست، وكذلك الأدب، فهو فضاء واسع لا تحده جهات، ولعله يذكرني بصورة لتمثال الإلهة شيفا في الديانة البوذية، فهي بستة أذرع، ولعله يذكرني ببيت من الشعر للشاعر ابن الرومي يصف فيه حبه لمغنية ذات صوت جميل، لم تكن من اليمن ولا من اليسار، وقد سد حبه لها كل منفذ:

عن يميني وعن شمالي وقٌدّا
مي وخلفي فأين عنه أحيدُ

وفي عالم السياسة ذابت الفوارق، فلم يبق يمين ولا يسار ولا وسط، وما هذه التحيّزات إلا من اصطناع الأنظمة كي تشغل الشعوب، وتزرع فيما بينها الشقاق، بل لتزرع الخلاف بين أفراد الشعب الواحد، وتبقى هي المسيطرة، ولكي تقرّب منها أناساً وتقصي آخرين، وفق مصلحتها، وفي أوج الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقاً كان الاتحاد السوفييتي يصدر الغاز إلى أمريكا ويستورد منها القمح، وكان هناك دائماً في اليسار يمين اليسار ويسار اليسار ووسط اليسار، وكذلك كانت هذه الاتجاهات كلها في اليمين، ومن غير المفيد صنع مثل هذه التصنيفات في الحياة كلها، لا في الأدب وحده، ومن المؤسف أن بعض الأدباء والنقاد في مرحلة ما انساقوا وراء هذه التصنيفات، وطبقوها على الأدب، وصنفوا الأدباء وفقاً لها، لتحقيق مصالحهم الشخصية أيضاً، وتحقيق مصالح من يواليهم أو يلوذ بهم، وكان الحكم على الأديب لا على الأدب، وكان الحكم على أساس من أسرة الأديب ومنشئه وغناه أو فقره، بعيداً عن نتاجه الأدبي، وتم وضع بعض الكتب النقدية على هذا الأساس، وتراجع عنها بعد ذلك أكثر أصحابها، واليوم ينكرونها هم أنفسهم، وقد مارس بعضهم سلطة قمعية، فقرر ألا ينشر إلا لهذا الكاتب أو ذاك على أساس من التصنيف التحيّزي، بالاعتماد على مصطلحات أدبية مصطنعة، ظاهرها فني وباطنها خلاف ذلك، مثل: أدب تقدمي، وأدب رجعي، وأدب هادف، وأدب ملتزم، وأدب انعزالي، بل تم في مرحلة سابقة ربط نوع أدبي معين باتجاه معين، وهو ربط زائف في الحالات كلها وغير صحيح، فقد ربط بعض المتسلطين في الأدب والمتطرفين قصيدة الشطرين بالرجعية والتخلف والتقليد، وربطوا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر بالتقدم والتقدمية والتجديد والحداثة، واتهم فريق آخر مناوئ هذه الأنواع الأخيرة بالعمالة والخيانة وعداء الأمة والتاريخ والتراث والدين، وقد انتهت الآن هذه الحرب الأدبية الباردة، وكانت ميدانياً ساخنة، وأصبحت قصيدة الشطرين وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر مجالات مفتوحة لكل الاتجاهات الفنية في الشعر، ولا تعني الكتابة في أي نمط من الأنماط الثلاثة سلفاً أي قيمة فكرية أو فنية، لأن القيمة للمحتوى والعالجة والأداء والموقف والرؤية والتقانات الفنية، وقد أصبح الانفتاح هو الصيغة التي يدعو إليها العالم اليوم، ويبقى الأدب فوق أي تصنيف تحيزي سوى التصنيف الفني والجمالي، وحتى هذا التصنيف هو أفق واسع ومتعدد ومتنوع وإلغاء فيه ولا إقصاء، فكل الأشكال والأنواع لها الحق في أن تعطي وتبدع.

- هل ترى ضرورة تحديث اللغة العربية لتساير التطورات الهائلة في المعلومات في شتى العلوم ومرافق الحياة؟ ما أهم مسألة تود أن تلفت انتباه مجامع اللغة العربية لها؟ ولماذا لا يوجد مجمع واحد للغة العربية؟ هل الحكومات السبب أم علماء اللغة لهم خلافاتهم أيضا؟

- اللغة العربية تتطور تلقائياً، وهي تساير العلوم الحديثة، وهي الآن تستوعب علوم الحاسوب وبرامجه وتقاناته، وعلوم الفضاء والطب والفيزياء النووية والاجتماع والسياسة والنقد الأدبي وشتى جوانب الحياة والعلوم، ومعظم الجامعات العربية تدرّس العلوم الحديثة باللغة العربية، ويشهد على ذلك أيضاً الصحافة والمؤلفات والمترجمات وهي تغطي جوانب الحياة كلها، مما يعني أننا نعبر باللغة العربية عن قضايا العصر الذي نعيش فيه، وكتابنا يكتبون في كل جانب مثلما كان الجاحظ يكتب، بل إن لغتنا العربية اليوم أكثر استيعاباً من لغة الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن خلدون، لأن علوم عصرنا وقضايا عصرنا أكثر تنوعاً وأكثر اتساعاً، ويواكب هذا التطور التلقائي جهود كبيرة تبذلها المجامع العربي في وضع مصطلحات جديدة وتعريبها، ويواكبها أيضاً جهود العلماء والباحثين والمترجمين في الجامعات ومراكز البحوث، ومن طبيعة الأمور ألا يوجد مجمع علمي واحد، بل من الضروري أن يوجد مجمع علمي في كل قطر من الأقطار العربية، كي يجتمع أعضاء المجمع في مكان يمكن أن يجتمعوا فيه كل شهر، وكي يحلوا المشكلات اللغوية في المنطقة التي هم فيها، وهم غير متفرغين، وغير معزولين عن العالم، ولا يعيشون في برج عاجي، ولذلك من الضروري أن يكون في كل دولة مجمع، وهذا يساعد على تعدد الآراء وتنوعها ويساعد على حرية الاختيار ويغني اللغة، طبعاً لا بد أن يكون هناك تنسيق بين المجامع، وهذا التنسيق قائم، بوجود مركز تنسيق التعريب، واتحاد مجامع اللغة العربية، واتحاد الجامعات العربية، ومن نتاجاته العلمية مثلاً المعجم الطبي العربي الموحد، ولا بد من الإشارة إلى أن المواكبة في اللغة والتطور لا يعني أن يكون لكل مصطلح أجنبي جديد مصطلح عربي جديد، يمكن تعريب المصطلح الأجنبي، أي إدخال المصطلح الأجنبي في اللغة العربية بصوته أو بالتعديل في صوته وصيغته، مثل: تلفزيون، وتلفاز، وأيديولجية، وديموقراطية، وهذا كثير في لغات العالم كلها، وحصل في اللغة العربية على مر العصور، والكلمة التي تدخل في لغة ما تصبح جزءاً منها، وليس في العالم لغة صافية، ولا بد من التقارض بين اللغات، وقد دخل في القرآن الكريم ألفاظ أعجمية كثيرة، منها: سندس وإستبرق وفردوس وجهنم وزنجبيل وسراط، ولكنها أصبحت جزءاً من العربية، وكذلك دخلت ألفاظ أخرى كثيرة، وفي غزوة الخندق اقترح سلمان الفارسي على الرسول حفر خندق، فسأله وما الخندق؟ فوضحه له، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: خندقوا إذن، فلقد تقبل الرسول الكلمة، واشتق منها فعلاً، وأصبحت الكلمة عربية، وهي تجمع على خنادق، وخندقات، فقد أخذت صيغة عربية، ودخلت بعد ذلك في العصور التالية ألفاظ كثيرة منها: فلسفة وموسيقا وكيمياء .... وهذا معروف في لغات العالم كلها، وخلاف ذلك الترجمة، وهي اشتقاق كلمة جديدة أو تحميل كلمة قديمة معنى جديداً ليناسب المصطلح الجديد، مثل: جريدة، وهاتف، ومذياع، وجوال، وحاسوب، فهي كلمات عربية فصيحة تدل في الأصل بالتتالي على ورقة النخيل، والمنادي من بعيد، وآلة نشر الخبر والصوت،، والمتجول، وقد أصبحت تدل على صحيفة الأخبار والتلفون والراديو والموبايل والكومبيوتر، والأمثلة بعد ذلك كثيرة، مما يعني أن اللغة العربية متطورة.

- هل يمكن القول إن التلفزيون قد صادر دور الرواية المقروءة أو قلل من قراءتها؟

- ليست مشكلة التلفزيون محصورة في الرواية، مشكلة التلفزيون أوسع، فقد صادر التلفزيون الشخصية العربية، وشوهها في الغناء والرقص والموسيقا والسياسة والإعلام والدين والثقافة والهوية والانتماء، مشكلة التلفزيون والعرب مشكلة كبيرة، فنحن أمام حمّى تلفزيونية، أموال تتدفق، وفضائيات تشترى، وقنوات تبث في كل جوانب الحياة، على مدى أربع وعشرين ساعة، وأطباق الاستقبال تملأ أسطح القصور والبيوت والأكواخ والفسحات أمام الخيام، والعربي لا يقرأ ولا يفكر، بل يقبل كل شيء ويستسلم، ولا يحاكم ولا يرفض ولا يستنكر، يضيع وقته وعمره، ويفرط جهده وطاقاته، والأنظمة قائمة بفضل القنوات الفضائية، تنفق عليها الأموال الكبيرة، ولو بنيت بهذه الأموال المشافي والجامعات ومراكز البحوث لحقق العرب تطوراً علمياً، ولا شك في أن هناك فضائيات جيدة وسليمة ومفيدة، ولكنها قليلة، وتضيع في زحام الفضائيات الأخرى، وعلى كل حال، فإن كتاب الرواية الجادين ما يزالون يكتبون الرواية، والقراء العشاق للرواية، ما يزالون يقرؤونها.

- أشكال الكتابة الأدبية تغيرت من الماضي إلى الحاضر هل تتنبأ بأشكال جديدة ستطفو على السطح؟

- الحياة دائماً في حالة إبداع، هنالك الآن في الأسواق كتب خاصة فيها رسائل قصيرة من أجل الخلوي الموبايل وهي تلبي حاجة الناس إلى كتابة رسائل في مناسبات الحب والزواج والأعياد، هذا مثال عفوي وبسيط جداً، هناك دائماً ما هو جديد، لا أستطيع التنبؤ، ولكن أتمنى أن أعيش وأن أشهد هذا الجديد لأشارك في هذا الجديد.

- القصة القصيرة جدا لم تنتشر بشكل واسع لا عربيا ولا عالميا، ما الأسباب حسب وجهة نظرك؟

القصة القصيرة جداً نوع أدبي جديد برز في الربع الأخير من القرن العشرين، وسرعان ما تنامى وازدهر، وحقق حضوره المتميز، وهي نوع من التجديد في الواقع الأدبي والاجتماعي، وكسر للجمود، واقتراح للتغيير، وهي لا تلغي غيرها من الأنواع السردية ولا تنافسها، وما تمتاز به هو عدم خضوعها للقوانين والقواعد، ولا يمكن أن تحدد لا بعدد الكلمات ولا الأسطر ولا الصفحات، ويكفي أنها بارقة خاطفة، قوامها الأول الإدهاش والمفاجأة والتكثيف الشديد، ولا يهم بعد ذلك بأي شكل كتبت، سواء في ذلك الحوار أو الخبر أو التعليق أو الحدث أو الشخصية أو المكان، وقد تجتمع فيها هذه العناصر كلها، وقد لا تجتمع، وقد تكون لغتها شعرية أو عادية، وقد لا تتعدى الجملة الواحدة، المهم فيها براعة المؤلف، هنا يكمن سر صعوبتها، على الرغم من سهولتها في الظاهر، وهناك الآن أكثر من مئتي مجموعة قصص قصيرة جداً مطبوعة، وقد أصدر أحمد جاسم الحسين في دمشق عام 1997 أول دراسة نظرية تطبيقية عن القصة القصيرة جداً، ونال السيد جاسم خلف إلياس درجة الماجستير في جامعة الموصل في العراق عام 2007 عن أطروحته التي عنوانها: شعرية القصة القصيرة جداً، رجع فيها إلى حوالي أربعين مجموعة قصصية خاصة بالقصة القصيرة جداً، وقد أصدرت مجلة (مجرة) في المغرب العربي في صيف 2009 عدداً خاصاً بالقصة القصيرة جداً، ويقام في مدينة حلب بسورية منذ عام 2002 ملتقى القصة القصيرة جداً، على مدى ثلاثة أيام، يشارك فيه مبدعون ونقاد من معظم أقطار الوطن العربي، وفي صيف عام 2009 أقيم الملتقى السابع، وشارك فيه أكثر من أربعين أديباً وناقداً من ليبيا والعراق ومصر والسعودية وسورية، ويقيم النادي العربي الفلسطيني في حلب منذ عام 2005 كل عام على مدى ثلاثة أيام احتفالية القصة القصيرة جداً، ويُعدّ محمود علي السعيد رائد القصة القصيرة جداً في سورية، وقد اقترح القاص جمعة الفاخري من ليبيا تسمية حلب عاصمة القصة القصيرة جداً، ولي أنا ـ صاحب هذه المقابلة ـ أربع مجموعات قصصية خاصة بالقصة القصيرة جداً، ومتوافرة في موقع ديوان العب، وقد أجرت عليها الباحثة ياسمين أبو مخ دراسة في مدينة الباقة بفلسطين بإشراف الدكتور فاروق المواسي نالت عليها درجة الدبلوم، وما تزال القصة القصيرة في نمو واتساع.

- دور المبدعات العربيات في الساحة الأدبية هل وصل إلى ما نطمح إليه أم أن مشاركتهن ما زالت في بدايتها؟

- لقد حققت المرأة حضوراً جيداً في الواقع العربي على مختلف المستويات، وهي مدعوة إلى مزيد من قوة الحضور، وفي الحقيقة تبين للجميع أن المرأة العربية تملك ثقة كبيرة بنفسها، وإرادة قوية لتحقيق ذاتها، وأنا مع ممارسة المرأة دورها الصحيح في الحياة وبأسلوب صحيح.

- العلاقة الثقافية مع جيراننا يجب أن تحتل دائما مكان الصدارة كإيران وتركيا ودول أفريقيا والأكراد...الخ كيف ترى التبادل الثقافي بيننا وبين هذه الشعوب؟

تعلق العرب كثيراً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين بالغرب الأوربي، بل انساق العرب انسياقاً كلياً وراء النمط الأوربي ثم الأمريكي، حتى الدول العربية التي تعادي الإمبريالية ما تزال تأخذ بكثير من المعطيات الأمريكية، على الرغم مما ذاقه العرب في معظم دولهم من ويلات الاستعمار الأوربي، وتدخله والتدخل الأمريكي، وهذا كله نتاج ظروف تاريخية، وعادى معظم العرب عداء مراً جيرانهم، ولا سيما الدولة العثمانية، ثم عادوا تركيا فيما بعد، وبعض الدول العربية عادت إيران، وتخلى العرب عن كثير من الدول الإسلامية في قلب إفريقية وفي سواحلها الجنوبية، وليس من المفيد الحكم على هذه المواقف، ولا يتسع المجال هنا للبحث عن الأسباب أو الدوافع، وعلى كل حال بدأت هذه المواقف بالتغير في أخريات القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيما في الموقف من الجيران: تركيا وإيران، بسبب نهوض هاتين الدولتين، وقوة حضورهما في الواقع الدولي، وتغير علاقة العرب بهاتين الدولتين بطيء جداً، ومن الصعب الحكم عليه أو التنبؤ بمستقبله، ولكن من الملاحظ تزايد تطوره نحو الأعمق والأقوى والأوسع، ومن المرجو تحقيق مزيد من اللقاء والتواصل، لقد أسهمت الشعوب المجاورة للعرب، ولا سيما في تركيا وإيران، في صنع الحضارة العربية الإسلامية، وبين شعوب هاتين الدولتين والشعب العربي علاقات ثقافية عميقة، وشعوب المنطقة كلها تلتقي في روحها الشرقية وتتشابه في نمط التفكير وفي العادات والتقاليد، وفي صالحها جميعاً التعاون فيما بينها، ولكن من المؤسف أن يلاحظ التفرق بين الدول العربية، ونمو الخلافات والصراعات الإقليمية الخفية والظاهرة بين الدول العربية، وعلى كل حال يبقى الشعب العربي في أقطار الوطن العربي متحداً في ثقافته وفي روحه، والمواطن العربي في كل مكان يحب أخاه العربي ويتواصل معه.

- بكلمات بسيطة كيف تصف نفسك لقرائك؟

- تصفني مؤلفاتي، وأكثرها متوافر في موقع ديوان العرب، مع سيرتي الذاتية، وفي مواقع أخرى عبر الشبكة، والحديث عن الذات صعب ومؤرق، وأظن أني وصفت نفسي في الإجابات السابقة، وأنا أشكر لك هذا الحوار، ولديوان العرب الشكر كله.

- متى تفكر بالتقاعد عن الكتابة؟

- أدخل الآن في عامي الستين، وأنا أوصي أولادي أن ينشروا كتبي ومقالاتي غير المنشورة بعد موتي، وأن يعيدوا نشر المنشور منها، ولا سيما مجموعاتي القصصية، وقد بلغت حتى الآن ثلاث عشرة مجموعة، وأوصي ابنتي أن تترجم بعض قصصي إلى الإنكليزية، وهي غير ابنتي السابقة التي أشرت إليها، هذه تحضر الآن رسالتها للدكتوراه في الأدب الإنكليزي في جامعة ليفربول بإنكلترة، حتى بعد موتي أنا لن أتقاعد.

شكرا لك دكتور أحمد على هذا الحوار الممتع وأطال الله في عمرك.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى