الثلاثاء ١ تموز (يوليو) ٢٠٠٣
الحلقة الاولى ـ من حلقتين

القيادة النسائية والإبداع:

ألمنظمات غير الحكومية في لبنان

عزة شرارة بيضون
أستاذة في قسم علم النفس، كلية الآداب الجامعة اللبنانية

مجلة دراسات الوحدة العربية ـ 2003

النساء والقيادة

على رغم اعتلاء "سلطانات" عديدات رأس الهرم القيادي في تاريخنا العربي – الإسلامي، تبقى قيادة الجماعة عندنا ملكة ذكرية ومن شؤون الرجال. وهي كذلك واقعاً وفي التصوّر الذي يحمله الناس عنها سواء بسواء. وفي لبنان الحاضر، كما هي الحال في البلدان العربية الأخرى، تذهب التقارير المتتالية المعنية بقضايا المرأة، رسمية أكانت أم أهلية، الى التذكير المتذمّر بضآلة نسبة النساء في "مواقع اتخاذ القرار" – في المراكز الإدارية كلما صعدنا في سلم هرم المؤسسات بكل أشكالها: الاستشارية والتنفيذية، العامة والخاصة، التمثيلية والمعينة . . . وفي مجالات أنشطة المجتمع كافة.

هذا، وتشير الدراسات التي تبحث في "الذكورة" و"الأنوثة" – وتلك التي تسعى لرصد السمات المرغوبة اجتماعياً للرجل والمرأة على التوالي – الى أن القيادة (Leadership) محبّذة للرجال، وبأن مكوناتها من السمات و الاتجاهات النفسانية لا تصف النساء إلا نادراً أو في قليل من الأحوال. وذلك بالالتزام والتوافق مع الصورة السائدة في المخيلة العامة لكل من الجنسين. هذه الصورة تكاد تكون ثابتة في هذه المخيلة في وجه التغيرات التي طالت أدوارهما، وأدوار المرأة بخاصة، وثباتها، كما لا يخفى، من ركائز النظام الأبوي الذي يتوسط المؤسسات والقيم والمعتقدات من أجل إعادة إنتاج التراتبية الصارمة لمواقع النساء والرجال في المجتمعات الأبوية، ومن أجل إسباغ رفعة المكانة والقيمة على مقام الرجل والإعلاء من أهمية كفاءاته بالمقارنة مع المرأة. وينطوي ذلك كله على إرساء لتقييدات مضمرة تفضي الى رفع "السقف الزجاجي، الذي ترتطم به النساء في مسار سعيهن للترقي في سلم الهرم الاجتماعي الى أعلى درجاته. وتشير الدراسات التي ساهمت في توضيح مفهوم "السقف الزجاجي" الى أن الترقي المذكور لا يرتبط لدى النساء، وبخلاف ما هو عليه لدى الرجال، وملائهن في المحيط نفسه، بأدائهن أو بتقييم قدراتهن التي تجلت في ذلك الأداء، أو بالتأثير الذي أحرزته على ذلك المحيط؛ بل هو مقيد بالمعتقدات الجندرية التي تقف لهن بالمرصاد لمحاسبتهن، بل معاقبتهن أحياناً، على خرق الترتيب المتوقع للمكانة المرسومة لهن في ذلك النظام.

لكن النساء حاضراً، وعلى رغم السقف المذكور، ما زلن يُحرزن تقدماً في تسلقهن الصعب الى مراكز القيادة. وقد انشغلت دراسات كثيرة برصد هذا التسلق وشروطه في المواقع المختلفة السياسية والاجتماعية والتنظيمية في العالم الصناعي، بخاصة. وكثيرة من هذه الدراسات بحث عن أسلوب نسائي في القيادة وعن إسهامات خاصة بالنساء بوصفهن يحملن خبرات ورؤى مغايرة لخبرات ورؤى الرجال لمعنى الاجتماع والتنظيم. وحيث إن هذه الدراسات توصلت، بسبب تباين مناهجها وعيناتها وأدوات بحثها، الى نتائج متضاربة، فإن دراسات لاحقة حاولت جمعها في تحليل بعدي (Meta-analysis) لمحاولة تعيين نتائج مشتركة فيما بينها. هذه الدراسات تشير، في معظمها، الى أن النساء لم يتوصلن بعد الى إضافة ملموسة الى مراكز القيادة في المنظمات المختلطة، بل إن الموقع القيادي يطوع أداء النساء لجعله متناسباً مع القواعد والمعايير والأخلاقيات التي وضعها الرجال لذلك الموقع.

وفي بلادنا العربية دراسات مبعثرة اتخذت القيادات النسائية موضوعاً لها. هذه الدراسات تركزت في المنظمات غير الحكومية بخاصة، بعضها يصف كيفية وصول القيادة الى موقعها، والبعض الآخر "إحصائي" يبرز في معطياته أعداد السنوات التي تستقر فيها قيادات الجمعيات على رأسها ليخلص الى نعتها باللاديمقراطية، وبعضها الآخر دراسة حالات محصورة من القيادات أو من المنظمات التي ترأسها هذه القيادات، وهي لا تختلف في مقاصدها ولا في نتائجها كثيراً. وفي الروايات التي كتبت عن حياة الرائدات من النساء في العمل الاجتماعي، وأكثرهن أسسن جمعيات وتبوأن مراكز قيادية فيها، نجد وصفاً للمسار الاستثنائي الذي أفضى بهؤلاء النساء الى التعليم والنشاط الاجتماعي على رغم القوى المجتمعة المناهضة (دور الأب بخاصة والأم، بدرجة ثانية)، وبعض الكلام عن دوافعهن وسماتهن الشخصية النضالية وتعداداً لأنشطتهن، وقلما نقع على وصف لأدائهن القيادي على وجه التحديد.

الإبداع والنساء

إذا كانت القيادة جلية في مجافاتها للشرط النسائي وللشخصية الأنثوية المرغوبة اجتماعياً، فإن الإبداع يقع منهما (الشخصية والشرط النسائيين)، في موقع ملتبس وأكثر تعقيداً. ذلك لأن الإبداع، وبحسب التعريفات المختلفة، ذو وجهين متناقضين:

- الأول: ينمّ عن فردية قصوى تحاذي الهامشية الاجتماعية في تطرفها.
- الثاني: يتضمن توجهاً صوب الآخرين الى درجة تقترب من الإيثارية.

فالإبداع، بوجهه الأول، يتمثل بمواجهة التحديات بحدة وفعالية في وضعية اجتماعية معينة؛ وهو ينطوي، تبعاً لذلك، على مواجهة المجتمع "ومعاداة" قواعده و"الإخفاق" في التوافق مع معاييره السائدة. والأشخاص الذين حصلوا على اعتراف المجتمع بإبداعهم يخلّون بالمعايير والنظم السائدة، لكنهم ينجحون بالبقاء ضمن حدود مضمرة للمقبول والمسموح تضعها المجتمعات بشكل قواعد تعين، هي الأخرى، مجالات الإخلال بالقواعد الأولى ودرجة ذلك الإخلال، هذا الوجه من الإبداع وملامحه التي تتصف بهجومية ناشطة واستعداد للمخاطرة والتجرؤ على المعايير والقيم السائدة هي جميعاً من "شيم" الذكور. ومن ناقل القول إن القوانين المضمرة التي تسمح بذلك التجرؤ وتعين درجته وحدوده هي أكثر تسامحاً تجاه الرجال منها تجاه النساء. فيبدو هذا الوجه من الإبداع أقرب الى أن يكون ذكرياً.

واحتمال أن يكون ما افترضنا صحيحاً يتعزز في نتائج أكثر الدراسات التي أجريت عن أحوال النساء المبدعات في المجالات الأدبية والعلمية والفنية، هؤلاء النساء اتسمن بصفات استثنائية ليست في عداد كوكبة الصفات المرغوبة اجتماعياً لبني جنسها، ولا هي من المثالات التي تتم تنشئة الإناث على التشبه بها. ومنها القدرة على مواجهة التحديات والمشاكل، والاستعداد للعيش حياة لا تشبه حيوات أترابهن؛ وهؤلاء أبدين، منذ الطفولة، تفوقاً في الذكاء والاجتهاد والتخيل والإرادة وتميزن بلا عُرفيتهن ومواقفهن النقدية. ومسيرتهن الحياتية تشير الى أنهن قبلن بالوحدة والانسحاب من صخب الحياة الاجتماعية وحرارة المؤالفة ( Sociability) والتخلي، الى حد بعيد، عن العلائقية في ما يبدو أنه تحييد لنواح رئيسية من هويتها الأنثوية.

على أن الإبداع في الحقل الاجتماعي، وبدرجة أكبر من المجالات الأخرى (الفنية والأدبية، مثلاً)، لا يكفي أن يكون ناتجه باهراً ومستحدثاً، بل ينبغي أن يكون مقبولاً من الآخرين، متناغماً مع قيمهم؛ فيتعين عليه أن يحظى بمصداقية ثقافية اجتماعية وأن يتدرج في سياق مجتمعي راهن من أجل إطلاق صفة الإبداع عليه. وهو ما يبرز الوجه الآخر للإبداع الذي ذكرناه أعلاه في الحقل الاجتماعي في تعبيراته الأكثر معاصرة. فالإبداع من هذا المنظور يتجلى في أشخاص يقومون بدور المسهلين للإبداع في محيطهم الاجتماعي / المؤسسي، يحصل ذلك عبر بث المعرفة والنشاط والحماسة لدى آخرين سعياً لإطلاق طاقتهم الإبداعية. هؤلاء، غالباً، أشخاص غير بارزين – أستاذ ابتدائي، مثلاً، أو باحث في فريق أو ناشط في منظمة غير حكومية – ووظيفتهم تتمثل بمد الآخرين بمنظور إيجابي يسمح لهم بنعت أفكارهم بالإبداعية لا بـ "الغريبة" أو بـ"المجنونة"، أو بتوفير مساحة آمنة لآخرين يسعهم أن يقوموا ضمنها بكسر القواعد الصارمة أو اختبار المدى الذي يستطيعون معه الابتعاد عن القيم والمعايير المألوفة وأن "يخطئوا" دون التعرض للمحاسبة والعقاب ودون الشعور بالذنب أو بالمخاطرة. ومن هذا المنظور يرتسم الإبداع بوصفه خالقاً لشروط تألق آخرين ومحيطاً حاضناً لانحيازهم عن المألوف ومرحباً بـ"غرابة" أفكارهم أو "جنونهم". ها هنا، وبخلاف الوجه الأول للإبداع، يبرز الوجه الأنثوي، الأمومي الإيثاري بخاصة، في صفائه الافتراضي الأقصى. ويبدو الإبداع من هذا المنظور تسامياً للدور الأمومي وتفعيلاً له في مجال أشمل من المجال الأسري.

القيادة والإبداع

لا يستبعد بعض الباحثين المهتمين بدراسة القيادة أن تكون هذه متوارثة جينياً فلا يسع المرء تعلم أصولها. ويجد آخرون أنها اختراع لا اكتشاف، وأنها أداء تلقائي لا توصيف له. ومنهم من يدرجها صنفاً من أصناف الفنون الجميلة. وموضوع هذا الفن يتمثل بخلق رؤية استراتيجية للجماعة التابعة وتعيين توجيهاتها الحالية وتحديد مصيرها. فتكون مهمة القيادة تنسيق العلاقات القائمة بين هوية الجماعة من جهة، وبين الرؤية الاستراتيجية لمسارها من جهة أخرى، والبحث عن كيفية تحقيقها، وهوية الجماعة ليست انعكاساً للواقع، إنما هي بناء تعمل القيادة على إنشائه بواسطة العدة الأسطورية والمصادر المتضاربة لرواية نشوئها وتاريخها. أما الرؤية فيتم تصميمها في المخيلة لا بالاختبار؛ لذا فهي أقرب لأن تكون لوحة تشكيلية منها الى ن تكون صورة فوتوغرافية، والتكتيكات التنظيمية التي تنفذها القيادة تنتمي الى فئة "العمل في الميدان"، فلا تخضع للحسابات الدقيقة. ويتم إرسال هذا كله وتلقيه عبر التواصل بالإقناع القائم، أساساً، على الفنون الأدائية: مسرح المهارات الكلامية.

تفترض صورة القيادة هذه شخصية كاريزمية قادرة على إحداث تأثير شبه سحري في تابعيها مصدره قدر كبير من الإبداع في تحقيق مهامها الفنية، وحيث يبدو الكلام عن فن القيادة مجرداً وإنشائياً فإن افتراض لزوم الإبداع لدى القيادة في وعضوية معينة، والمنظمات في المجتمع بخاصة، جاء لدى آخرين ملموساً ومصوغاً بمفردات من السلوك التنظيمي. فقيادة المنظمات، مثلاً، مضطرة لتوليد حلول لمسائل طارئة في وضعيات واقعية للجماعة تتسم بضيق الوقت وتشعب مصادر مكوناتها، وذلك باللجوء الى طرق مختصرة ومعارف تجريبية عامة. أما المسائل الشاملة والمعقدة فيتم التعامل معها تدريجياً، بجمع أجزاء تفصيلية منها. ومراحل هذا التعامل تبدأ بتحديد المشكلة وتفكيكها الى عناصرها وتعيين القيود التي نواجه حلها. . . الإطار الزمني، الموارد المتاحة، متطلبات النظام، الأهداف المتضاربة والمشاكل التي تولدها الحلول المحتملة. ويتمثل ذلك بالجهود المبذولة لإعادة تنظيم المعلومات المتوفرة لا خلق مزيد منها، كما يتمثل بتعيين الحلول التي يتبين، لاحقاً، أنها صالحة في حدود التقييدات المحيطة بالمنظمة. إن التوصل الى الفعل في الوضعية التنظيمية، بوجود التعقيدات المحيطة بها، من أهم مظاهر الإبداع في القيادة، من هنا، فإن إبداع القيادة هو ظاهرة اجتماعية ملموسة تنطوي على قدرات رفيعة توظف في خلق رؤية مشتركة وتفترض مهارات اجتماعية تسمح بتوليد شروط اجتماع الآخرين والتأثير فيهم وإلهامهم لإحداث توافقهم على العمل معاً من أجل تحقيق أهداف مشتركة.

ينتمي الوصف الأول، والذي أثبتنا أعلاه لإبداع القائد – "الفنان" الى ما عرف في أدبيات القيادة بـ "نظرية السمات" (Trait Theory) التي ترصد للقائد سمات شخصية ثابتة عبر الزمان والمكان. أما في شخصية القائد – مدير المنظمة – فإن الإبداع دالة الوضعية المحيطة به. لذا فإن القيادة هنا موقفية ( Situational). فتصح الأولى، بدرجة أكبر، على قيادات لأشخاص "تابعين" يحملون ولاء لشخص القائد وثقة بمشروعه ورؤيته، فيما تصف الثانية قيادة مشروطة بمصداقية الرؤية التي تحملها وحسن الأداء في محاولة تحقيقها وملموسية النتائج التي تحدثها.

أسئلة الدراسة ومسار تنفيذها

الخلفية المثلثة الأضلاع (إمرأة – قيادة – إبداع)، التي استعرضنا أعلاه، تبين أن القيادة، وفي أي من وجهيها، الكاريزمي أم الإداري – التنظيمي تتضمن إبداعاً؛ وأن بعض معاني الإبداع متناغمة غير متعارضة مع خبرات النساء واتجاهاتهن وسماتهن المرغوبة اجتماعياً. على هذه القاعدة المثلثة الأضلاع نطرح أسئلة هذه الدراسة:

بماذا يتسم فعل القيادة النسائية عندنا؟ كيف توصلت فئة نسائية من عندنا لأن تتبوأ مكانة القيادة؟ وما هو موقع الإبداع في مسوغات اصطفائها قائدة للجماعة؟ وما هي، أخيراً، المظاهر الابداعية في أدائها القيادي؟

للإجابة عن أسئلتنا، اخترنا أن نتوجه الى نساء على رأس منظمات غير حكومية لبنانية. واختيارنا يسوغه كون هذه المنظمات المجال الأول الذي اختبرت فيه النساء نشاطاً راشداً غير أسري، وفيه تبوأت مراكز قيادية وأرست تراثاً يسعنا البحث فيه عن خصوصية القيادة النسائية، ويسمح لنا باعتماده قاعدة للحكم بالإبداع أو الاتباع، على القيادة النسائية المعاصرة.

من هذه المنظمات ما يعنى بشؤون المرأة حصراً (لجنة حقوق المرأة، الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة، التجمع النسائي الديموقراطي، اللجنة الأهلية لشؤون المرأة)، واحدة أعضاؤها من النساء حصراً لكنها تعنى بموضوعات متنوعة ذات طابع رعائي (المجلس النسائي اللبناني وهو أكبر تجمع نسائي في البلاد ويحوي على مائة وأربعين جمعية نسائية، وبضع عشرات من نساء منفردات)، واثنتان مختلطتان ومتعددتا الاهتمام، شؤون المرأة من بينها (الحركة الاجتماعية وحركة حقوق الناس)، وواحدة ثقافية عضواتها من النساء فقط (تجمع الباحثات اللبنانيات).

ونحن توسلنا المقابلة نصف المقيدة، طرحنا فيها أسئلة موحدة وأخرى ولدتها إجابات هؤلاء النساء والاستطرادات عليها. واشتلمت المقابلة على سبر نواح مختلفة من القيادة: الرواية الشخصية لمسارها، ومسوغات الاختيار لشخصها، والتصورات التي حملتها لها، وتقييمها لأدائها، وتأثير المرؤوسين في أدائها، وتأثرها الشخصي بالموقع القيادي، والوجه الأنثوي من قياديتها، ومقارنتها بمواقع قيادية أخرى، ومواجهتها للأزمات التنظيمية والأزمات العامة.

اسم المنظمة غير الحكوميةاسم رئيستها
المجلس النسائي اللبناني إقبال دوغان
حركة حقوق الناس أوغاريت يونان
الحركة الاجتماعية مايلة بخاش
الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة زويا روحانا
التجمع النسائي الديموقراطي وداد شختورة
الهيئة الأهلية لمتابعة شؤون المرأة أمان شعراني (رئيسة المجلس النسائي الأسبق)
لجنة حقوق المرأة ليندا مطر (رئيسة المجلس النسائي السابقة)
تجمع الباحثات اللبنانيات جين مقدسي أنيسة الأمين ليلى شيخاني

اختيارهن: ظروفه ومقوماته

في مطلع مقابلاتنا، طلبنا اليهن رواية "حكاياتهن" مع القيادة؛ وغايتنا من ذلك استدراج تعبيرات تلقائية لظروف اختيار هؤلاء النساء لمنصب القيادة، ولمسوغات قبولهن لتلك المكانة وأدوارها، للصورة التي يحملنها لها فرادى وجماعات، وللمعاني التي يُسْبغنها عليها.

واحدة فقط من مستجوباتنا العشر نالت موقع رئاسة جمعيتها إثر معركة انتخابية، ووفق برنامج انتخابي استدعى قيام مناظرة علنية بينها وبين منافستها على المنصب. في هذه المناظرة تم نقاش عام وتداول للأمور التي تعني الجمعية. الباقيات كلهن (واثنتان منهما مؤسستان لمنظمتيهما)، تتبوأن رئاسة جمعياتهن بالتوافق. هذا التوافق قلما رافقه "حماس" حقيقي من قبل الرئيسات أو من قبل اللواتي اخترنهن. وتراجع الحماس مصدره أمران:

-  الأول: كون الرئيسة المعنية مؤسسة لمنظمتها أو من مؤسسيها، أو كونها تدرجت بدون منافسة على سلم الهرم القيادي وحظيت، في كل من الحالتين، باعتراف الجميع بتفوق كفاءتها على الباقين، فجاء اختيارها شبه تلقائي غير محكوم بالمنافسة.

-  الثاني: إن نصف النساء المستجوبات تم اختيارهن "على سبيل التسوية" وحلاً وسطياً بين تيارين متصارعين كادت حدة تصادمهما تودي بوحدة الجمعية؛ فكان أن "قبلن" بالمركز، لا سعياً لتحقيق رؤية خاصة، صريحة أو مضمرة – بل إن بعضهن جهرن بأنهن كن جاهلات بما ينتظرهن – إنما بدافع الشعور بالمسؤولية تجاه القضية التي تجمّعن من أجلها أو حرصاً على وحدة الجماعة ومنعاً لتشظيها.

وبكلام بعض هؤلاء: "انتخبت لأسباب سلبية، لا لسمات أو مهارات أملكها"، أو "لإنهاء مأزق خلفته استقالة الرئيسة السابقة"، أو "جئت حلاً خارجياً لأطراف متصارعة على القيادة"، أو "لأنني لست سلطوية". . . وأخيراً "ربما لأن العضوات لا يعرفنني جيداً ويغر مدركات، تالياً، لـ "مساوئي!". والواقع أن أكثر هؤلاء النساء كن قياديات في مراكز مهنية أو منظمات غير حكومية أو نقابية فجاء اختيارهن، ربما، استشرافاً لممارسة قيادية تستمد أهليتها ضمناً بالقياس على تجربة سابقة.

هذا، وقد برز في رواية النساء لوجودهن على رأس المنظمات غير الحكومية اتجاهان:

-  الأول: ويتمثل بالإعلاء من الدور القيادي والإقرار بامتلاك مقوماته وبالسعي الحثيث، أحياناً، لشحذها. وينطبق ما نقول، بشكل خاص، على المؤسِّسات من القياديات وإن كان لا يقتصر عليهن. ويجتمع هؤلاء على تبنيهن لرؤية "ما، للعمل الاجتماعي تنطوي على فهم وتحليل لحركة المجتمع الذي يرغبن في الفعل والتغيير فيه، والعمل تالياً، على ابتداع صياغة استراتيجيات النضال وأدواته الفاعلة لتحقيق ذلك.
وتصرح بعض القياديات باختصار وثقة بأنه تم التوافق عليهن لأنهن يملكن صفات شخصية قيادية، هذا، فيما يعد البعض الآخر السمات التي تشكل معاً، وبرأيهن دائماً، سمات القيادة، هذه تشتمل على الأخلاقية والصدق والالتزام والمثابرة والصبر والتضحية والرتبة العلمية وقوة الحجة والحزم والتنظيم والحماس للقضية وامتلاك ميزات تسمح للإطلالة والحضور – الشكل الحسن ومهارة الخطابة من بينها – والثقافات والتحصيل المعمق حول القضايا المطروحة. يضاف الى ذلك واقعة تراكم الخبرات بالتضافر مع إمكانية مواكبة التغيرات المستجدة، والقدرة على حل النزعات، وتوفر الوقت. . . الخ.

-  الثاني: وهو الغالب، تراج لـ"الأنا" أمام الجماعة، وتواتر التماهي معها في الكلام المرسل عن طبيعة قياداتهن. وبعض أشكال هذا التراجع يضعها في موقع منخفض (Low Profile) وهو موقع أملاه، في أغلب الأحيان، ما ذكرنا من أن هؤلاء النساء لم يطمحن الى القيادة، ولم يكن الوصول اليها خياراً فعلياً أو ناشطاً، بل قبلن بها، أحياناً على مضض. تجدر الإشارة الى أن هؤلاء ما لبثن أن انطلقن في مهامهن القيادية بحماس والتزام طارحات رؤيتهن التي أدت، أحياناً، الى انعطاف في مسار الجمعية التي يرأسن؛ فهن لم يكتفين، في الغالب، بالبقاء في موقع التسوية الذي وجدن أنفسهن فيه في بداية عهدهن.

لكن اتخاذهن الموقع المنخفض المذكور جاء، أيضاً، استجابة لطلب مضمر، يحدسن إلحاحه من أعضاء الجمعية التي ينتمين اليها؛ وبعض هؤلاء الأعضاء أبدين حساسية بالغة تجاه انحراف السلطة وتحولها الى نجومية فارغة على غرار القيادات السياسية الرجالية التي تزخر بها مجتمعاتنا. لكن تراجع "الأنا" القيادية أمام الجماعة يرتكز، أيضاً، على واقعة أن الاستراتيجيات والخطط والبرامج أنتجت جماعياً في الهيئات المختصة ولم يكن للقيادة، دائماً، دور متميز في إنتاجها.

هذا التراجع أمام الجماعة وإنجازاتها قلما تجاوز المجموعة الخاصة – أعضاء المنظمة غير الحكومية وأعضاء الهيئات القيادية فيها. ويلمس المرء لدى هؤلاء القياديات بعض "التعصب" للجمعية التي يرأسنها وبعض التغني بإنجازاتها. وتعترف إحدى القياديات بأنها فخورة بالشهرة التي نالتها جمعيتها. وتجد أخرى أن دعوتها، بصفتها رئيسة لإحدى المنظمات، لتمثيل النساء في مناسبة رسمية هو مبعث رضا لها ودليل على أهمية المنظمة تلك. هذا، فيما تشير أخرى من جيل القيادات الأكثر شباباً في عينتنا الى أن بعض البرودة سادت علاقة الجمعية التي ترأس بجمعيات نسائية أخرى إثر نشاط مشترك ناجح قامت جمعيتها بتنسيق فعاليته؛ وذلك لأن "جمعيتها" برزت في هذا النشاط بسبب ذلك التنسيق. إن التراجع المذكور محدود، إذاً، لأنه تراجع أمام جماعة مصطفاة من النساء في دائرة المنظمة التي ترأسها هذه القائدة، وقلما يتعداه الى النساء أو قضيتهن.
وفي ما يتجاوز السمات الشخصية لهؤلاء النساء، ما هو التصور الذي حملنه لموقعهن ولوظيفته؟

من أقوالهن لوصف تصوراتهن هذه ما يلي:

-  "لم أملك تصوراً مسبقاً لدوري القيادي".
-  "كان دوري، بداية، التصدي للمشاكل اليومية والاستجابة للحاجات المباشرة، على رأسها حل النزاعات".
-  "كنت أشعر أنني ذاهبة الى المجهول الكلي، ولم أتلق أي توصيف لوظيفتي الجديدة، وحيث إن الأزمة، في فترة رئاستي الأولى، كانت هي الطاغية، فقد استنفدت كل جهدي".
-  "لعبت الدور القيادي قبل صياغة تصور له. الاختبار الفعلي وفر لي مفردات تلك الصياغة".
-  "تصورت أنني أكمّل، أساساً، طريق سابقتي".

هذا التصور – أي ما يشير الى رؤية استراتيجية – بدا غائباً أو متوارياً خلف أولويات تنظيمية طارئة في بداية عهود بعضهن، ما لبث أن تبلور، تباعاً، في خطابهن وتجسد في سلوكهن، وبنتيجة الاختبار اليومي لمهامهن القيادية، مؤدياً الى إعادة انتخابهن لدورات عدة على رأس جمعياتهن. وذلك طاول رؤيتهن للعمل الاجتماعي من جهة، وبنية منظماتهن التي يرأسن – أداة ذلك العمل من جهة ثانية. وقد توصل بعض هؤلاء الى صياغة التصور المذكور جماعياً، أو فردياً، لكن دائماً استجابة لخصوصية المنظمة ولظروف نشأتها وطبيعة المهام المطروحة عليها بالتضافر مع الأوضاع العامة المحيطة بها. هذه الرؤى أخذت شكل شعارات عامة كمثل "مواجهة التحديات بعد الحرب"، أو كمثل "تفعيل العمل النسوي"، أو "السعي من أجل تحالفات نسائية"، أو "خلق صورة للجمعية مستقلة عن قيادتها الكاريزمية".

غير ان هؤلاء النساء لعبن دوراً قيادياً في بناء منظماتهن أكثر ملموسية تجلى في إطلاق البحث والتجريب في الآليات والأشكال التنظيمية التي تسمح بتخويل السلطات وتوزيع الصلاحيات والتشارك في أخذ القرار. وعملن، أيضاً، على إطلاق برامج تفضي الى تمكين العاملات (والعاملين في المنظمات غير الحكومية المختلطة)، ورفع كفاءاتهن وحساسيتهن سعياً لزيادة الفعالية التنظيمية للجمعية ولإرساء شروط الممارسة الديمقراطية فيها. هذا المنحى بدا وسيلياً في معظم الأحيان، وفي خدمة الفعالية تحديداً ("رأي متعدد أكثر صواباً من رأي واحد وحيد" أو "شجعت الاختلاف والمعارضة والنقاش لأنني لا أعتقد أنني أفهم أكثر من غيري")، لكنه كان، في أحيان أخرى، مكوناً رئيسياً من موضوع العمل الاجتماعي وغاية تُرجى منه.

لكن غياب التصور المسبق لدور القيادة الذي تسبب به أحياناً، وكما رأينا في روايات بعضهن، الظروف الطارئة لتبوئهن ذلك الموقع لم يسلبها – أي القيادة – خلفية ثابتة الملامح يسع هؤلاء أن يستندن اليها لتقييم تجربتهن بإزائها. لكن التقييم – الحكم بالإخفاق أو النجاح في القيام بدور القيادة – ينطوي على تصور مضمر أو معلن لذلك الدور. وهو هنا مساوٍ لتقييم أداء الجمعية نفسها: نموها وتوسعها، والطلب على مخرجاتها وأشخاصها وبرامجها، وكل ما يشير الى استوائها مرجعاً للدولة أو لجمعيات اخرى، والصدى الذي تحدثه في الجماعات التي تتوجه اليها، وبروزها معلماً في الفضاء الاجتماعي والسياسي العام . . . الخ.

القيادة و"المرؤوسون"

الى أي حد تأثرت قيادة هؤلاء النساء بسمات مرؤوسيهن من النساء والرجال المنتسبات والمنتسبين الى المنظمات غير الحكومية التي يرأسن؟ وكيف تأثرن، شخصياً، بالقيادة؟

أسهبت النساء اللواتي قابلنا في تعداد السمات الشخصية للمرؤوسين؛ بعض هذه ظرفية، وبعضها عُزي الى سمات الأشخاص عامة في ثقافتنا الاجتماعية. ومن هذه السمات الالتزام والحماس؛ وهما، برأي هؤلاء، سمتان إيجابيتان تسهمان في تسهيل عمل القيادة. ومن تعبيراتهما التبادل والتشارك والاستجابة للطروحات والكرم بالأفكار والاستعداد للمساعدة.

يقابل ذلك لائحة أطول من تأثيرات مُعيقة للمراسة القيادية تسببها كوكبة من الاتجاهات تقع على محاور ثلاثة:

-  الأول: التلقي، الذي تتسم به النساء بشكل خاص، والاتكالية وغياب المبادرة وتحكيم القيادة في كل شاردة وواردة.

وبلسان بعضهن: "ما يثير أعصابي أن المبادرة الى الطرح والتغيير تأتي دائماً من عندي أنا".

وفي وصف القيادات الوسيطة: "النساء لا يطمحن للقيادة أو هن يتنطحن لقيادة لا يملكن مهارتها".

-  الثاني: قصور الخبرات والمهارات والكفاءات؛ وينعكس ذلك تراكماً للمهام على الرئيسة نفسها والتباطؤ في الإنجاز.

"تزعجني المراوحة في المكان نفسه والعود على البدء في النقاش. تنقصهم مهارة الاكتساب الناشط للأمور التي جرى إقرارها".
"القيادات الوسطية لا تملك القدرة على حل المسائل، وهو ما يمركز القرار بشأنها في القيادة العليا".

-  الثالث: سوء استخدام الأجواء الديموقراطية المرحبة بالتعبيرات الشخصية (من قِبل الشخصيات التسلطية بخاصة)، والاختلاط بين الديموقراطية والتسيبية (Laissez Faire) وإبداء حذر مبالغ به وغير واقعي من تسلط القيادة.

ومن كلامهن: "وجدت تعارضاً معهن في مفهوم الديموقراطية؛ هو يساوينها بالفوضى بالحرية الفردية الكاملة. بالنسبة الي لا ديمقراطية دون الالتزام بنظام وقانون".

"تعرضت للتهجم وقيل إنني متسلطة. يساوين فرض النظام بالتسلط. كيف لي أن أنجز برنامج الاجتماع وأن أتوصل الى أخذ قرارات بالإجماع والتوافق إذا سمحت بالاسترسال في الكلام ولم أتدخل لمنع التكرار؟"

هذا، ورصدت أكثر القيادات فجوة بين الوتيرة التي يرغبن بالعمل بها وبين استجابة المرؤوسين لها. إما بسبب ميل شخصي للتسارع لديهن تمليه، ربما، حدة التزامهن بالقضية أو، أحياناً، بسبب بطء من المرؤوسين أنفسهم فرضه ضيق مساحة الوقت الذي يخصصون للعمل الاجتماعي. وهو ما ينطبق بشكل خاص على المتطوعين غير المتفرغين فيه، وحيث تطغى الضرورات المعيشية على أولويات هؤلاء، وتؤدي ببضعهم الى ترك البلاد برمتها سعياً وراء الرزق.

على صعيد آخر، يطرح تبني موضوع غير مألوف في ثقافتنا السائدة كاللاعنف عامة، أو مناهضة، العنف ضد النساء، مثلاً، ضرورة إدماجه في تجاهات الناشطين النفسية وسلوكهم. ويثقل ذلك برامج المنظمة وخططها بالتدريب والتحسيس (Sensitization) للكوادر على حساب التوجه صوب الجماعات المعنية، موضوع العمل الاجتماعي نفسه.

وتجد بعض القيادات في "حاجة" المرؤوسين الى قيادتها وتمسكاً بها لدورات عدة مسوغاً للرضا عن الذات، ودليلاً على الثقة بشخصها يدفع بهن الى مزيد من العطاء؛ فيما تتذمر قيادات أخرى من الحاجة نفسها وتعمل جاهدة على تمكين أهل المنظمة لحمل عبء المهام القيادية عنها.

هذا، وتركت القيادة قلقاً لدى قلة من النساء المستجوبات مصدره تفاوت بين مفهومهن ومفهوم مرؤوسيهن لها. هذا التفاوت حرك لديهن مشاعر ملتبسة ووضعهن في موضع التأمل والمراجعة للذات في أبعادها كافة، ولموقع القيادة من الأنوثة والذكورة في ثقافتنا الاجتماعية، وكانت مناسبة، لدى بعضهن، لاستدخال سمات في شخصيتهن من الأنوثة أو من الذكورة كانت غائبة لتساهم في إحداث توازن "أندروجيني" بينها بدا أكثر ملاءمة في الممارسة القيادية.

ألمنظمات غير الحكومية في لبنان

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى