الاثنين ٦ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٤
بقلم نجــلاء محـمود مِحْرِم

تحولات

سمعوه فى هدأة الليل
يفح صوته ..
يتسرب إلى خلاياهم ..
"أيها النائمون.. لم يكتمل النصاب"
تقلب النائمون فى فراشهم..
فُتِحَتْ العيونُ وبَحْلَقَتْ..
تمتمت ألسن تستعيذ من الشيطان..
بحثت أرجل عن مداساتها..
تسربوا فرادى وجماعات خارج الدور..
كلٌ يسأل الباقين:

- هل أديتم ما أنتم به مكلفون؟
ـ لماذا لم يكتمل النصاب؟
ـ لماذا عاد يفح بصوته الكريه ثانية؟

كانوا قد نسوا المرة الأولى!
حين سمعوه فى هدأة الليل..
يفح صوته..
يتسرب إلى خلاياهم..
"أيها النائمون انهضوا..
سَكَنْتُ اليوم بلدتكم..
ولى تقربون القرابين..
فاحذروا لعنتى إن لم تُتِمّ القرابين نصابَها"
لما أشرق الصباح.. كانت العيون مرهقة.. والوجوه شاحبة..
ولما بدأت الألسن تتناول سيرة الهاتف المجهول.. اختلفت الآراء.. وتُبودِلَت الاتهامات..
ثار شجار عام..
ارتفعت أذرع وهوت أكف ورفست أرجل..
سالت دماء وتفتتت عظام..
وأُغْلِقَت الأبواب على أحقاد لم يكن لها بالأمس مكان..

أشرقت شموس واكتملت أقمار.. ولم يُسْمـَعْ الفحيح المجهول..
ظل البناء الملعون قائما فى قلب البلدة..
وظلت الأحقاد كامنة فى السرائر..
وهاهم الليلة ـ بعد طول سكون ـ يسمعونه..
سألوا أنفسهم:
ـ أى نصاب هذا الذى لم يتم؟
اقتربت الخطوات خائفة من مقره المُصْمَت..
صاح صائح:
ـ ماذا تريد منا؟
أطبق الصمت فى انتظار رد..
ـ يا ساكن الدار اخرج وحدثنا
قصرت فترة الصمت..
ـ مع من تتحدثون؟ إنها جدران صمّاء!
ألجمتهم جرأة العبارة..
ـ صه! لا تستفزه!
ـ جبناء
ـ بل أنت الأرعن
ـ تلتمسون الرحمة من الأحجار يا أغبياء؟
الجميع اتجه نحوه..
ارتفعت أكف وهَوَت..
سقط جسد وسالت دماء..
وأشرق صباح ثقيل.. وقد ازداد ارتفاع البناء الأسود!
تغيرت مشاعر البشر.. وشاهت ملامحهم..
صارو أكثر قدرة على ملاحظة ما يكرهونه فى بعضهم البعض!
اختنق جو البلدة.. توقف هواؤها عن الحركة.. وأصبحت له رائحة تضيق بها الصدور..
حتى نَبْتات الأرض.. أخذت أشكالا مستفزة.. ألوانها حمراء وصفراء.. صارت بقعا مثيرة كريهة..

فوجئ الناس بالشاب يعلن أنه لن يتزوج مثل من سبقوه.. وحلف برحمة أبيه أن يقيم فرحا تُحْيِيهِ الغوازى!
ـ فرحٌ تُحْيِيهِ الغوازى؟!
ـ هنا فى تلك البلدة المشئومة؟
صاح بهم:
ـ أى شؤم يا أهل العقل؟
فرح.. وسهر.. وطبل.. وزمر!!
يالها من فكرة!

تَحَلَّقَ الناسُ حول البساط الذى فُرِشَ لتتراقص فوقه الغوازى.. كل الناس جاءوا.. لم يَبْقَ بالبيوت أحد.. جلسوا بدون تحية.. كُلٌ ينظر أمامه ويحاول ألا تنحرف عيناه يمنة ولا يسرة حتى لا تقعا فى عينى جاره.. دقت الطبول ورَنَّتْ الصاجات.. وخَطَتْ الغازية فوق البساط تترجرج.. نهض العريس يرقص أمامها.. تجرَّأت بعض الأكف وصفقت.. التفتت أعناق.. ابتسمت شفاه.. تمتمت ألسن: "عقبال عندكم".. علت أصوات تهنئ العريس.. تسربت حياة إلى قلوب أماتها حزن مشئوم.. شقت زغرودة طويلة قلب الليل.. وغرق الناس فى فرحهم..

سمعوه فى صخب الليل!
يفحّ صوتُه فى قلب قلوبهم..
"لم يكتمل النصاب"
انتفضوا.. اختطفت الأمهات صغارهن وطوقنهم بأذرعهن.. رقعت الغازية بالصوت.. البناء الأسود بدا كعفريت يطل عليهم.. الأقدام تجرى نحو دورها.. جرَّ الأب ابنته العروس فى يده..
ـ طلاق ثلاثة ماأزوجها لك!
= ماذا تقول؟
ـ ماسمعته!
= لماذا؟
ـ لماذا؟ كان قدمك أغبر!
= ولكنى كتبت عليها
ـ طلاق ثلاثة ماتاخذها!
= أهو لعب عيال؟
ـ ليلتك سوداء! لن تأخذها!
= سآخذها!
ـ لن يحدث!

تشرب رماد الأرض دماءً سالت..
وأُغْلِقَتْ الأبواب على كره قد بلغ مداه..
ولما أشرق الصباح كان البناء المشئوم قد ارتفع حتى اختفت قمته بين السحب..

لكن فحيح الصوت لم يعد يفزعهم!
لم يعودوا يسمعونه؟
صاروا يدّعون كذبا أنهم لايسمعونه؟
تَشَرّبُوه فى خلاياهم؟
صار كالدم يجرى فى أجسادهم؟

وياله من يوم كان.. هذا الذى دكّت فيه صاعقةٌ البناء الأسود الصارم.. فتكوم مثيرا عواصف الغبار التى خنقت الكثيرين من أهل البلدة.. والتى حجبت النور عنها أياما وأياما..

الغريب حقا.. أن أنقاض البناء تحولت إلى رماد أسود ناعم.. تطاير وغطى مساحة واسعة فى قلب البلدة.. وصار أهل البلدة يتوددون لهذا الرماد التماسا للشفاء والسعادة والذرية!!


مشاركة منتدى

  • لست بالكاتب ، ولكن تستهويني الكتابة القصصية حين اجدها ناضجة وتفيض سلاسة في وصف الحدث ، وهو ما وجدته لديك ، لعلك تقبليني قارئا .

  • تغوص قصة ( تحولات ) للأديبة الأستاذة ( نجلاء محرم ) بعيداً
    في أعماق الإنسان ، ترصد التحولات التي تمتد أنشوطة تعتصر
    النفوس ، مفسحة المجال لبوابات الأحقاد و الضغائن التي تخنق بوطأتها المشاعر و العواطف و الأحاسيس التي تغدو أكثر تبلداً ، دون أي استشعار للخطر الزاحف ، المتربص بجهات الوطن و عناوينه .
    في ظل مثل هذه التحولات المشوهة ، تتراجع مفردات الحب و الألفة ، و التواصل ، يرتفع بنيان الكراهية ، تصبح الأنانية الموغلة في عتماتها هي البديل عن المجموع بتوهجاته و شموخه .
    ( تحولات) صيحة تحذير ، مكاتيب تحثنا على الفعل ، الخطر داهم يجتاح أبهى و أجمل ما فينا بأنيابه ، الكل مستهدف ، فهل وصلتنا المكاتيب ؟!

    أجمل تحية للمبدعة (نجلاء محرم ) .

    زكي العيلة . مدير تحرير مجلة اتحاد كُتاب فلسطين ( الكلمة ) .

    عرض مباشر : http://zakiaila.com/

    • الأديب المتميز والناقد المتابع الأستاذ / زكى العيلة

      بقراءاتك الواعية للنصوص تكتمل دورة العمل الأدبى.. وتصل المكاتيب..

      واهتمام الكتاب والنقاد والقراء بالنصوص الأديبة.. يُسْقِطُ عن المجتمع الأدبى تهمة الفردية والأنانية.. ويجعله مجتمعا متآزرا متضامنا ساعيا نحو الأمام..

      تحياتى لروحك المتعاونة.. ولرؤيتك الواعية..

      نجلاء محرم

  • نجلاء
    جميل الوصول الى نصك هنا
    نص رائع يسبر اغوارا

    دمت مشرقة
    محمد رمضان

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى