الأحد ٢١ تموز (يوليو) ٢٠١٩
بقلم سوسن الشريف

حب عن عمد

أيا يا صديقتي الحبيبة، أكتب إليك لأخذ رأيك كما اعتدت في ما يهاجمني من مشاكل لا يمكنني احتمالها بمفردي، وأجدني عاجزة عن إيجاد الحل. أنا صاحبة باب حل المشاكل في تلك الجريدة الشهيرة، لم أستطع يومًا الاستفادة من الحلول التي أقدمها للآخرين، ممطرين إياي بالشكر العميق لمساعدتهم على تجاوز أزماتهم بهدوء ووصول إلى بر الأمان، أفتقد مرسى، بل وسيلة إنقاذ من الغرق، أحتاج إلى هدوءك وجمال روحك صديقتي، أحتاج واقعيتك وإحساسك بيَّ كأنك أنا.

منذ اللقاء الأول شعر كل منا بشيء غير طبيعي يحدث، لم نستطع تفسيره ولا فهمه، نوعًا من التوتر والشغف والارتباك والراحة، كقطبي مغناطيس يقاومان الانجذاب، لكن بالفعل انجذب كل مننا بالأخر.

تجنبت كل لقاء يجمعني به، وتعلمين أنه كلما حاولنا التجنب، كلما عاندتنا الحياة، فهذا طبعها، تُبعد عنكِ ما تريدين، وتقرب منك ما لا ترغبين، فجمعتنا مناسبات العمل. ويبدو أنني كنت أكثر توترًا منه، أو هكذا شعرت، فكان يشد من فمي الكلمات، وأنا كفاقدي النطق، أنسى الحروف، أرد على كل شيء بابتسامة باهتة لا معنى لها سوى من فضلك أغرب عن وجهي للأبد، لكن لا تبتعد كثيرًا، وعندما أُجر للحديث جرًا، تخرج الكلمات غير مرتبة، دون معنى. قررت يومًا ما أن أكف عن الهرب، وأواجه، فقد كنت صديقتي كالغارق في بحر من الرمال الناعمة، كلما قاومت غرقت أكثر، ولا أخفي عليكِ أن الكف عن مقاومته كان مفيدًا لكلينا، فسبحت بحرية في كل ما تجنبته. وكما تعرفين الرجال لديهم صبر على كل محاولات الغرق، فلا يشغلون بالهم بالمقاومة، ويسبحون مع التيار، تسطع في أعينهم لحظات الاستسلام من الآخر، فيتركون له البحر بل الشاطئ ويبحثون عن غريق جديد.

لكنه كان مختلفًا، يتمتع بأخلاق الفارس، الذي يعينك على النجاة، ولا يتركك إلا وجناحاكِ قادران على الطيران بك لأبعد مكان عنه .. إن استطعتِ!!

صارت أحاديثنا طقسًا يوميًا، وكثيرًا ما كنتِ محور اهتمامنا، وكل منا يتخير الكلمات التي تليق بجمال روحك، وكان يشبهني بكِ، أظنه أحبك من خلالي، ومع ذلك لم أشعر يومًا بالغيرة منكِ، كنتِ النافذة التي تفتح لنا عوالم جديدة. لم يجرؤ كلانا على التصريح بما يشعر تجاه الآخر، حتى ذلك اليوم الذي حدث فيه ما يقرب من الخيال، إذا رويته لكِ لن تصدقي، لكنه بالفعل حدث.

حلمت به ذات يوم، وكنت متضايقة جدًا في حلمي، وإذ به بجانبي، يحاول بكلماته الرصينة الناعمة يمسح دموعي، أتعلمين! كنتِ معنا في الحلم، لكن هو كان أكثر اهتمامًا بي. استيقظت مرتبكة، مسرورة ومنزعجة، كم تمنيت لمسة يده في الحقيقة، وكم أعلم مدى صعوبة ذلك. قابلته في مكان العمل، أسأله بشكل روتيني عن أمر ما، فرد باقتضاب متجاهلًا النظر إلي. هممت بالانسحاب من مكتبه بهدوء، فنادني بصوت جاف كعود حطب في منتصف أغسطس ملقى في الصحراء، أجبته من مكاني، بلهجة مختبئة خلف حجاب من القوة واللامبالاة من شدة الضعف. رفع عيناه إلي بنظرة اتهام أربكتني، فسألته إن كنت ارتكبت خطأ في العمل، فرد بحدة "انتي عارفة إني حلمت بيكي امبارح، ما بين الساعة 3 و5 الصبح". سقط قلبي مهشمًا على الأرض، لم أصدقه، فاستحلفته بالله إن كان فعل حقًا، أجاب وعيناه سهام مصوبة نحوي بلا شفقة، نابضة بحب، حاولنا تجنبه، واعتراف لم نجرؤ عليه، ولم أتبين سبب الاتهام في لهجته، وكأنه علم أنني حلمت به في نفس الوقت.

تماسكت، أو بمعنى أدق تظاهرت بالتماسك، رسمت نفس الابتسامة الباهتة، سألته عن الحلم، وكيف بدوت فيه، حاولت السخرية كعادتي في مثل هذه المواقف التي لا أجرؤ على مواجهتها، لم تظهر على فمه الجميل ابتسامة لكل ما تفوهت به، وروي لي نفس حلمي بكل تفاصيله!!

لعلك لا تصدقين، وتضحكين مني، لكن هذا ما حدث صديقتي أقسم لك، ولو أن احدهم روى لي هذه الواقعة، لما صدقته، ولذلك أعذرك، ولكن رفقًا بقلبك، فقط أروي لكِ التفاصيل لأعينك على الحل الذي ستقدمينه لي. بعد ما حدث في ذلك اليوم لم يعد في إمكاننا الإنكار أو التجاهل، فكلانا يحب الطرق المستقيمة، ولا يجد نفسه في حيل الرجال والنساء للاعتراف بالحب والرغبة في الآخر، طلب مني الزواج صراحة يومها بعد ما شاركته حملي وحلمي، بما لا يدع لي مجالاً للرفض، كم كان حاسمًا قويًا محبًا.

أظنك عرفتِ عن من أتحدث، فنحن الثلاثة مشتركين في القصة منذ البداية، شعرنا بما يحدث في نفس اللحظة، وأرجو أن تكوني منصفة، ولا تتبرئي من الدور الذي قمتي به ليكتمل عذابنا. لم أتعاطف يومًا مع سعاد حسني في فيلم الحب الضائع، وكأننا نُعيد القصة التي لم أقتنع بها، كيف تخون الصديقة، مهما كانت ظروفها؟ لكن قصتنا مختلفة، فكل ما قمتِ به كان متعمدًا، لم يحدث شيء بالصدفة، وكان بالإمكان وضع النهاية مبكرًا، لو لم تجدي اللعبة مُسلية. لا أجد مبررًا لأن تقدم زوجة زوجها إلى صديقتها كرجل مُحب عطوف، في وقت ندرت فيه هذه الصفات، وتضعينه أمامها في أشد لحظات حاجتها لكلمة حانية، ولا أن تزين الزوجة صورة الصديقة لزوجها مضيئة كل أنوارها، تلتمع في عينيه كنجوم في ليلة مظلمة. حاولت مررًا تجنب كل المواقف التي اصطنعتِها لإحداث هذا التقارب، كنت اُظهرك كاذبة كلما ذكرتَ صفة عني، وأتعمد السخرية اللاذعة من أي موقف تُظهريني به امرأة رومانسية يتمناها أي رجل. انتهزتِ فرصة بحثي عن عمل، وجعلتني أعمل معكما في نفس المكان، تهربت قدر استطاعتي من كل النزهات والخروج معكما، وأحيانًا كنت أنهزم أمام إصرارك، لم يكن من العدل أن تستغلي ظروف حياتي وحاجاتي بهذا الشكل. كنت ألمح العناد يتزايد كلما رفضت شيئًا يجمعني بكما خارج إطار العمل، قمتِ بكل ما في وسعك لأن تنقليني بجوار مكتب زوجك، كل هذا كان ممكنًا تقبله لو لم تشعري بذلك الانجذاب من البداية بيننا، شعورك هذا كان جليًا لنا أيضًا، ويفر لكلماتك، ونظراتك، وإصرارك على الجمع بيننا.

أتدرين .. لقد جعلتك تبدين كامرأة شريرة في حلمي بالأمس، ظننت هذا مبررٍ كافٍ لخيانتك!

اكتب إليك وبجواري فستان الفرح والطرحة، أتتذكرينهما؟! لقد اشتريناهما معًا، عندما أردت أن أكون عروسة وأرتدي اللون الأبيض لمرة واحدة، وكنت فقدت الأمل في الزواج، وفي أنني سأغير تفكيري وقناعتي بأن هذا لن يحدث أبدًا، فقررت شراء الفستان والطرحة، لارتداهما أي وقت أشعر بهذه الرغبة، دون أن يجرحني أحد.

ولأنك تعرفين نقط ضعفنا، عزفتِ عليها بنجاح مقطوعة موسيقية مؤلمة، ليس بها أي تناغم. بقدر حبي لك، بقدر غضبي منك، حتى شعوري بالذنب يتلاشى تجاهك. أكنتِ تقومين باختبار لحب كلينا لكِ؟ أكنتُ فأر تجارب تختبرين به إخلاص زوجك؟ هل استمعت برؤية كلينا يتعذب؟

سأوافق على الزواج يا صديقتي، كيف يمكن لفتاة وحيدة بائسة مثلي ترفض يد رجل بمعنى الكلمة، وبمنتهى الحب والحنان والاحتواء، وأظنك لن تغضبي من نتيجة التجربة، لأنك نجحتِ، نجحتِ في أن يكون الحب من ثلاثة أطراف بنفس الدرجة من العاطفة والإخلاص.

وإياك والشعور بأنك ضحية، هذه نصيحتي لك ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة مصرية، دكتوراة في علم الاجتماع

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى