الأحد ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم آمال عبد الرزاق البجاوي

حركة السّرد الروائي و مناخاته لكمال الرياحي

إنّ تطوّر الحركة الإبداعية العربية رهين بتطوّر الحركة النقدية ، منها يستمدّ علاماته المضيئة ، و بها يستقيم إبداعا " واعيا " بشروط انبنائه و آفاقه المنتظرة و إمكاناته المتاحة . و لئن كانت النصوص الإبداعية التونسية تشهد اطّرادا ملحوظا فإنّ النصوص النقدية ما تزال شحيحة لا تفي بحاجة و لا تروي ظمأ . و لذلك يعدّ صدور كتاب نقدي تونسي حدثا هامّا ن بالنسبة إلى القرّاء و الباحثين أو بالنسبة إلى المبدعين الذين تستحثّهم الكتابة النقدية لمزيد الإبداع . كتاب " حركة السّرد الروائي و مناخاته في استراتيجيات التشكيل الروائي " كتاب نقدي جديد لصاحبه الناقد التونسي كمال الرياحي ، صدر الكتاب مؤخرا عن دار مجدلاوي الأردنية للنشر و التوزيع ، و إنّه لمن الأهمية بمكان أن يصدر كتاب خاص بالرواية المغاربية عن دار نشر مشرقية تراهن على قيمة هذا الكتاب النقدي .

لمحة عن الكاتب

كمال الرياحي – ناقد تونسي – متحصّل على شهادة الماجستير في الأدب العربي عن بحثه الموسوم بـ " خصائص الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج : حارسة الظلال نموذجا ". درّس بالمعهد العالي لغات بتونس ، يشتغل بالصحافة العربية في أقسامها الثقافية . نشر دراساته و حواراته " المتميّزة " بالمجلات و الدوريات و الجرائد العربية نمثل لها بمجلة " كتابات معاصرة " و مجلة " الآداب البيروتية " و مجلة " عمان " الأردنية . كمال الرياحي عضو اتحاد الكتاب التونسيين ، و عضو وحدة الأدب المغاربي بكلية الآداب منوبة بتونس ، عضو الجمعية التونسية للدراسات و البحوث حول التراث الفكري التونسي ، عضو اتحاد كتاب الإنترنت ، إضافة إلى عضوية اتحاد كتاب بلا حدود .
شارك في عديد الملتقيات العربية و الدولية مثل الملتقى الدولي ببشار – الجزائر أكتوبر2003. نال عدّة جوائز محلية و عربية مثل جائزة النقد بتونس و جائزة القصة القصيرة بمصر جانفي 2005 .

أعماله

له في الكتابة الإبداعية مجموعتان قصصيتان : الأولى : " نوارس الذاكرة " سنة 1999 و الثانية " سرق وجهي " ( قصص و شعر ) 2001 . و له رواية " المشرط " من سيرة خديجة و أحزانها . و له في النقد كتاب جماعي : قراءات في تجربة سميحة خريس الروائية . له في انتظار النشر : كتاب يضم حوارات مع روائيين عرب : الإبداع الروائي العربي . كتاب يضم حوارات مع نقاد عرب : النقد الروائي العربي اليوم . كتاب يضم حوارات مع شعراء عرب : شعراء الألفية الثالثة .

لمحة عن الكتاب

" حركة السرد الروائي و مناخاته " كتاب نقدي يحتوي على سبع دراسات في الرواية المغاربية باستثناء دراسة واحدة في رواية أردنية ، و هي على التوالي :

- الدراسة الأولى : فورة الأجناس و رسوخ السيرة الذاتية في " وجوه " لمحمد شكري.

- الدراسة الثانية : حرية الرواية و رواية الحرية : سجلاّت رأس الديك لحسن نصر نموذجا .

- الدراسة الثالثة : وداعا حمورابي لمسعودة بوبكر : انتصار الفني على الإيديولوجي .

- الدراسة الخامسة : الحفر في الممنوع أو البحث عن المنسي في رواية التمثال لمحمود طرشونة .

- الدراسة السادسة : فن الرواية و رواية الفن : الموسيقى و الغناء في دروب الفرار لبنت البحر - الدراسة السابعة : لغة الحياة و حياة اللغة في " البق و القرصان " للروائي الجزائري المهاجر عمارة لخوص .

قدّم لهذا الكتاب الناقد و الشاعر الأردني الدكتور محمد عبيد الله ، نائب عميد كلية فيلادلفيا بينما وقّع عتبة الخروج التونسي الدكتور صلاح الدين بوجاه . و هذه لمحة خاطفة عن محتوى الكتاب .

- اهتمّ الناقد كمال الرياحي في دراسته الأولى الموسومة بـ " فورة الأجناس و رسوخ السيرة الذاتية في وجوه لمحمد شكري " بملاحقة تواشج جنسيْ الرواية و السيرة الذاتية في نص الروائي المغربي ، متبعا في ذلك خطّة تنهض على جملة من النقاط – محور الاهتمام : لماذا محمد شكري ؟ / الميثاق السير ذاتي – العقد الغائم / الحقيقة التائهة بين الذاكرة الخؤون و الأنا الرقيب / وجوه الأمكنة في " وجوه " / وجوه الأزمنة في " وجوه " / وجه الكاتب بين الوجوه / تراجع اللهجي و المتداول و تنامي الدّخيل / و أخيرا : فورة الأجناس و رسوخ السيرة الذاتية ، و يختم الناقد دراسته بقوله : مثّل نص " وجوه " لمحمد شكري حالة من حالات الكتابة الإشكالية ، فكل العلامات توقع انتماء النص إلى جنس السيرة الذاتية غير أن هذا الانتماء لا يحجب عنّا تلوّن العمل بألوان أجناسية أخرى حوّلت فضاءه إلى بانوراما من الأجناس يستدعي بعضها بعضا و ينفتح الواحد منها على الآخر في لعبة تشكيلية تحمل النص إلى عوام التجريب ، فينكر جنسه ساعة ليخونه مع غيره ، و لكن هذه " الخيانات الفنية " لتقاليد الجنس و نقاوته لا تُخرج النص من جنسه الأصلي .

أمّا الدراسة الثانية المعنونة بـ " حرية الرواية و رواية الحرية : سجلاّت رأس الدّيك لحسن نصر نموذجا " فقد كان وَكْدُهَا النّظر في الحرية موضوعا و تشكيلا فنيا فعلى الحرية مدار المتن الحكائي لرواية الكاتب التونسي حسن نصر ، كما نهضت روايته على حرية تجاور الأجناس الأدبية المختلفة و تناقدها و على رأسها القصة القصيرة إضافة إلى المقامة و الخاطرة و الخبر و النادرة .. و هو ما عناه الناقد في قوله :" إنّ سجلاّت رأس الدّيك رواية تحرّرت من ضوابطها لتسقط بفنية الأجناس في عبوديتها حتى تكون رواية استثنائية ".

و قد كان اهتمام الناقد في الدراسة الثالثة : "وداعا حمورابي لمسعودة بوبكر انتصار الفني على الإيديولوجي" ، منصبّا على آليات تشكيل الرواية عملا فنيا همّه انتصار الجمالي و إن كان الإيديولوجي سؤال متنه و قطب الرحى فيه . و قد تتبع الناقد التحوّلات التي مرّ بها عنوان الرواية – موضوع الدّرس – لما له من عميق صلة بالعمل الروائي و لما ينضح به من رمزية دالّة يمكن أن تجعل العنوان عتبة مضيئة يقرأ النص في ضوئها . و قد توقف الناقد كمال الرياحي عند تقنيتي الكولاّج و المونتاج اللّذين قامت عليهما رواية الكاتبة التونسية مسعودة بوبكر و كانا خصيصة نصّها ، يقول الناقد : " إن هذه العناية بالخطاب الروائي تؤكّد أنّ مسعودة بوبكر أدركت أن الرواية لا يمكن أن تكون مجرّد " حكايتها " فالحكاية بمثابة " المدلول لدالّ متعدّد " كما يقول عبد الرزاق عبيد ، و استطاعت الكاتبة أن تحافظ على فنية العمل الروائي دون أن تسقط في هوّة الخطاب الإيديولوجي .

أمّا الدراسة الرابعة فقد وسمها صاحبها بـ " الميتاقاص أو مرايا السّرد النارسيسي في رواية " خشخاش " لسميحة خريس ، و هي دراسة – كما يشي بذلك عنوانها – تلتقط عملية محاورة النص لذاته عبر ثنائية التخفّي و التجلّي بوصفها البؤرة التي تتشابك فيها خيوط عمل الروائية الأردنية سميحة خريس ، انطلاقا من العنوان وصولا إلى تاريخ الشخصية الروائية مرورا بخصوصية تشكل الرواية و مضمونها . و يختم الناقد دراسته بقوله :" لقد تجسّست هذه الرواية على نفسها فعمدت إلى نزع ثيابها و فتح ستائرها و قمصانها أمام القارئ دون أن تتعرّى له ، فمع انتهاء فعل التلقّي / القراءة يكتشف نفس ذلك القارئ أن الرواية محافظة بعد على ألغازها ، محكمة مغالقها و أنّ ما كشفته له ليس سوى أبواب وهميّة لغرف مزيّفة ، أمّا غرفها الحقيقية فتظلّ مجهولة ، و مفاتيحها عند الكاتب الفعلي الذي يظهر على غلاف الرواية ساخرا ، مشيرا بيده إلى القارئ بإعادة الكرّة " .

- " الحفر في الممنوع أو البحث عن المنسي في رواية " التمثال " لمحمود طرشونة " هو عنوان دراسة الرياحي الخامسة التي تستند إلى فتوحات النظرية الإنشائية فقد عالج فيها الناقد مقوّمات الخطاب الروائي من بنية زمنية و صيغة سردية و اهتم بخصوصيات الخبر (المتن) الروائي ، فضاءات و شخصيات و عرّج على مستويات اللغة في الرواية و خصائص أسلوبها ، و من هذه الدراسة نقتطف قول الناقد :" تشفّ هذه المسافة ( بين الكاتب و شخصية عمله ) أحيانا حتّى لكأنّ أمينة تصبح مجرّد قناع يتقنّع به الكاتب ، فإذا هي بوق تعبّر عن آرائه و أفكاره و تتبنّى مواقفه . غير أنّ هذه المسافة تصبح أحيانا أخرى كثيفة ، فإذا بأمينة البوني تستقلّ امرأة لها طموحاتها و مشاعرها الخاصة فتنفلت الذات الساردة من قبضة الذات الكاتبة ، أو هي الذات الكاتبة تعطي الذات الساردة الكلمة و حرية القرار . فكانت الرواية حلقات من لعبة المواقعة و الانفلات يلعبها محمود طرشونة مع بطلة روايته و ساردتها أمينة البوني ".
و ينعطف الناقد كمال الرياحي نحو الفن في تواشجه مع الرواية من خلال نصّ " دروب الفرار " للكاتبة التونسية حفيظة قارة بيبان واسما دراسته السادسة بـ " فن الرواية و رواية الفن : الموسيقى و الغناء في دروب الفرار لبنت البحر " و قد أبرز الناقد في هذه الدراسة أن الفن في رواية بنت البحر الطافحة بالموسيقى و الغناء لم يكن مسقطا أو مجرّد لعبة شكليّة وظيفتها تزويقية ، و إنّما مثّل هذان الفنّان جوهر العمل الروائي . عليهما ينهض و من خلالهما يكتسب علامة خصوصيته بنية خطاب و أسئلة متن ، فتغدو الرواية فنا تنصهر في بوتقته سائر الفنون ، و لعلّ هذا ما قصده الناقد بقوله :" و الحقّ أنّ الرواية لا ترتكب بهذه الممارسة خطيئة أو انحرافا لأنّها أصلا لا يمكن أن تكون حوارية ، إنّها فنّ التنوّع بامتياز و فنّ الاحتواء بلا منازع ، فهي الجنس الذي يميل إلى ابتلاع جميع الأنواع الأدبية الأخرى تقريبا ، بل ابتلاع فنون أخرى ".

و ينهي الناقد كمال الرياحي كتابه بدراسة عن رواية " البق و القرصان " للكاتب الجزائري المقيم بإيطاليا عمارة لخوص بعنوان " لغة الحياة و حياة اللغة في رواية " البق و القرصان ".
لقد وجّه الرياحي وجهه شطر اللغة باعتبارها بؤرة رواية عمارة خوص و علامة هامة من علامات خصوصيتها ، فأخذ الناقد في تقصّي طرائق حضور اللغة في هذا العمل الروائي حضورا ديناميا يعكس واقع الحياة في الجزائر خاصة و العالم العربي عامة و هو ما جعل لغة لخوص في " البق و القرصان " لغة الحياة بوصفها معبّرة عنها ، حاملة هواجسها و رؤاها و في ذات الوقت أبرز الناقد كيف كانت اللغة في الرواية لغة حيّة / جامدة ، لغة تتفاعل مع تطورات المرحلة و هواجس الإنسان العربي اليوم . فتوقف الناقد عند جميع الأشكال التعبيرية التي توسّل بها الروائي من استعمال للعامية و لغة الأرقام و محاكاة للأصوات و تنقيط و توظيف للغة المقدّس ، و كشف الناقدة لهذه اللغة الحية من أبعاد فنية و دلالية . يقول الرياحي في دراسته :" هكذا كانت اللغة في " البق و القرصان " لغة حية بانفتاحها على لغة الحياة اليومية و حيّة بتنوعها اللساني و حضورها البصري و تشكّلها السيميائي و ضروب اشتغالها داخل النص في مستوييه الفني و الدلالي حتى ينتزع روائيته بجدارة و يثبت أن صاحبه يمتلك من المؤهلات ما يمكنه من أن يجترح لنفسه مكانة في المشهد الروائي الجزائري و العربي " .

و أخيرا ننوّه بالكتاب لما بذل فيه صاحبه من جهد معرفي واضح في مواجهته لروايات حديثة الصّدور و بكر لم يقع التصدّي لها بالنقد قبله – إلاّ ما ندر من المقالات – فالكتاب حفريّات في أعمال مختومة و قرع لنصوص محكمة مغالقها . كما ننوّه بدار النشر الأردنية التي راهنت على ناقد تونسي و كتاب نقدي مغاربي دون تحيّز قطري و عسى أن تسير دور النشر العربية على نفس الخطى الواثقة لدار مجدلاوي حتّى تنتعش نصوصنا الإبداعية و تزدهر أقلامنا النقدية .


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى