الجمعة ١ نيسان (أبريل) ٢٠٠٥
بقلم عصمت الأسعد

حوارية الكرسي

حوارية

(1)

رجلان فقط من ورق ومخمل. قال الرجل الورقي: اقرأني
- لست بقارئ جلود بشرية.
وقال الرجل المخملي: ارتديني.
- لا أريد أن أفضح عريي.

في الصباح المبكر. جاء بائع الجرائد، وباع رجل الورقي بسوق الكلام بدرهمين. كذلك فعل التاجر بسوق النسوة، باع الرجل المخمل بدرهمين.
في المساء عاد الزوج من عمله متعباً منهكاً وفي يده جريدةٌ بيضاء من غير سوء، كذلك عادت الزوجة متعبة منهكة وفي يدها كيسٌ من الخيش.
قال الزوج: هذه صحيفة نظيفة، نفترش بها مائدة الطعام
وقالت الزوجة: وهذا خُرجٌ جميل لحمارك. ثم تعانقا

(2)

لا شئ في الدكان، لا معلبات ولا حبوب ولا مشروبات غازية ولا سكر ولا طحين. لا رفوف معدنية أو خشبية ولا أكياس ولا كرسي ولا طاولة، لكن ثمة ميزان شاقولي في يد البقال المتربع في منتصف الدكان.
قال الفتى: أريد رطلاً من الكلام النظيف.
- لا يوجد في الوقت الحاضر
- لا بأس لو كان نصف نظيف
- غداً، ربما يوجد
- أعطني من المتيسر إذن.
هز البقال رأسه وزان له رطلاً من الأخبار العربية.

(3)

قال المسؤول الزراعي: اقترح أن تحول كل أجهزة التلفزيون في الوطن العربي إلى صحاحير خضار وفواكه، وبذلك نتحرر من قيود البنك الدولي، وفي نفس الوقت نقضي على المجاعة في عقر معدة المواطن العربي.
قال المسؤول الإعلامي: اعترض. الإعلام مهم لنا جداً، خاصة في هذه المرحلة الحرجة، فلولاه مثلاً، لما استطاع المواطن العربي أن يحيط بكل مرتفعات وقمم جمهورية الغناء روبي.

قال نقيب المذيعين المرئيين: وماذا سنفعل بهذا الجيش الجرار من المذيعين والمذيعات؟
حين سمع وزير الدفاع هذا الكلام، فز من قيلولته وقال: ذكرتني بكلمة جيش. ماذا تعني في لسان العرب؟

فزَّ نقيب المذيعيين المرئيين فرحاً وقال: يا الله… بضاعتنا ردت إلينا، اللسان اختصاصنا، ولكن إذا كان لا بد من هذا الإجراء أقترح أن يستوعب الزملاء في الفرق.....

المسؤول الرياضي مقاطعاً: في الفرق الرياضية
مسؤول الفرق الموسيقية: لا. بل في الفرق الموسيقية
مسؤول الفرق الدينية: لا. بل في الفرق الدينية
مسؤول الفرق الكشفية: لا. بل في الفرق الكشفية.
مدير المنتجع الطبي: الكشفية 200 دولار والعملية 2000 دولار مضافاً إليها رسوم التغسيل وثمن الكفن وأجرة سيارة نقل الموتى.

الكرسي

لا أملك إرادتي، لكنني أملك حلم الخيار، بين أن أكون مطية لمؤخرات السادة الذين لا ينهضون أبداً، وبين أن أكون حطباً في موقد فقير يرتجف أطفاله من برد الشتاء الأبدي. إلهي اجعلني حطباً دائم الاشتعال واعفني من مؤخرات الوراثة، والاغتصاب العضود.
قالت الشجرة: منذ خطيئة آدم وحواء، وأنا أمكنكم من ثمري وورقي وظلي، اجعلوني أشيخ على مهلي دون أن تستأصلوني، وتقطعوني خشباً تلتصق به مؤخرات السادة الذين لا ينهضون أبداً. اتركوني حطباً يلتقطه فقير معدم. يا حطبي كن لهباً وسلاماً على أطفاله المرتجفين.
قال النجار: لا بأس سأمتنع عن صناعة الكراسي، من أراد أن يجلس فليجلس على ما يشاء.
التقط العسس الليلي كلمات النجار، وبعد المساءلة، أجلسوه على خازوق.

قال الكرسي: حين رأيت النجار، امتلكت حقيقة الخيار الذي لم أتمناه ذات يوم، وكنت، لعلني أخلصه مما هو فيه. لكن الحرس الليلي باعد بيني وبين مؤخرة النجار الدامية، حملوني لسيدهم. وحين استوى عليّ بمؤخرته، أخذ الأطفال يرتجفون من البرد الأبدي وما زالوا.
مازن دويكات

كان يحمل رأسه " وضيف اللّه:

عندما ثـقُلَ رأسي مما سمعته من موسيقى " ضيف اللّه" على مدارِ مساحةٍ واسعةٍ من زمن ما وعزلةٌ امتدت لسماعِ مؤلفاتهِ مما أعجَزني حَمْل رأسي. فَرحتُ أطوف به الطرقاتِ. حطت قدماي، وما تحمل من رأسي وضيف اللّه قبالة مجموعةٍ من رجالٍ يتوزعونَ على حلقاتٍ وفي الحلقاتِ صدى كلام، بدا كلاماً سوداوياً مظلماً.. عبارات اسمعها في حلقات العزاء والمآتم.. أحدهم: يسلم راسك، يرد الآخر يسلم دينك وإيمانك.. اخْترَقْت إحدى تلك الحلقات.. سألت: هل اعلمتموني خبر الميت؟ إرتد السؤال صدى ارتطم برأسي وضيف اللّه… فلا من مجيب.
حاولت استراقَ السمع من هنا ومن هناك. العباراتُ مألوفة ومعهودة… لم يكن مريضاً.. الإرهاق.. المرحوم.. إلى آخر تلك العبارات الهلامية والتي تلبس البشر جميعاً قلت العين مرآة صاحبها لأنظرَ في عيون الموجودين، فوجدتها ذابت بسيل من دموع أغرقت العيون والمكان … عمّ الناسَ سكونٌ وصمت سوى وشوشاتٍ راحت تطوف فضاءات المكان وصوت يقول: شوهد آخر مرة يخرج من بيته يسير في الطرقات يحمل رأسه وضيف الله فليرحمه الله.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى