الثلاثاء ٢٣ حزيران (يونيو) ٢٠١٥
بقلم وديع العبيدي

سلطة الميثولوجيا في «الخيول البِيض»

ثَمة اتجاهان رئيسان.. يمكن بهما تبرير سبق الإصرار والتعمد.. الذي يسوق الكاتب الليبي أحمد يوسف عقيلة لاتخاذ القرية إطاراً لعالمه القصصي: التمرُّد على الحضارة الإسمنتية.. والحياة المُقنَّنة على مدار الساعة.. والتي يتحول في ظلها الإنسان إلى مجرد روبوت صغير.. يتحرك وفق برنامج مرسوم.. أو الخضوع لمراحل التصنيف الاجتماعي على خلفية التطور الاقتصادي للمجتمع.. باعتبار القرية رديف المجتمع الرعوي/ الزراعي.. بينما تكون المدينة/ الحضرية رديفاً للمجتمع الحرفي/الصناعي.. ناهيك عن قناعة الكاتب الخاصة ـربماـ بأن الوقت لم يحن بعد لكتابة قصة حضرية أو مدينية في ليبيا.. وهو موضوع واسع وقابل للتشعب.. هذه هي الملاحظة الأولية التي يخرج بها القارئ لباكورته القصصية: الخيول البِيض.
إن اختيار الكاتب للقرية أرضيةً لأعماله لا يعود لكونه سليل قرية.. أو أن أكثر من (50 %) من المجتمع الليبي أو العربي عامةً يقطنون القُرى.. وإنما لأن كُلاًّ منّا ـ نحن أبناء المدن التي تنتشر فيها دُور النشر والمكتبات والصحف ـ ما تزال الترسبات القروية تُهيمن على الكثير من جوانب تفكيرنا وشعورنا وتوجهاتنا.. ومن ثَم فإن أحمد يوسف عقيلة لا يكتب عن سكان قريته ولهم فقط.. وإنما يكتب عنّا ولنا بذكاء وحِدَّة بصر وبلاغة مُبَسَّطة إلى حدّ الإمتاع.. إنه يُمتِع القارئ بنصوصه.. ويُحيل نظره إلى جوانب أخرى.. دون مُكاشفته بأنه هو.. "القارئ" أحد أفراد تلك القرية.. وربما أحد أبطال القصة التي يضحك من نوادرها.. وإذا كانت وظيفة الأدب هي إعادة صياغة الواقع لتسهيل اكتشافه أو تحليله.. فالكاتب هنا يبني قريته الأدبية بحذق وإمعان.. بعد طول تفكير ومجالدة .

أولاً: بنية النص:

1 ـ التفكيك والتركيب:

يتأسس عالم الكاتب القصصي من مجموعة عناصر بنائية.. سوف تطبع المكان بأثرها دون أن تترك له فكاكاً.. فلا يكاد يمر سطر من سطور المجموعة دون أن تتناثرها.. وقد آثرنا ـ لغرض الدراسةـ تصنيف هذه العناصر حسب خصائصها ووظائفها إلى ما يلي:

أـ الجمادات المتعلقة بالمكان:

البرّاكة، وادي الكوف، الوادي، المقبرة، القبور، الشواهد، السُّوْر، حافة القبر، الأودية تصب في أودية، أوكار، الأودية والحنايا والسفوحـ شهقات الأرض الخافتة، لوح المنبر، الكفن، الأكفان، درج المسجد، الشارع، البِرَك، المصباح المضيء في طرف الشارع، الجدار، بيت صغير، الأبواب، على الجدار، المخدَّة، الكانون، قارعة الطريق، باب المراح، الخروبة، فوق صخرة، الكهف، مكانه المعهود، إنه سرداب آخر، كل سرداب يُفضي إلى عدة سراديب، الكوخ، انزوى في برّاكته، سُور المستوصف، قصر أبيض ضخم، برّاكة معيز يقال محترقة، العراء، الخلاء، الحصيدة، البرزخ، برج شاهق.

ب ـ أسماء النباتات ومتعلقاتها:

الغابات، الأدغال، الزعتر، نبات الحَرْمَل، الشجرة المجاورة، أغمار السنابل، أغصان البطوم، حقول الشعير، التمر، وشق، جاوي، بوكبير، شَبّة، قمّة النخلة.

ج ـ أسماء الحيوانات ومتعلقاتها:

حركة ثعبانية، أسراب الذباب الأخضر، الثعالب، طائر النِّيْسي، صراديك الحَجَل، أعشاش القُبَّرات، البَيض، البياض، الصفار، لدغ، غرنوق، عقرب شمس، نملة نصارَى، الهدهد، الأفراخ، ظهْر القط، الخيول البِيض، الخيول، خيول كثيرة، القطيع، الكلاب، عواء الكلاب، النباح، التمسُّح والبصبصة بالذيول، تُمذرِح، ثلاث عنزات، غربان المساء، صهيل، وقْع حوافر، حصان قد نخر، وادي العقارب، وادي الحيّات، الثعبان الأقرع، الخنفساء، الشِياه، التيوس، عين بومة، الأغنام، الجديان، رائحة الفحول، رائحة الزبل الجاف وذرق الطيور، جُبة ثعبان، دجاجة سوداء، بول نملة، الضفادع، صدفات الحلازين، الفراشة نسيت أنها دودة، الديوك، نهيق الحمار، جحشاً، رأس غراب، ذيل ثعلب، بوسمَّى "الطُحال"، حدوة حصان، سوط.

د ـ ظواهر الطبيعة:

النار، الشُهُب، الهواء، المطر، الرعد، البرق، الريح، الموت، المساء، نواح الريح، الهلال، الظلمة، الليلة، ليلة البارحة، السنوات الأخيرة، ضوء القمر، الفجر.

هـ ـ الإنسان ودلالاته:

الرُّعاة، حارس المقبرة، الحارس، الحاج آدم، ميّت الأمس، الشيخ، الحضور، ثالث ميّت، سيدي الشيخ، العجائز، امرأة جميلة، ابنتي، مُضيفتهـا لعجوز، الناس، السَّفَلة، أنا امرأة، الإنسان، عذراء، الأب، لم أعد امرأة، لا أحد يريدني ابنة، مسح الشيخ على لحيته، الراعي، مسعود، المسعود، السائس، النساء، إحداهن، إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجنة، الحاج محيميد، خطّاب الراعي، الحاجة مسعودة، فضيلة، ابن الجزّار، زينب، أبي، جدّه، الأعمى، حليمة، المسؤولين، الحاج الداهش، العجوز تكاميل، السيدة العجوز، بوجواري، الوزير، ابني لك البيت، عوض، غرَيْبيل، المختار، الفقيه، معَيْزيق، بنت الجيران، إبراهيم، أولاد، العرّاف، يُعالج بالبصقات، الزبائن، أيام القوافل، جَيْطول، الزبون العاشر، الطابور، المريض الثالث، عطية، عطَيْوَة، رَجْعة، طبيب قريتنا، مريضه الثاني، بدر، سويهر، خبّاز، طفل صغير.

وـ الكلمات والرموز ذات الدلالات الميثولوجية والدينية وأعمال السحر:

شبحاً، الشبح، الشبح، لذي تحدَّث عنه الرعاة، الوحش..تُرىمَن هو؟، فينوس من زَبَد البحر، التعاويذ، كتاب تفسير الأحلام، المنام، رؤيا خير، الحج، الجن، جناحين فوق كتفيه، الكتاب، مناماً، أذان الفجرن الحكاية، مواسم الحكايات مفاتيح الجنةن الأغنية الشعبية، قذف بنفسه في الشارع، خارج الباب، رِجلٌ في الداخل ورِجلٌ في الخارج، آخر جمعة من رمضان، الصلاةن أودية جهنم، طوله سبعون ذراعاً طول كل ذراع سبعون شبراً، وإذا ضرب أحد الخُطاة بذيله فإنه يغوص في قبره سبعين ذراعاً، طول كل ذراع مسيرة سبعين يوماً، ليلة القدر، الملائكة، السماء، الشيطان، صلاة التراويح، فارس يختطفني على صهوة جواده الأبيض، أريد نجمةً من السماء، حكاية العذراء التي ابتلعها الكهف، إنني لا أكتب طلاسم، بل أشياء واضحة وضوح الشمس، الطبيب هو الذي يكتب الطلاسم، حاوِلوا أن تعرفوا حرفاً واحداً من كلماته.. إنه يكتب من اليسار إلى اليمين بلغة النصارَى، الوصفة، أغاني الحصاد، رسول، ليمان، حجاب، موعظة، الأحجبة، تعويذة، دخان البخور، بندير.

زـ الكلمات ذات الدلالة الحضرية:

البندقية، النافذة، الحُجرة، الزناد، العيادةن عباءاتهمن سيارة بيضاءن الحلوى، حذاء جديد، دراجةن عصا رقيقة، المزمار، قطرة عيون، قدرأ، سودن ماذا أفعل، شوال من التمر، سيارة فارهة، القصعة الضخمة، ستالايت، قنابلهم، فاس.

2 ـ البناء اللغوي:

إن جملة هذه العناصر "عدةالكاتب" سوف تبقى مجرد مفردات جامدة.. إذا لم يتم استخدامها واستنطاقها داخل أبنية اللغة وتراكيبها وصوَرها.. وقد جاءت لغة الكاتب الحاذقة.. المعتمِدة على صياغة حديثة.. وجُمَل قصيرة.. معالجة أحد أكثر الموضوعات الشائكة تعقيداً وتمشكُلاً في جانبها الخرافي والميثولوجي.. دون أن يستخدم مفردة تقليدية.. أو أسلوباً سلفياً من شأنه نبذ الكتاب جانباً. لقد أقنعنا بلغته الفنية المتقدِّمة.. وإمكانياته في تفجير المعاني وتوليد الصوَر.. أن نُرافقه في نزهته أو رحلته المُتعِبة في أراضٍ طالما توجَّس الكثيرون التأخر فيها أو المرور عليها بمجرد الرمز.. وثَمة فإن موضوع الكاتب لم يكن القرية.. وإنما ميكانزمات عالم القرية.. الذي تختلط فيه عناصر السحر والخُرافة والميثولوجيا والتفاسير الخاطئة لكثيرٍ من المفاهيم الدينية.

أبرز خصائص لغة الكاتب:

أـ استخدام الجُمَل القصيرة..

ب ـ استخدام مفردات الحديث والتعامل اليومي "اللغة المُبسَّطة".

ج ـ المُبادلة ما بين الجُمَل الفعلية والجُمَل الاسمية سيما في بدايات المقاطع.

دـ هيمنة الماضي على عالم القَصّ.. مُتمثِّلاً في تواتر استخدامات الفعل الماضي.. مما يوحي للقارئ بغَرْفه من آبار الذاكرة.. أو تصوير القصص كما لو كانت مجرد ذكريات قصصية من عالم طفولته (قصة: دروب.. وإلى حَدٍّ ما قصة: تحولات).. بيد أنَّ ذلك لا يقود إلى قتل عناصر المفاجأة والتشويق في النص.

هـ ـ يُظهِرالكاتب قدرة فائقة.. ليس في تصوير وصياغة بعض المعتقدات والخُرافات فحسب.. وإنما في اختلاق أمثاله المحوَرة النص حولها.. ففي قصة: المسخ.. المهمة جداً.. تبدأ القصة بداية عادية فيتناول حياة شخص عادي يفكِّر في الزواج.. الأمر الذي يفتح بنية القص ويرتقي بها لاستفزاز أكثر من ثيمة في عالم القرية الميتافيزيقي والسياسي والأخلاقي.. أو الحذق الذي يتكشَّف في مواطأته للغة الطب المُشعوِذ في قصة: الوصفة الأخيرة.. (كان جَيْطُول يتحدث مع إحدى العجائز التي تشكو ألماً في الظهر: اغمري دجاجة سوداء في قدر أسود مملوء بمياه سبعة آبار.. ثم اقذفيها باتجاه عين الشمس.. فإن جميع الأوجاع ستطير مع طيران الدجاجة.. فقط تأكدي من أن المياه من سبعة آبار..)/ص48. وإذا علمنا أن الدجاجة لا تطير.. سيما بعد أن تكون قدشبعت موتاً في غليانها بالقدر الأسود.. أدركنا مبلغ السخرية اللاذعة التي ينثر بها الكاتب أفكاره.. (وعندما وصف ذات يوم "بول نملة" لزبون يشكو ألماً في الرقبة.. قهقه الطبيب قائلاً: هذه أول مرة أسمع فيها أن النملة تبول! فردَّ جَيْطُول متحدياً: إنها تبول مرة واحدة في السنة!)/ص52.. أو السخرية الانتقادية في صياغة إعلانات الأدوية (الحصن الحصين ضد لدغات العقارب والثعابين، مخلوط حليب التيس والثور لإزالة الثآليل والدمامل والبثور، منقوع لب الخيارة لعلاج الدوخة في السيارة، حساء مصارين الجربوع وألسنة الضفادع لكشف نوايا الزوج المخادع، مسحوق رؤوس الخفافيش لتسهيل المرور عبر نقاط التفتيش، مِحّ بيض العناكب لإرشاد المهربين إلى كيفية الاستدلال بالكواكب، مزيج لعاب البوبريص والحرباء لعلاج إغماءات الأطباء)/ص49 ـ 53. وثَمة أكثر من قصة تنحرف فنياً عن الأسلوب المتعارف عليه في عموم القصص لتعتمد التلاعب باللغة.. ففي قصة "تحولات" يتحدث عن زيارة الوزير للمدينة.. ولكن "الواو" تسقط من يافطات الاستقبال المعلَّقة.. فـ (صرخ المختار: الواو.. ابحثوا عن الواو.. أين الكلاب لتقتفي أثر الواو؟

ـ لكن الكلاب لا تعرف القراءة.. كلابنا أميّة يا مختار.)/ ص140.

وإلى جانب السخرية المعلَنة.. لا يني الكاتب عن استثمار الرمزية المبطَّنة الكامنة في لبوس الكلمات.. وعلى ذلك يمكن تفسير الحوار السالف باتجاهين على الصعيد الرمزي.. ناهيك عن المعنى العرضي المفهوم.. أو قول أحد الشيوخ: (لقد ضاعت الواو.. وسقطت الياء يا مختار.. فما رأيك في أن تقلب الباقي رأساً على عقب؟

ـ يالك من نَهِم.. لا تُفكِّر أبداً إلا ببطنك!

ـ ليس هناك مَن يكره الرز على كل حال.. ولكن لا بأس.. إذا تحوَّل الوزير إلى "رز" في نهاية المطاف.. فهذا في صالح الأمة.. أليس من مهام الوزير أن يوفر الرز؟!)/ص141 وهكذا تنمو اللغة هنا مكان الحدث.. لإغناء احتمالات التأويل وتوليد المعاني واستفزاز الواقع.. أمّا في قصة "حكاية مدينة" فتتحول "المدينة الفاضلة" إلى "المدينة الفاضية"/ص151 .. وتتحول "تكاميل" إلى "تناقيص".. و "تغاريد" إلى "تجاعيد" في قصة "المِرآة/ص145.

3 ـ الأسلوب الفني:

يعتمد أسلوب القصص على بناء اللقطة السينمائية.. التي توازن بين اهتمامها بالصورة المرسومة والصوت.. ويندر مجيء دلالة صوَرية دون أن ترافقها أو تلحقها دلالة صوتية على امتداد قصص الكاتب.. ففي قصة "الرؤيا" أولى قصص المجموعة نقرأ: (أقبل الليل.. تلاشت الأدغال والأودية ونتوءات الجبال/ صورة.. نعبت بومة.. فتجاوب الصدى في الخرائب/ صوت/ص7.. وغني عن القول ارتباط حركة البوم بالليل.. وتستمر اللقطات السينمائية في التتالي على هذا النحو: (أخذت العجائز شُهباً من النار.. لوَّحن بها في الهواء.. وتمتمن ببعض التعاويذ.. البِركة الرقراقة التي خلَّفها مطر المساء.. ضجت بزغاريد الضفادع)/ص7.. فاقترنت الشُهُب بالتعاويذ.. ومنظر البِركة بزغاريد الضفادع.. ويبقى الكاتب على مدار قصصه فنّاناً يُقدم صوَراً فنية ضاجَّة بالدلالات.. عبر لغة فنية مُحدَثة.. غنية باحتمالات التأويل.

ثانياً: القراءة:

بباكورة أعماله "الخيول البِيض" ينضم الكاتب أحمد يوسف عقيلة إلى طائفة الكُتّاب الذين تتميز أعمالهم بتعدُّد القراءات.. فالقراءة الأولى كما سبقت تركز على عالم القرية.. والميكانزمات الفاعلة فيها.. ولكن هذا العالم المحدود في مكوناته وحدوده.. حسب وصف الكاتب: (قريتنا صغيرة.. لا يتجاوز سكانها الخمسمائة من الذكور.. بمن في ذلك رئيسم ركز الشرطة ومختار المحلة وإمام الجامع ومعلِّم المدرسة والدرويش.. وبعض الغرباء الذين وفدوا أخيراً..)/ص110.. يتمدَّد ويتسع على الورقة.. حتى تتلاشى حدوده في المكان والزمان.. إنَّ تدرُّج القراءات أو مستويات القراءة هنا تشبه الحفريات الأركيولوجية.. التي كلما تقدمت في الحفر تكشَّفت الأرض عن مستوى جديد من مستويات سطحها.. وأبرز هذه المستويات:

1 ـ لا يواجه القارئ عناء التوصل إلى أنَّ القرية هي الأرضية المشتركة لهذه القصص.. فبغضّ النظر عن طبيعة المكوِّنات والعناصر التي تُمثِّل القاسم المشترك في هذا الكتاب.. يكرِّرالكاتب من آونة لأخرى لفظة "قريتنا".. وليس من المصادفة بمكان أن يقرن الكاتب هذه الكلمات كلما وردت بضمير الجماعة المتكلمين.. وكأنه يًصرّ أنَّ هذه القرية.. أو العالم الذي يدور حوله الحديث.. إنما هو "قريتنا" نحن.. فهل المقصود قرية الكاتب التي احتضنت طفولته في ريف الجبل الأخضر مثلاً.. أم أنه يُسرِّ بها إلينا في غفلة من عيوننا.. فنُكرِّر معه دون أن ندري: قريتنا!

في قريتنا يُزهِر الزعتر في المقبرة ويذبل..)/الرؤيا/ ص8.. كبار السن في قريتنا يتدثرون بعباءاتهم بالقرب من المواقد..)/الخيول البيض/ ص24.. (إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجنة..)/ كاتب الأماني/ ص29.. (منذ ذلك اليوم وأطفال قريتنا لا ينامون..)/المتاهة/ ص42.. (في الوقت الذي كان فيه طبيب قريتنا..)/الوصفة الأخيرة/ ص47.. (غاب النهار عن قريتنا..)/المسخ/ ص63.. (باختصار هي مَعْلَم من معالم قريتنا..)/دروب/ ص91.. (قريتنا تقع وسط الغابة..)/تواطؤ/ ص101.. (قريتنا صغيرة..)/ الصُّرّة/ ص109.. (بدا الليل يهبط على طرف قريتنا الشرقي..)/المِرآة/ ص124.. (درويش القرية..)/ اختيار/ ص153.

نستشف من هذا أن اسم القرية يرد صريحاً في إحدى عشرة قصة.. ويرد اسم المدينة صريحاً في قصتين: (المسؤولين في مدينتنا..)/ تحولات/ ص137 (خطا خارج المدينة لينظر إليها عن بُعْد..)/ حكاية مدينة/ ص151.. رغم أن طبيعة الأجواء الموصوفة لا تُميّزها عن القرية.. حيث تنتشر الكلاب والقطط والديوك والبِرَك والمطبّات/ ص138. في قصة: تحولات.. أمّا حكاية مدينة فتدور على شاطئ.. وكذلك هو الحال في القصص الأخرى.. التي لم تأتِ إلى الذكر الصريح.. ولكن الأجواء تشير إليها مثل: (شوال التمر، الهدهد، العراء، المجنون، الهاوية، الأودية، استرداد لحظة، الذئب، وحشة، وصفة، انبعاث).. بينما لا تشي أجواء قصة "المَفْرَش" بأجواء مميزة.. وهي تتناول تداعيات امرأة تحوك وهي جالسة في حجرتها.

2 ـ تنعم قرية الكاتب بالهدوء والوداعة.. وهي تنام على طرف الغابة.. لا يقضُّها شيء غير (عواء الذئاب كل ليلة).. ومع ذلك فقد (أصبح العواء مألوفاً.. حتى إنه لم يعد يعني شيئاً لكلاب قريتنا)/تواطؤ/ ص101.. وهي أقرب إلى (البِركة الرقراقة التي خلَّفها مطر المساء)/ الرؤيا/ ص7.. الحياة فيها أكثر من عادية إلى درجةٍ تبعث على الرتابة والملل.. وليس أمامهم غير التسلِّي بتزجية الخُرافات والأساطير.. فأبدى الكاتب براعة ًكبيرة في ابتداعها وصياغتها وتحريك أبناء قريته في نسيجها.. ففي قصة "الرؤيا" تهيمن فكرة الشبح حتى تصبح حديث الساعة.. بينما يعيش الناس في حُمَّى التسابق للفوز برؤية "الخيول البيض" في القصة التي تحمل هذا الاسم.. (يقولون إن مَن يرى الخيول البيض يحقق كل أمانيه.. ويتزوج بمن يشاء..)/ص25.. ولا تكاد تخلو قصة من خُرافة.. أو خيط يقود إليها.. كما في قصص "الهدهد، تواطؤ، المسخ".. بينما تنفتح قصة "كاتب الأماني" على جملة من الأمنيات الخُرافية.. معتقدين أن مجرد كتابة الأمنية على خرقة ووضعها تحت الرأس كفيل بالتحقق.. (على كل واحد منكم أن يكتب أمنيته في ورقة ويضعها تحت وسادته.. فإنَّ الملائكة ستطوف عليكم لتأخذ أمانيكم وتصعد بها إلى السماء..)/ص30.. سيما وهويستهل القصة بجملة استفزازية: (إمام قريتنا يمتلك مفاتيح الجنة.. حتى الأغنية الشعبية تقول ذلك" في يديه مفاتيح الجنة"..)/ ص29.. والإمام هذاهو الوحيد الذي يُجيد فك الحرف.. وهي غير بعيدة عن قصة "الوصفة الأخيرة" حيث يقول "جَيْطُول": (إنَّ هذه العقاقير لا تُعطي مفعولها إلا بشرط أن أبصق فيها.. السر كل السر في البصاق.. جرِّبوا إن شئتم دواءً دون أن يمتزج بلعابي.. إنّ الله يضع سرَّه في أشياء لا يعلمها إلا هو..)/ص51.. وعندما يفتقد الكاتب خيط الخُرافة أو الميثولوجيا يلجأ لصياغة الخُرافة وابتداعها كما في قصة "شوال التمر".. والتي لا يجد بطلها جواباً على سؤاله الذي تبتدئ به القصة (ماذا أفعل بشوال من التمر؟)/ ص55.. غير أن يصنع تمثالاً لامرأة من التمر.. ثم يهبها القدرة على النطق.. فإذا ما نطقت اتهمها بالثرثرة.. وتدخل هذه القصة في تناصّات من عدة مراحل مع غيرها.. فهي تُذكِّرنا بقصة "شبح الثلج" للكاتب الأميركي "ناثان يل هوثورن".. حيث يصنع طفلان تمثالاً من الثلج (أية صديقة جميلة ستكون لنا طوال فصل الشتاء.. وإنني لأتمنى أن لا يخشى والدي من أن تسبب لنا رشحاً).. بينما يقول بطل "شوال التمر": (لازلتِ مجرد شوال من التمر.. شيء يبعث على الدفء في الليالي الباردة.. لكنني الآن أشعر بحرارة خانقة..)/ ص61.. فالتمثالان صنيعة يد مع سبق الإصرار.. ويتم ذلك في فصل الشتاء تحديداً.. رغم تناقض الثلج والتمر من حيث المفعول والتكوين.. الثلج منتوج شتوي يبعث على البرد.. والتمر منتوج صيفي يبعث على الحرارة.. وفي كلا الحالين كانت الغاية من الفعل التسلية والتسرية.. ويبلغ الصنع من الإقناع بحيث يترك بطل "شوال التمر" الدار هرباً من ثرثرة صنيعته (صرخ: سئمتُ ثرثرتكِ.. مَن تظنين نفسكِ؟ لم يتغيَّر فيكِ شيء.. قال ذلك وخرج صافقاً الباب وراءه..)/ ص61.. أمّا في "شبح الثلج" فيترك الأب الدار للسؤال عن ذوي الطفلة الجديدة بعد أن يُدخلها الدار: (تعالي يازوجتي وأعطيها ثياباً دافئة.. وأبلغي دورا أن تقدم لها عشاءً ساخناً بأسرع وقتٍ ممكن.. أمّا أنا فإنني سأجول بين الجيران لأجد إلى أيهم تنتمي).. أمّا التناصّ الآخر، والذي لا يقل حِدَّة عن الأول ـفيبدو مع جملة من القصص التي اعتمدت قصة شهريار وشهرزاد من "ألف ليلة وليلة" أساساً.. سيما قصة "ما لم يقله الرواة" للكاتبة العراقية "لطفية الدليمي".. ونحن نقرأ: (عليكَ أن تتحلَّى بصبر شهريار.. فقد احتمل ثرثرة امرأة ألف ليلة وليلة حتى الصباح.

ـ لاتُسمِّي الأشياء بغير أسمائها.. شهرزاد لم تكن تُثرثر.. إنها المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تُعيد الثقة والتوازن إلى نفس شهريار.. كوني مثلها وسأنصت لكِ بكل جوارحي حتى يُدركنا الصباح..) "شوال التمر/ ص60.. ناهيك عن أثر لغة "ألف ليلة وليلة" في حوار المرأة التَّمْرية.. والتناصّ هنا لا يُمثِّل تهمةً بحد ذاتها.. بل تسامياً.. على اعتبار أن الأفكار كائنة في الفضاء.. ولا يمنع أن يصل إليها غير واحد في أمكنة متباينة من الأرض.. دون أن يحصل بينهم اتصال.. أو يعرف أحدهم الآخر.. وهي علامة على تقارب الفكر الإنساني.. ووحدة منابعه ومصبّاته.. إذا انسجمت أساليب التفكير.. واتخذت الحقيقة الصافية لواءً دونما عداها.

أمّا ما يقتضي الإشارة هنا فهو سلطة الأفكار الغيبية والخُرافية في حياة الناس اليومية في هذه القرية.. مما شلَّ قدرتهم وأقعدهم عن كل سعي أو طماح في انتظار الصدفة أو القسمة والنصيب.

3 ـ وكان من شأن ذلك أنَّ أبطال قصص "الخيول البيض" يعيشون خارج الحلقات الاقتصادية.. التي وسمت وأفرزت حركة التطور الاجتماعي للبشرية.. مما ترتب عليه عدم وجود ضرورة للمرتبات.. وانعدام الأسواق.. لبدهية الحصول على الطعام والشراب.. وهو الآخر لا ورود لذكره في القصص.. إن الوظيفة الوحيدة لأهل القرية هي توارد الحديث.. الذي لا يخرج عن إطار الخُرافة أو الميثولوجيا المهيمنة وتلبية إشاراتها.. فبطل "الخيول البيض" والذي يُفترَض أنه الوحيد الذي يمارس عملاً في المجموعة كراعٍ للقطيع.. يُخيِّب ظننا إذ نكتشف أنَّ ممارسته الرعي ليست بالمفهوم الاقتصادي.. وإنما للفوز برؤية الخيول البيض: (يقولون إنَّ الراعي مسعود قد ذهب بقطيعه إلى الأودية.. فهذا أوان ظهور الخيول البيض.
ـ مسكين هذا المسعود.. منذ سنوات وهو يفعل ذلك في عز الشتاء.. لكن دون جدوى.

ـ كم أتمنى رؤية تلك الخيول.)/ ص24.

أمّا طبيب القرية فهو شبه مجمَّد عن عمله لعدم ارتياد المرضى لعيادته.. وميلهم إلى "جَيْطُول" العجوز المعالج بالبصقات.. والذي لا يدخل عمله في العملية الاقتصادية من حيث التعريف أو النتيجة! بينما وردت الاصطلاحات المهنية الأخرى في القصص دون إشارة لممارستها.. فلم تكن أكثر من لقب يلحق الاسم مثل: (الشيخ، الإمام، الفقيه، العرّاف، خطّاب، لراعي، السائس، الخبّاز، الجزّار، البغي، المختار، الشرطي، الوزير، المسؤول).. ومن الطريف عدم ورود ذكر للإقطاعي أومالك الأرض المستغل في هذه القصص.. فبدت القرية وكأنها ماتزال تعيش ما يشبه المرحلة المشاعية في كثير من جوانب الحياة.. دون أن يغيب عنها طيف رجل (الدين، العرّاف، الدرويش، الشيخ، الفقيه، مالك مفاتيح الجنة، وكاتب الأماني.

وإذا انتقلنا إلى صعيد آخر لمتابعة طموحات وأحلام الناس.. وجدناها هي الأخرى لا ترتبط من قريب أو بعيد بالتطور الاقتصادي أو الإنتاج والتراكم والتسويق.. نتيجة تتبُّع الناس للخُرافات "الخيول البيض".. أو البحث عن الكنز "الهدهد".. أو الحصول على التمر من غير كَدّ أو سؤال (إشارة إلى المثل الشعبي: التمر ما يجيبنّه مراسيل)/ هامش ص55.. وتكاد المرأة/ الزوجة تكون ضالّة ومطلب الجميع: (مسعود الراعي/ بطل شوال التمر/ المسخ).. وبالمقابل يكون الرجل/الزوج مطلب النساء في (الخيول البيض/ رجعة/ الحاجة مسعودة/ فضيلة/ انبعاث).. بينما العلاقة بين الرجل والمرأة موضوع قصص: (الصرة، استرداد لحظة، المرآة).. بينما تخرج أمنيات أخرى عن حدود اليومي والواقعي مثل: (ما رأيك في أن تكون أمنيتي أن يطرد الله إسرائيل؟)/ ص36.. أو (أريد نجمة ًمن السماء!)/ ص38.

4 ـ تحفل القصص بحضور كبير للحيوانات.. يستوقف القارئ في كل صفحة.. ناهيك عن القصص التي تدور أساساً حول الحيوان! مثل (الخيول البيض، المسخ، الحمار، تواطؤ، الكلب، الهاوية، الجدي، الكلب، الذئب).. بينما لا تخلو قصة من القصص من وجود الكلب ودوره في تفاصيل القَصّ.. ويذكر هنا اعتماد الميثولوجيا الأساسي على صوَر الحيوانات.. والربط بينها وبين الأشباح "الرؤيا".. أو الظِلال "الذئب".

ثالثاً: الخلاصة- الكتابة المُركَّبة:

لا يلتزم الكاتب أحمد يوسف عقيلة بأسلوب أو مدرسة فنية محددة في الكتابة.. وإنما يُطلِق العنان لنفسه موظِّفاً كلما يُمكن أن يخدم النص.. ورغم أنَّ قصصه هذه قد تبدو تفريغاً للذاكرة الطفولية.. كما لدى غسان عبد الخالق في (نقوش البياض) أو سليمان الأزرعي في (الباور).. فلا تغادر الواقع إلا بما يقترفه خيال الطفل إذا صح الافتراض.. فقد ارتفع بها من الواقع إلى الرمز دون أن يُثير الكثير من الشبهة حوله.. ولعله يستطيع أن يقول لنا في النهاية: لا.. إنَّ هذه القرية ليست ساكنة أو راضية بما هي عليه.. وهي ليست مقطوعة الوعي.. بل غارقة في التفكير.. وإنَّ مشخَّصاته القصصية لها صفة الرمز أكثر من التسجيل الواقعي.. وظيفتها النقد.. وليس التسليم والانتظار.

وتلعب اللغة عنده ـ كما سبق التنويه ـ دوراً مزدوجاً في المعنى والإشارة.. وأنَّ بالوسع إعادة قراءة النصوص لتقديم المعنى الثاني خلف السطر.. كما يلزمنا في هذه الحال وضع حسن الظن والسهولة جانباً.. كما هو الحال في قصة "المسخ".. التي تصل فيها السخرية حدّاً لاذعاً: (عندما علم أنه أخ للحمار من الرضاعة!)/ ص67.. (وانزوى في برّاكته.. ظهرت في يده مسبحة.. وفي وجهه لحية.. ولم نعد نراه إلا ذاهباً إلى المسجد أو عائداً منه..)/ ص67.. (بدأ الضباب ينزاح قليلاً.. وأخذت معالم شيء ما تظهر رويداً.. لقد كان شيئاً خارقاً حقاً.. قصر أبيض ضخم.. يلمع تحت شعاع الشمس.. في نفس مكان برّاكة معيزيق المحترِقة.. أمام القصر سيارة فارهة.. وفوقه شيء كالقُمع الضخم أو القصعة الكبيرة.. قال المعلِّم: هذه ليست قصعة يا جهلة.. هذا اسمه ستالايت.. وقال الإمام: هذه كرامة لمعَيْزيق)/ ص69.. (وبدأ معَيْزيق ينثر الأوراق النقدية على الحشد.. امتدت الأيدي.. امتلأت الجيوب.. في تلك اللحظة نهق الحمار.. الْتفت معَيْزيق.. ابتسم.. بدأت الدهشة ترتسم على الوجوه.. اتسعت العيون.. وتحولت الدهشة إلى شهقات.. فقد استطالت أذنا العريس.. وبرز له ذيل! لكن الأفواه لم تنطق.. وظلت الأكفُّ ممتدة إلى سماء معَيْزيق التي تُمطِر نقوداً..)/ المسخ- ص72 .

بأسلوبه المُفعَم بالبساطة والحذق يمرُّ على الألغام.. يُفجِّرمنها ما يشاء.. ويتركها باحثاً عن غيرها في تلك الأرض الحرام.. التي يتوجَّس الكثيرون من المرور قربها دون أن يُصابوا بشظاياها.. أحمد يوسف عقيلة بباكورته المتأخرة قياساً إلى عمره القصصي.. أحد أبرز كُتّاب العربية الحاذقين في الأسلوب والبنية.. وفي اختياراته للصعب والشائك في الحياة العربية.. التي تنتظر الكثير من الحفر والاستفزاز لإزالة الصدأ الذي يكاد يبلغ الجوهر فيفسده.

أحمد يوسف عقيلة: قاص وباحث تراثي ليبي من مواليد الجبل الأخضر بالقرب من مدينة البيضاء، من اصداراته القصصية: الخيول البيض/ 1999، غناء الصراصير/ 2003، الجراب.. حكاية النجع/ 2003، عناكب الزوايا العليا/ 2003، حكايات ضفدزاد/ 2006، الحرباء/ 2006. ومن كتبه التراثية: قاموس الحكم والأمثال الليبية/ 2006، خراريف ليبية.. حكايات شعبية/ 2007، غناوة العلم.. قصيد البيت الواحد/ 2007.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى