الخميس ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٥
بقلم عادل سالم

شوربة خضار بالخنزير

فى احد المطاعم اليونانية فى مدينة شيكاغو الأمريكية، جلسنا أنا وصديقى لتناول طعام العشاء والحديث فى أمر الرحلة المشتركة التى قررنا أنا وإياه القيام بها مع زوجتينا وأولادنا فى صيف عام 1999.

كعادة المطاعم هنا فى الولايات المتحدة يبدأ السفرجى بالمشروبات الخفيفة مثل الكولا أو العصير.. إلخ ثم السلطات أو الشوربة وبعد ذلك يتم تقديم الوجبة الرئيسية. سألنا السفرجى إن كنا نفضل السلطة أم الشوربة فاخترنا شوربة الخضار لأهميتها للمعدة،حيث تسهل عملية الهضم.

لحظات حضرت الشوربة. كانت رائحتها لذيذة، تفتح الشهية للأكل فهجمنا عليها كنهمين جائعين. ما إن تناولت الملعقة الأولى حتى قفز صديقى صارخاً:

- توقف لا تأكل -وأمسك يدى قبل أن تصل الملعقة إلى فمى-. توقعت أن الأكل مسموم وأننا كنا ضحية مؤامرة، أو ربما اكتشف صديقى جمال فأراً أو صرصوراً فى الشوربة.

بدأ جمال بالصراخ مناديا السفرجى، فاتجهت إلينا أنظار كل الزبائن مشمئزين من طريقة صياح صديقى، خصوصاً وأنه عربى غير مقبول حتى لو لم يصرخ أبداً.

الحق أن صديقى فقد توازنه، سألته ما الأمر؟ لكنه كان مشغولا فى مناداة السفرجى حتى حسبت أنه سيهجم عليه عندما يحضر، فهيأت نفسى لإيقافه لو حاول ذلك.

جاءنا السفرجى مسرعا ومذهولاً.

- ما الأمر؟ هل تحتاجون شيئاً؟
- كيف يا غبى تحضر لنا شوربة فيها لحم خنزير؟ ألا تعرف أننا مسلمون ولا نأكل لحم الخنزير وأن أكله حرام يعرضنا للعقاب الإلهى؟ لماذا لم تقل لنا أن شوربة الخضار عندكم بخلاف كل المطاعم فيها لحم خنزير؟

لم يترك صديقى للسفرجى فرصة للرد، وكان صوته مزعجاً ومنفعلاً فحاول السفرجى تهدئته:
- آسف لما حصل، لا أعرف أنكم لا تأكلون الخنزير، ولم تسألونى إن كان بالشوربة لحم خنزير، سأخصم ثمن الشوربة من الفاتورة.

- أريد المدير عن المطعم الآن - قاطعه صديقى-.

- حسنا سأدعوه لك.

ذهب السفرجى لإحضار المدير من مكتبه فقلت لصديقى:

- طول بالك، ليس هكذا نحل الأمور، ولم يرتكب السفرجى جريمة، كان علينا أن نسأله قبل ذلك.
- فى كل المطاعم التى دخلتها فإن شوربة الخضار ليس فيها لحم خنزير.
- كل مطعم له طريقته فى تحضير الأكل، توكل على الله وهدىء من غضبك.

حضر المدير وكان بشوشا ومبتسماً والأهم من ذلك حليماً فى معالجة الأمر، امتص غضب صديقى ببسمته وسماعه لشكوى صديقى، فى الختام قال لنا:
- أعتذر عما بدر منا وقررنا أن تكون وجبتكما على حساب المطعم.
- شكراً قبلنا اعتذاركم -رديت أنا حتى لا يعقد صديقى المشكلة-.

بعد دقائق كنا نلتهم بقية الأكل الذى أحضرته سفرجية أخرى. وكنت خلال تناول العشاء أحاول أن أقنع صديقى بغلطته حتى اقتنع أخيراً، ثم انتقلنا للحديث عن الرحلة المحددة بعد يومين فاخترنا بعد تفكير الذهاب إلى "وسكانسن دلز" وهى منطقة تبعد عنا 3 ساعات بالسيارة، ولكنها منطقة جميلة تكثر فيها الألعاب المائية لمختلف الأعمار وهو ما يريده أطفالنا. قبل أن ننهى الحديث عن الرحلة فجأة دخل المطعم زبونتان (فتاتان) الأولى رفيعة وطويلة والثانية أقل طولا لكنها ممتلئة الجسم ونهداها بارزان بشكل ملفت للنظر. ما إن وقعت عينا صديقى على الفتاتين حتى هب واقفا ملوحاً بيديه.

- ساندى، وتس أب (كيف الحال يا ساندى)
- نت متش (لا جديد يا جمال)، لنج تايم نوسى (لم أرك منذ مدة طويلة)، ردت عليه الفتاة الممتلئة وهجمت عليه تعانقه كأنهما عاشقان التقيا بعد فراق طويل.
- هذا صديقى كامل (قال لها جمال معرفا بى).
- وهذه صديقتى جنفر (قالت ساندى لتعرف بصديقتها) دعاهما جمال للانضمام لنا واعتبرهما ضيوفه وطلب من السفرجية أن تضيف حساب عشائهما على نفس الفاتورة ليدفعها.

أكلنا وشربنا وما إن حانت لحظة الوداع حتى طلب صديقى منها أن يسهرا معا فوافقت بشرط أن يكون ذلك بعد يومين لأنها قبل وبعد ذلك ستكون مشغولة جداً.
- موافق ،قال لها جمال، وهل ستشاركنا جنفر السهرة؟.
- لم لا قالت جنفر، سأكون سعيدة بالمشاركة وماذا عن كامل هل ستأتى؟.
- أنا أعتذر -قلت لها- سأكون مع زوجتى وأولادى فى رحلة إلى وسكنس دلز.
- أوه، يبدو إننى نسيت الرحلة -قال جمال- لا تؤاخذنى يا كامل سنذهب مرة لاحقة، فالسهرة مع ساندى لا تعوض أبداً وأعتقد إنك ستتفهم ذلك.

هززت رأسى موهما كمال إننى أتفهم عذره خرجنا من المطعم بعد أن دفع جمال الحساب، ودعتهم وذهبت لسيارتى، وضعت الحزام وأشعلت المحرك وقبل أن أغادر شاهدت صديقى يسلم على جنفر التى ذهبت مثلى لسيارتها وبقى مع ساندى وحدهما يسيران لسيارته جلس هو بالمقعد الخاص بالسائق وجلست بجانبه فى المقعد الآخر.

كانت سيارة جمال تقف أمامى مباشرة لا يفصل بيننا سوى الشارع الفرعى لذا كنت أراه وهو يقبلها فى سيارته كالمجنون.

وضعت قدمى على فرامل السيارة (بريك) وحركت محرك السيارة إلى إشارة الانطلاق، بينما كان جمال يضع يده اليسرى على نهدها الناهض ويضغط عليه بقوة، رفعت قدمى عن الفرامل (البريك) وضغطت على البنزين منطلقاً بسرعة قبل أن أرى الخطوة التالية.

ابتعدت عن المكان بعد ثوان وأنا شارد الذهن أفكر ليس بساندى وجمال ولكن بالزوبعة التى أثارها جمال حول صحن الشوربة بالخنزير. لم أكن أعرف أن بعض الناس يحرم لحم الخنزير ويحلل لحم ساندى.

بعد لحظات ضغطت على زر المسجل فانطلق صوت أم كلثوم:
يا ترى يا واحشنى بتفكر فى مين؟

امتدت يدى للهاتف الخلوى، ضغطت على رقم البيت فردت زوجتى
- آلو يا كيمو
- آلو حبيبتى، جهزى نفسك والأولاد سنذهب إلى وسكانسن دلز بعد غد إن شاء الله.
- هل سيذهب جمال وزوجته معنا؟
- لا لن يذهبا فجمال مشغول جداً..!!
أرى أنها فرصة لى ولك لقضاء يومين رائعين مع الأولاد علنا نستعيد فيهما بعض شهر العسل الذى لم نره حتى الآن.

انتهى

ملاحظة: أشخاص القصة ليسوا على علاقة بالكاتب.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى