الأربعاء ١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٣
بقلم سليمان نزال

صفصاف الخيارات المرة

أهديكِ كلَّ نفسي كي أقاسمكِ الألم الصريح فلا تخرج كلماتي عن زيتونة سواكِ..و أنظرُ إلى فضاء أحزاني, و أمسحُ بمناديل الإنتماء و الصبر, جراح كواكبها و نجومها و لا أتركُ ضياء التحدي يبتعد مسافة هدنة و مكيدة عن أثير صرخاتي الحالكة. إلى الأرجوان تسحبين خطواتي..و أسحبك إلى ضلوعي و شراييني, قرية قرية, تلة تلة, قمحاً وتقاطيع أشواق و بلاد. نصف الطريق إلى النهر و صفصاف الخيارات المرة يصفُ لي شموخ النصف الآخر.مستقبل غضبي, مستقبلي, يمشي إليكِ و على كتفيه عباءة حرية و رجوع.

أيدي البواسل ممدودة إلى وقتك كأهلة من نور إنتساب و ندى, كلّ يعرف غده الطليق, يوم تتحرر الصقور و الفرسان و الأشجار و الأرض و الخيول, كلٌّ له مع صهيل الخلاص دفقة من بهاء التكوين.

كلٌّ يهديك إلى روحه, هادية حشود و محرضة لنهارات الصبر و الصمود, أن لا تترك شموس العزة و الرجاء حبيسة غياهب التفريط والتنازل و التدجين. دماؤنا التي تصون الشروق و تعيده هي من يرافع, في محكمة ظالمة, إبتدعتها أطماع الغزاة و المحتلين الغاصبين عن براءة أمنيات المسحوقين في الوطن, ..المدافعين عن الإستقلال و المقدسات..فأي محامي أفضل من دمنا يستطيع أن يعيد لشعبنا حقوقه كاملة؟أيدافع عنا التحيز الأعمى؟ هل ينصفنا النفاق المعولم؟ هل يرفع الخنوع العربي الرسمي عن كاهل أيامنا المعذبة الظلم و العسف و جرائم الإحتلال الصهيوني؟ أم ترانا نجلس بصمت على عوسج جراحنا في جراحنا, و نغمض أعين الإنتباه و العقل و التجارب, لنسأل ناهبي العراق و ثرواته, قاهري شعبه العظيم, أن يقدموا لنا مكرمة "يانكية" دون إبطاء و تأخير,فيفرجوا عن مكنون رؤيتهم لدولة فلسطينية..

يرون أننا ,كفلسطينيين, نستحقها , لكن! علينا أولاً أن نتطوع لنسحق أهدافنا و ثوابتنا الوطنية..و نحرق كل أوراق قوتنا, المتجسدة في وحدتنا الوطنية الفلسطينية و إستمرار إنتفاضة الإستقلال و الأقصى و العودة, ونضع كل هذه الإنجازات في موقد النسيان و الندم و الإستسلام, وبذا ننال عطف الجهات اللئيمة..فتقدم لنا باقة ذابلة و غير منسقة, قطفتها مع شارون السفاح من حدائقنا و ممتلكاتنا التاريخية, و بهذا يتحقق "السلام العادل" بين شعوب المنطقة! و تعلن الإدارة الأمريكية أن شموسنا و أقمارنا بريئة من تهمة الإرهاب..و أن لا دليل مؤكد على ضلوعها في سلوكات وطنية و قومية و إنسانية مشبوهة!و أن المطلوب من الفلسطينيين و فصائلهم و سلطتهم ان يطلبوا من شمس حقوقهم أن تكون معتدلة و واقعية, فتعلن نبذها "للإرهاب" و تتخلص من بنيتها التحتية شعاعاً بعد شعاع, و تعلن موافقتها على خريطة الطريق و تتبرع, للسفاح شارون, من عندها ,بشرط جديد , يضيفه إلى شروطه الأربعة عشر..و بذلك, نحرج حكومة القتل و الإغتيال الصهيونية, و نظهرها على حقيقتها, عارية! عندئذٍ, يربت التحيز على أكتافنا, يمسكنا من أيدينا و يقودنا إلى الهاوية..إلى مهاوي التقزيم و الـتأزيم و الكوارث..

و المضحك المبكي, إن إستخدامات و توظيفات إنتقائية, مقصودة, لحوادث معينة, في هذا الوقت القاسي بالذات, تنتشر عبر وسائل الإعلام المختلفة و منها فضائيات عربية, تسلط الأضواء على نفر من الفلسطينيين و الإسرائيليين ذهبوا في مهمة لصنع "السلام "حتى القطب المتجمد الجنوبي..فما بالهم يقطعون كل هذه المسافات و يتحملون المشقات و الصعوبات من أجل غاية يمكن لها أن تتحقق في فلسطين و المنطقة, لو لم تكن حكومة شارون المجرم معادية للسلام المتوازن الفعلي و الشامل؟ لو كان السلام المؤسس على قرارات الشرعية الدولية ممكناً مع سفاح صبرا و شاتيلا و غزة و نابلس و مخيم جنين..لماذا ذهبَ هؤلاء في تلك المغامرة العبثية إلى القطب الجنوبي..ثم يروجون خبر إمتناع خمسة و عشرين طياراً صهيونياً عن قصف مواقع فلسطينية بهدف الإغتيال في غزة و الضفة..ما هذا الصحو المتأخر؟ بعد أن إستوفت الجريمة النكراء كل عناصرها وأسبابها الشارونية, هل يأتي هذا الرفض تعبيراً عن ندم و عذاب ضمير بعد جرائم قتل و مشاركة في مجازر ضد الفلسطينيين و أطفالهم, أم أن حنفية "الديمقراطية الإسرائيلية" فُتحت إلى آخرها للتعمية و التموية و تمرير بعض المواقف المخاتلة؟ لنفترض ان الطيارين أوكلوا بمهة قصف مواقع و أهداف لبنانية أو سورية أو حتى فلسطينية في لبنان , هل يمتنعون عن القيام بهذه الأعمال الدموية؟

و على هدي المعروف الواضح, فإن دماء الفلسطينيين البواسل هي خير مدافع عن وجودهم, و أهدافهم و حقوقهم الوطنية المشروعة.هي وحدها التي تعرف الطريق الصحيح الذي يمزج نيران الإصرار النضالي الفلسطيني, على إنتزاع كل الحقوق, بغضب الخطوات الكفاحية ,التي لا تفر من واجب الوصول إلى شط السيادة و الكرامة و العدالة.

و مهما كان مراً و مريراً مذاق و طعم صفصاف الخيارات السياسية الصعبة, و مهما كان كئيباً زمن البلاد المحاط بالضغوط, المحاصر بالأحقاد الشارونية,المطعون بخناجر التواطؤ و أسنة التراجعات الرسمية في أمصار و أقاليم العجز و الضعف و التبعية,فإن الفلسطينيين الأفذاذ, الواثقين من ملاقاة فجرهم السيادي وحريتهم الحتمية,لن يستبدلوا نزيفهم و عذاباتهم و آلامهم اليومية,التي يسببها الإحتلال الصهيوني و جرائمه و مسلسل إعتداءاته, بنزيف من نوع آخر يصيب حقوقهم و ثوابتهم الوطنية, فتتقلص, و تتقزم,تحت عناوين التسويات المراوغة.إن فرح الحرية.. و مسرات الإستقلال والعودة إلى الوطن السليب, هي الأهداف النبيلة التي يجب ان تعقب كل هذه التضحيات الجسام, و شلالات الدم العطاء, و جبال الأحزان الشاهقة و قوافل الشهداء الأبرار.لم يجد الفلسطينيون أغلى من أرواحهم كي يقدموها للبلاد هدية..مهر لقاء مع النصر و الإنعتاق, كي تكون القدس الشريف عاصمة لدولة فلسطينية مستقلة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى