الاثنين ٨ تموز (يوليو) ٢٠١٩
كتاب القاسمي الجديد
بقلم علي القاسمي

طرائفُ النوادرِ عن أصحابِ المآثرِ


صدر هذا الشهر عن منشورات القاسمي بالشارقة، الإمارات العربية المتحدة، كتاب جديد للدكتور علي القاسمي عنوانه "طرائف النوادر عن أصحاب المآثر"، ويقع في 220 صفحة من القطع الكبير، ويشتمل على 46 طرفة، ويزدان بطباعة أنيقة وبغلاف مجلّد.

وعند مطالعة التقديم القصير الذي كتبه المؤلِّف يتبادر لنا أن هذا الكتاب هو جزء ثانٍ من كتابه "طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات "الذي صدر في دار الثلوثية بالرياض، المملكة العربية السعودية، العام الماضي، لأنه يحمل التقديم نفسه، ويتبع المنهجية ذاتها. ويلقي التقديم الضوء على نوع الكتاب وأسلوبه وأغراضه. ونص التقديم كالآتي:

"اقترح عليّ عددٌ من أصدقائي أن أكتب سيرتي الذاتية. ولكنني أحسب أنَّ السِّيَر الذاتية ينبغي أن يُسطِّرها عظام الزعماء وكبار المفكرين الذين أثَّروا في مسيرةِ التاريخ أو تطوُّرِ الحركات الفكرية، لتكون سِيَرهم دافعاً لطموح الشباب، وتصبح مُثلهم وأخلاقهم نموذجاً تحتذيه الأجيال الناهضة.

ولما لم أكُن من أؤلئك القادة، فإنني آثرتُ أن أكتب ما علق في ذاكرتي من طرائف عن كبار الشخصيات الذين أُتيح لي أن التقيهم والذين يستحقون الذكر، وفي الوقت نفسه ألقي بعض الضوء على معالم مسيرة حياتي. بيدَ أنَّ هذه الذكريات لا ترقى إلى مصاف التاريخ الموثوق، بالرغم من حرصي على توخي الصدق، والأمانة، والموضوعية عند تدوينها؛ لأنَّها تعتمد على الذاكرة، ولم تستعِن بيوميّاتٍ دقيقة. فالذاكرة ـ كما هو معروف ـ لا يمكن الركون إلى صوابها ودِقَّتها، فقد تصيبها الثقوب بمرور الزمن، وتتسرَّب إليها بعض الأوهام بسبب تفاعلها مع الأحداث المستجدَّة والخبرات اللاحقة.

في وسع القارئ الكريم أن ينظر إلى هذه الطرائف التي صغتُها بأسلوبٍ سردي، بمثابة حكاياتٍ أو قصصٍ واقعية فيها كثيرٌ من الحقيقة. والله من وراء القصد."

والكتاب يجمع بين السرد والأدب والسيرة والتاريخ والنقد. ولعلنا نقف على طبيعة الكتاب الحقيقية إذا قرأنا طرفة أو طرفتين من طرفه.

تحمل الطرفة الثانية العنوان "أبي يحتج لدى الدكتور عبد الرزاق محي الدين على شرحه بيتين لحاتم الطائي" ، ونصها كالآتي:

"لم أتشرف بالتتلمذ على الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محي الدين إلا لساعة واحدة. جاء إلى صفنا في دار المعلمين العالية ببغداد لتعويض أستاذتنا الشاعرة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي التي اضطرت إلى التغيُّب ذلك اليوم.

كان الدكتور عبد الرزاق محي الدين (1910 ـ 1983) من قادة الفكر ومن أبرز الأدباء الشعراء في العراق في الثلاثينيات ، وقد أنتخبه المجمعيون رئيساً للمجمع العلمي العراقي في أربع دورات حتى أقاله رئيس الجمهورية سنة 1979 لعدم مساعدته في منح عضوية المجمع لبعض أعضاء الحزب الحاكم غير المؤهلين لها. وقد توفّي الدكتور بالسم إثر حفل دُعي إليه في القصر الجمهوري ببغداد، على حد قول كاتب سيرته في موسوعة الويكي بيديا.

ولد الدكتور محي الدين في النجف التي قدِمت إليها أسرته من جنوب لبنان قبل قرون عديدة واستقرت فيها واشتغلت في طلب العلم في الحوزة الدينية الحيدرية. وأصبح الدكتور محي الدين في شبابه من الشعراء المجدِّدين إلى جانب محمد مهدي الجواهري ( 1899ـ 1996) الذي لُقِّب بـ "شاعرالعرب الأكبر". أما في الدِّين، فقد كان محي الدين مجتهداً مصلحاً، إذ إنه كان من جملة الفقهاء الذين تجرأوا على تحريم التطبير (ضرب الرؤوس بالسيوف)، وضرب الظهور بالسلاسل، في يوم 10 عاشوراء تعبيراً عن الحزن على استشهاد الإمام الحسين.

كان الدكتور محي الدين يعبّر في قصائده ومقالاته عن آرائه التي تنبذ الطائفية، وتساوي بين الأديان، وتؤمن بالأخوة الإنسانية " وكلُّ بني الإنسانِ في الأرضِ إخوانُ" كما ورد في إحدى قصائده. وذات يوم ألقى في حفل حضره الملك غازي بن فيصل (1912 ـ 1939) عاهل العراق (1933 ـ 1939) قصيدته التي مطلعها (أيها الداعي إلى الوحدة فينا فتح الله بك الفتح المبينا). فأعجب بها الملك ووجَّه وزير المعارف الذي كان يحضر الحفل معه، بابتعاثه لمواصلة دراسته العليا، فابتُعث إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم بالقاهرة، وهي كلية لا تختلف في مناهجها ودروسها وتركيزها على حفظ المتون عما في الحوزة العلمية في النجف. فحاز إجازتها سنة 1937، وعاد إلى العراق ليدرّس في دار المعلمين العالية. وفي عام 1944 عاد إلى مصر والتحق بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة اليوم) حصل على الماجستير بعد أربع سنوات بعد أن أنجز رسالة بعنوان " أبو حيان التوحيدي : سيرته وآثاره" بإشراف الشيخ أمين الخولي ( 1895 ـ 1966) . لم أرَ في حياتي كلها رسالة أو أطروحة جامعية في الإنسانيات بمثل متانتها وبلاغتها ودقة معلوماتها وروعة استنتاجاتها.

فقد أثبت فيها أن أبا حيان التوحيدي كان في إحدى فترات حياته المبكرة مصاباً بالوسواس القهري الذي يرافقه شعور بالغبن وظلم الناس له ومجافاة الوزراء وأصحاب الجاه، وفي تلك الفترة ألف كتابه في "مثالب الوزيرين"، ابن عباد "و "أبي الفتح بن العميد". وحتى عندما هجر أبو حيان بغداد في الفترة الأخيرة من حياته وطلب التصوف والزهد وانتبذ شيراز منفى له حيث توفّي، فإنه لم يتخلّص من الشكوى والإحساس العميق بالظلم له، وإنما تحول شعوره ذلك إلى عتاب يوجهه في كتابه "الإشارات الألهية " إلى الخالق عز وجل.

ويحلِّل محي الدين مؤلَّفات ابي حيان، كتاباً كتاباً وفصلاً فصلاً وفقرة فقرة، ليصل إلى أن أهماله من طرف الوزراء، ابن عباد وابن العميد وابن سعدان وغيرهم، ناتج عن حقيقة أن أبا حيان، على الرغم من ملكته اللغوية وحصيلته اللفظية وروعة أسلوبه آنذاك، فإنه ذو حظ ضئيل من النباهة واللبابة، ولا يمتلك ما يكفي من اللباقة واللياقة، لمخاطبة الوزراء وأصحاب الشأن، وخطب ودّهم والفوز بثقتهم.

وفي سنة 1956، نال محي الدين شهادة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة القاهرة عن اطروحته الرائعة عن "المرتضى: من سيرته وشعره" التي أشرفت عليها الدكتورة سهير القلماوي (1911 ـ19996) وناقشه فيها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين (1889 ـ 1973). وعاد إلى بغداد ليتولى تدريس الأدب العربي في دار المعلمين العالية ببغداد، ويصبح عضواً في المجمع العلمي العراقي، ثمَّ يستوزر عدَّة مرّات في الستينيات في عدّة حكومات.

عندما كنتُ تلميذا صغيراً في المدرسة الابتدائية في بلدتنا الحمزة الشرقي، كان من عادة والدي أن يأتي بين الحين والآخر إلى مدرستي لزيارة المدير والالتقاء بالمعلمين، ويسألهم عن أحوالي، ثم يلتقي بي في فرصة الاستراحة، ليستفسر عما تعلَّمتُه ذلك اليوم. وعندما درستُ علم النفس التربوي فيما بعد، تبيَّن لي أن هذه الطريقة، تجعل الطفل يوجّه اهتماماً وعناية كبيريْن لدروسه. ولم يكُن والدي يتبع تلك الطريقة التربوية نتيجة اطلاعه على بحوث نفسية تربوية، بقدر ما كان ذلك تعبيراً طبيعياً عن حبّه لأطفاله وشغفه بالمعرفة.

ولم يتخلَ والدي عن ديدنه ذاك حتى بعد أن ألتحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد، أو الجامعة الأمريكية في بيروت، على الرغم من بُعد الشقة ووعثاء السفر. فقد شرّفني والدي بدار المعلمين العالية ببغداد ذات يوم، وسألني كعادته عما تعلّمته ذلك اليوم. ولما كانت أغلبية دروسي باللغة الإنكليزية وآدابها التي لا يعرفها، فضّلتُ أن احدّثه عن درس اللغة العربية الذي تناول فيه الدكتور عبد الرزاق محي الدين بعض قصائد حاتم الطائي (ت حوالي 46 ق.هـ./ 605م) بالشرح وتحليل معالمها البلاغية. واخترتُ بيتيْن هما:

سلي الجائعَ الغرثان يا أمَّ منذرِ
إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
أأبســط وجهي إنه أول القِرى
وأبذل معروفي له دوني منكري

فسأل والدي:

ـ وكيف شرحها الدكتور؟

ـ قلتُ: يوصي حاتم الطائي زوجته بدعوة الجائع إلى الطعام، إذا جاءهم وقد نحر حاتم الطائي ناقةً، وأوقدَ النار لطهيها.

وإذا بوالدي ينتفض غاضباً قائلاً إن هذا خطأ فاحش. إنه إهانة لحاتم الطائي، واستهانة لجوده النادر الوجود. أين الدكتور عبد الرزاق محي الدين؟؟ (وهو لا يعرفه من قبل).

وبدت لي غضبة والدي مثل انتصار لقريب له، ابن عم له مثلاً، تعرّض لهجمة وعدوان ظالميْن، مع علمي أنه لا علاقة دم تربط الرجلين، فوالدي من عشيرة القواسم التي تنتمي إلى قبيلة الظفير، وحاتم الطائي من عشيرة بني طي التي تعود في أصولها إلى قبيلة شمر، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن القبيلتيْن تنتميان في جذورهما إلى سيدنا آدم، أبي البشر.

وأخذ والدي يردّد:

ـ أين الدكتور عبد الرزاق محي الدين؟؟ أريد أن أراه وأناقشه في هذا الشرح البعيد عن الصحة.
ونظراً لأني أعلم حقَّ العلم أن والدي لم يدرس في أيّة مدرسة رسمية، ولم يحصل على أيّة شهادة جامعية، فعندما ولد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن في قريته أية مدارس سوى الكتاتيب القرآنية التي تعلّم فيها، ثم واصل تثقيفه الذاتي بقراءة الكتب الدينية والأدبية حتى أصبح يُلقَّب بـ " ملا محمد بن الحاج عيسى". ولعله كان من بين المعدودين على رؤوس الأصابع في بلدتنا ممن يجيدون القراءة والكتابة، في حين أن الدكتور عبد الرزاق محي الدين حائز أعلى الدرجات العلمية، ومتمرِّس في علم الجدل، ومتضلع في فنِّ الحوار الأكاديمي، ومبرِّز في جميع المناظرات والمناقشات التي خاضها في المحافل العربية، ومتمكِّن من الشعر الجاهلي وأساليبه ومعانيه. لهذا كله، أشفقتُ على والدي، وأجبت:

ـ من المحتمل جداً أن الدكتور غادر الكلية الآن.

قال والدي:

ـ لا بُدّ أن أراه. لنذهب إلى مكتبه.

هنا ازدادت خشيتي، وتفاقمت رأفتي بأبي وبنفسي، لأن أساتذة اللغة العربية وآدابها في دار المعلمين العالية كانوا يشتركون آنذاك في مكتب كبير ولكل واحد منهم منضدته. يا للمصيبة! يا للفضيحة! سيناقش والدي هذا العالم النحرير والأديب الكبير، وسيتلقى والدي ضرباته الجدلية القاضية بمحضر من جميع أساتذة الأدب العربي، ومنهم من يعرفه شخصياً مثل الدكتور محمد مهدي البصير ( 1895 ـ 1974)، شاعر الثورة العراقية الكبرى ومؤلِّف كتاب "بعث الشعر الجاهلي" الذي ابتعثه الملك فيصل الأول لدراسة الأدب العربي في جامعة مونبلييه في فرنسا، وعاد يحمل الدكتوراه سنة 1937، ليزاول التدريس في دار المعلمين العالية، وكانت زوجته الفرنسية لا تعينه في الوصول إلى الكلية فحسب، بل تدرّسنا اللغة الفرنسية كذلك.
ونزولاً عند إلحاح والدي، اصطحبته إلى مكتب أساتذة اللغة العربية. وخيِّل إليّ أن عيون جميع المارة من أساتذةٍ وطلبةٍ كانت مصوبة إلى والدي، لأنه في سمته وهيئته وزيّه مثل طير غريب بعيد عن سربه. فقد كان يرتدي الملابس العربية مثل العقال والكوفية والبشت، وكانت له لحية في وقت كان الموضة تقتضي حلق اللحية والشارب، على حين أن جميع منتسبي الدار من أساتذة وطلاب وإداريين يرتدون الملابس الأوربية "دليلاً على تحضُّرهم وتمدُّنهم"، تماماً كما كان يفعل العلماء الأوربيون في القرون الوسطى، واستمروا حتى اليوم (ومن بعدهم الأمريكيون) أثناء حفلات التخرّج الجامعي ، فقد كانوا وما زالوا يرتدون الملابس العربية خاصة القَب والسلهام Cap and gown تشبّهاً بعلماء الأندلس.

وفي طريقنا إلى مكتب الأساتذة، كنتُ أدعو الله في دخيلة نفسي أن لا نجد الدكتور عبد الرزاق محي الدين فيه. ولكن من الواضح، أن دعائي لم يُستجَب، إذ ما إن فتحنا باب المكتب حتى طالعنا وجه الدكتور محي الدين خلف منضدته الشخصية. سلمنا عليه وقدَّمتُ والدي إليه، فرحّب به هاشاً باشاً، وجلسنا على كرسيَّين بالقرب منه. بادر والدي الدكتور محي الدين بالسؤال:

ـ هل صحيح ما أخبرني به علي من أنك شرحت بيتي حاتم الطائي بهذا الشكل...؟

أجاب الدكتور بالإيجاب.

قال والدي:

ـ إن أبخل البخلاء، سيدعو الجائع الغرثان (شديد الجوع) إلى تناول الطعام معه إذا ما جاءه وقد نحر الجزور وأوقد النار لطهيها. أمّا حاتم الطائي، أكرم الكرماء وأجود الأجواد، فإنه يوصي أم منذر بدعوة الجائع إلى تناول الطعام حتى إذا جاء وكانوا ينحرونه هو (حاتم الطائي) ويجزرونه ويقطعون جسده إربا إربا، ويوقدون النار لإحراقه وتعذيبه. وهو يوصي أم منذر أنه إذا كان في تلك الحال الرهيبة أن تنوب عنه في دعوة الجائع إلى تناول الطعام، وترحِّب به كما لو كان حاتم في أحسن أحواله (مبسوط الوجه) ولا تذكر للضيف شيئاً عمّا يتعرَّض له حاتم من مكروه ومنكر وتعذيب، فهذا من مبادئ الضيافة (أول القِرى)، بل لا تذكر سوى الأشياء الحسنة عنه، لكي يُقبل الجائع على الطعام. وحاتم عادة ما يدعو الأضياف بنفسه، ولكنه في محنته الافتراضية تلك، اضطر إلى رجاء زوجته أن تنوب عنه.

هنا خيّل إليّ أنني لحظتُ ابتسامة خفيفة على شفتي الدكتور محي الدين الذي قلما يبتسم. وتغلّبت لديه في تلك اللحظة دبلوماسيةُ السياسي على جدلية العالِم الشاعر، فقال:

ـ شكراً، الحاج. أهنئك بهذا التأويل الجميل. وهو تأويل منطقي ومعقول جداً للأسباب التي تفضلتَ بذكرها. أما ما ذكرتُه أنا لعلي وزملائه في الصف فهو شرح لظاهر النص فقط، لعدم توافر الوقت.

هنا حمدتُ الله في ذات نفسي، وشكرتُ الأستاذ الكريم، ونهضتُ من الكرسي، إشارة لوالدي بالانصراف."

أما الطرفة رقم 43 فعنوانها "السياسي الدكتور عبد الهادي بوطالب يكتشف خطأ في الدعوة الملكية"، ونصها فيما يلي:

"تأسست المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) بالرباط في مايو/ أيار 1982، بوصفها وكالة متخصصة من وكالات منظمة المؤتمر الإسلامي (التي أصبح اسمها اليوم منظمة التعاون الإسلامي)، وهي منظمة دولية تضم حالياً سبعاً وخمسين دولة ذات أغلبية مسلمة.

افتتح العاهل المغربي الملك الحسن الثاني (1929 ـ 1999) مؤتمر الإيسيسكو التأسيسي، ونبّه في خطابه إلى ضرورة أن تعمل هذه المنظمة في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكأنه كان يتوقع أن يعمل أعداء الأمة على إثارة صراعات طائفية فيها. وقد أُسند الملك الحسن الثاني منصب المدير العام للمنظمة إلى الدكتور عبد الهادي بوطالب (1923 ـ 2009).

الدكتور عبد الهادي بوطالب من قادة الحركة الوطنية الذين كان لهم دور بارز في النضال من أجل استقلال المغرب. إضافة إلى كونه مفكراً وباحثاً مرموقاً. تخرّج مطلع الأربعينيات في جامعة القرويين بمدينة فاس، وهي أقدم جامعة في العالم لا زالت عاملة منذ تأسيسها سنة 245هـ / 859م. وكان عميدها آنذاك العالِم الوطني الغيور محمد الفاسي (1908 ـ 1991)، الذي التمس من السلطان محمد الخامس (1909 ـ 1961) رعاية حفل التخرج، تأكيداً للذاتية المغربية في زمن الحماية الفرنسية. وكانت التقاليد الجامعية تقتضي أن يلقي الطالب المتخرِّج الأوَّل في الجامعة خطاباً في حفل التخرَّج. وعندما ألقى عبد الهادي بوطالب خطابه، أُعجب به السلطان محمد الخامس، فعيّنه مدرِّساً في المدرسة المولوية بالرباط حيث كان ابنه ولي العهد الأمير الحسن (الملك الحسن الثاني فيما بعد) يواصل دراسته. ومن هنا توطدت علاقته بالملكين فأصبح مستشاراً لهما، إضافة إلى أنه صار منسّق البرنامج الدراسي في كلية الحقوق بالرباط لولي العهد سيدي محمد بن الملك الحسن الثاني (الملك محمد السادس فيما بعد)، لأن بوطالب كان أستاذا بارزاً في كلية الحقوق في الرباط. وقد تسنَّم بوطالب مناصب سياسية ودبلوماسية عديدة مثل : وزير الخارجية، وزير التربية الوطنية، وزير العدل، وزير الإعلام، رئيس مجلس النواب، سفير المغرب في واشطن.

له ما يربو على 60 كتاباً باللغتين العربية والفرنسية، ومنها ما يُدرَّس في الجامعات المغربية مثل:

ـ المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية.

ـ النظم السياسية المعاصرة.

ـ ملامح الدبلوماسية العالمية.

أعدُّ الدكتور عبد الهادي بوطالب من شيوخي، فقد صحبته قرابة عشر سنين عندما كان مديراً عاماً للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة واستخدمني فيها خبيراً ثم مديراً لإدارة التربية، وسعدتُ بقراءة العديد من كتبه، وتعلّمتُ منه كثيراً، وكان يعاملني كولده، ورافقته في معظم مهماته الخارجية المتعلّقة بالمنظمة.

كان الملك الحسن الثاني يبعث به في المهمات الصعبة حاملاً بعض رسائله الخطّية أو الشفهية إلى بعض رؤساء الدول. أخبرني ذات مرة أنه حمل رسالة شفهية من عاهل المغرب إلى شاه إيران في أوائل السبعينيات عندما توترت العلاقات بين إيران والعراق، بسبب دعم السلطات الإيرانية لتمردٍ الملا مصطفى البرزاني، بالسلاح والعتاد والمال، وكادت الحرب تنشب بين البلدين.

عندما وصل أبو طالب إلى البلاط الإيراني كان عليه أن يستمع أولاً إلى شرح مطوَّل حول مراسِم وبروتكول مقابلة الشاه. وحينما دخل إلى صالة العرش، وجد الشاه ببزته العسكرية ونياشينه تغطي صدره وهو جالس على عرش عالٍ جداً. وعندما وقف أمام الشاه لإبلاغه الرسالة كان وجهه في مستوى جزمة الشاه.

قال الدكتور أبو طالب بالفرنسية التي كان الشاه يجيدها ما معناه إن أخاكم الملك الحسن الثاني يبلغكم أحرَّ تحياته وخالص مودَّته ويقول لكم أن إيران بلد إسلامي وعمقها المادي والمعنوي هو بقية البلدان العربية الإسلامية ومنها العراق، وإذا تعرّض العراق لعمل عسكري فإن المغرب يجد نفسه ملزماً، بمقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية، بالوقوف إلى جانبه. ولهذا فإن أخاكم الملك الحسن الثاني يعتمد على حكمتكم وبُعد نظركم في حلِّ الخلاف بالطرق السلمية.

فأجاب الشاه بما معناه: إن ما ذكره جلالة الملك الحسن الثاني هو ما يجعلني أتردد في إنهاء الخلاف عسكرياً، وإلا ففي مقدوري أن أسحق العراق بأقل من أسبوع.

وهنا رفع الشاه قدمه اليمنى وضرب بجزمته قاعدة العرش لتأكيد كلامه، فاندفع الهواء الناتج من الضربة إلى وجه الدكتور أبو طالب.

وقال لي الدكتور : ومن تلك اللحظة كرهتُ الشاه.

[ولعل رسالة العاهل المغربي تلك من العوامل التي ساعدت على عقد اتفاق الجزائر 1975 بين شاه إيران وصدام حسين نائب رئيس جمهورية العراق آنذاك، بوساطة الرئيس هواري بومدين (1932ـ1978) رئيس الجمهورية الجزائرية (1965ـ 1978) ].

كان الملك الحسن الثاني يقول عن الشاه إنه من أصدقائه، " ولكنه ارتكب خطيئة التكبّر، وقد لاحظتُ ذلك لأول مرة عندما أقام احتفالا ضخماً بمدينة برسيبوليس التاريخية، حيث أراد أن يتباهى بألفي سنة من التاريخ، ناسياً بضعة قرون من الإسلام، ذلك أنه في ذلك العهد لم تكن إيران مجرد موظن للثقافة والديانة الإسلامية، بل غدت مركز إشعاع للفكر والحضارة الإسلاميين. إذن فعندما رأيتُه يقيم جداراً من الصمت على الفترة الإسلامية ليظهر الأسطورة الآرية، احجمتُ عن الاستجابة لدعوته [ لحضور ذلك الاحتفال]."

ومع ذلك فإن وفاء الملك الحسن الثاني لصديقه شاه إيران، جعله يحاول إنقاذه من الثورة التي كان يخطط لها الإمام الخميني من منفاه في النجف، فأوفد مستشاره عبد الهادي بوطالب في مهمة سرّية لمقابلة الخميني ومحاولة إجراء الصلح بينه وبين الشاه، ووجَّهه بمقابلة الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل اجتماعه بالخميني. ولكن الاجتماع مع الخميني لم يتم، لأن البكر أخبر بوطالب أنه لا فائدة من الاتصال بالسيد الخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا، ولم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات.

وعندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وطلب الشاه اللجوء إلى المغرب، كان الدكتور بو طالب من بين المستشارين الذين نصحوا الملك الحسن الثاني بعدم استقباله، ولكن شهامة الملك جعلته يستقبل الشاه. وبعد وصول الشاه إلى الرباط، تلقى الدكتور بوطالب بطاقة دعوة ملكية لحضور وليمة عشاء يقيمها الملك الحسن الثاني تكريماً للشاه، فلم يحضرها.

فأخبر أحدهم الملك أن المستشار بوطالب لم يحفل بتلبية الدعوة الملكية لحضور العشاء.

فاستقدمه الملك وسأله عن السبب في عدم تلبية الدعوة:

فقال الدكتور بوطالب المعروف بحدّة ذهنه وسرعة بديهته:

ـ سيدنا، ثمة خطأ فاضح في الدعوة التي وصلتني.

فسأل الملك مستغرباً:

ـ وما هو؟

أجاب بوطالب:

ـ لأن النقطة الأولى في الدعوة تقول: السلام على الملكَيْن، وأنا عندي ملك واحد هو الملك الحسن الثاني فقط.

فتبسَّم الملك. "

وهكذا، فكتاب "طرائف النوادر عن أصحاب المآثر" يجمع بين المعرفة والإمتاع، على خطى كتب الطرائف والنوادر في تاريخ الأدب العربي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى