الجمعة ١ تموز (يوليو) ٢٠٠٥
بقلم محمد أحمد نجيب

طعنة سكين

وجدته على غير عادته، مهموم الفكر وتائه العينين، فأحسست أن شيئا قد ألم به، “ما بك يا رجل، أفقدت من تحب، أم فاتتك وليمة من الولائم صرت بعدها صائم“، لم يبدو عليه أنه سمعنى، فهو كان سريع البديهة وحاضر الذهن، يرد سريعا على من ينتقده ويسخر منه، فيجعله يندم على قوله، فلما وجدت من تغير حاله وانشغال باله، آثرت أن أتركه، حتى تنفك عقدة لسانه، ولكن شهوة الكلام لم ترحمنى، فأخذت أعلق على صمته بظرف وبسخف فلم يجد ذلك معه، حتى هممت بالانصراف إلى حال سبيلى.

-  “انتظر، أريدك فى أمر ما“، قالها وقد كنت ابتعدت عنه بأمتار قليلة ورغم أن صوته كان ضعيفا إلا إننى سمعته برنين واضح كأمر غير قابل للنقاش.

“خير إن شاء الله، ماذا تريد أيها الصامت على غير العادة، أين حديثك الجذاب ومزاحك الذى لا نشبع منه“، نظر إلى، ثم عاد ببصره إلى السماء وكأنه ينتظر المجهول، ثم عاد إلى صمته، حتى إننى شككت فى أنه قد نادانى، ثم أخذ يتمتم بعبارات ليس لها معنى، وفجأة نظر إلى قائلا: “أتعرف فى تفسير الأحلام“

- “قرأت عنه قليلا، ولكننى لست من العالمين فيه“، وكنت قد قرأت لابن سيرين، شيخ المفسرين، ولكننى كنت أنسى الرموز ولا يتبقى فى ذهنى إلا القشور.

- “لقد رأيت نفسى مطعونا بسكين“، بدأت أتنفس الصعداء قليلا، فهو على الأقل لديه سبب لعلته، أمممممم، لقد رأى كابوسا ولكن البشر كلهم معرضين لكوابيس ولا يتأثرون لهذا الحد، ثم انتبهت أنه ينتظر منى التفسير، فقلت له بلهجة الواثق من علمه:

- هذا يتوقف على نوع السكين، أكان سكين مطبخ أم هو من نوع آخر“ ظننت حينها أنه سيغضب لسخريتى منه ولكنه كان فى حاله مختلفة تماما، إذ انه أجابنى فى جدية تامة “إنه سكين مطبخ، حاد كأنه خارج من المصنع لتوه و له مقبض خشبى“

أشفقت بينى وبين نفسى على حاله ولكننى اتخذت هيئة المنجمين، مداعبا ذقنى النامية بأطراف أصابعى، مطرقا رأسى فى الأرض متحدثا بصوت عميق “إذن لسوف تطعن بالسكين، وتدفن فى أرض البساتين“ تتطلع إلى برعب أخافنى وقطرات من العرق تتزاحم على جبهته، بينما لسانه يرتجف “هذا ما أخبرونى به، هذا ما أخبرونى به“!.

“من هؤلاء الذين أخبروك“ لم يرد على ولم أصدق أنه يتكلم جديا هذه المرة، فلقد كنت ألقى بكلام أجوف، كيف يتفق معى أحد فى مثل هذه التخاريف، لا ريب أنه فقد عقله، فانصرفت عنه سريعا، خوفا من انتقال عدوى الجنون.

بعدها بأسبوعين، كنت مع مجموعة من الأصدقاء فى منزل أحدهم، نجتمع شهريا، نتذكر الماضى ونتبادل الذكريات، حتى سمعنا طرقا على الباب، فهم صاحب الدار ففتح للطارق، فإذا بأخو صديقى الذى روى لى حلمه يدخل علينا وقد كان مقربا لنا وإن لم يكن فى منزلة الصداقة، رحبنا به وسألناه عن أخوه، فأخبرنا أنه قد غادر! إلى بلد بعيد فى الصحراء، وقد إختارها خالية من أى بقعة خضراء وأنه قرر أن يمضى باقى عمره فيها، تعجبت لذلك أيما تعجب، فلما عدت إلى بيتى، اتصلت به هاتفيا، لأعلم أنه يفر من كابوسه الذى رآى، لقد أخبروه أن سيطعن ويدفن فى أرض البساتين ولذلك، فقد ابتعد عن كل بستان فى الدنيا، حاولت أن أثنيه عن قراره بالعقل والمنطق، إلا أن ذلك لم يكن مجديا على الإطلاق.

مر يومين على ذلك، حتى أتانى أخوه والحزن يملأ عينيه، يخبرنى بوفاته وقبل أن يخبرنى بظروف وفاته، تحدثت وكأننى أعرف أنه طعن بسكين، عندما سألته من الذى طعنه، فدهش وتعجب “من أين لك بمعرفة سبب موته، إن أحدا غيرى والمحيطين به لا يستطيع ذلك“، فأخبرته عن الكابوس فاطمأن باله وأخبرنى أن أحدا لم يطعنه، لكنه على ما يبدو كان يحتفظ بالسكين تحت وسادته وحتى إذا شعر بمن يحاول قتله وطعنه هو أولا. وفى ليلة موته سمع أصواتا تقترب كوقع أقدام فهب من فراشه فزعا ممسكا بسكينه، فتعثرت أحدى قدميه بالبساط فسقط بثقله على سكينه فاخترقته و أردته ميتا فى الحال، فتمتمت فى نفسى “كان يهرب من قدر الله إلى قدر الله“!، ثم حكيت لأخوه ما فسرت به الرؤيا، ثم توقفت عند أرض البساتين هذه وتسألنا كيف طعن فى الصحراء، إذن الرؤيا لم تتحقق حرفيا، حتى ذهبنا إلى الصوان الذى أقيم فى البلد التى مات فيها حسب وصيته نتلقى العزاء من أهل المكان، ممن عرفوه وممن لم يلتقوا به من قبل، وما أكثرهم، لقصر فترة الإقامة وشدة العزلة التى أحاط نفسه بها، “وهذا شيخ أرض البساتين، جاء بنفسه يعزيكم فى وفاة الرجل الذى لم نرى منه إلا كل خير، رحمه الله “فتبادلت مع الأخ الرأى فوجدته يفكر فيما أفكر فيه، فسأل الرجل عى أرض البساتين، فأخبره أن هذه البلدة كانت تسمى بذلك فى أوائل القرن الماضى، قبل أن يتم تغييره لافتقاده إلى المعنى الموجود على الأرض، ولكن شيخهم ظل متمسكا بالاسم القديم، لذا فهم يحرصون على الاحتفاظ بالاسم القديم، كلما كان حاضرا بينهم، ولولا ذلك لما عرفنا أن الرجل قد طعن بالسكين فى أرض البساتين.

النهاية


مشاركة منتدى

  • السلام عليكم ..
    تحملت بأني كنت بمكان و اشبه بغرفه كبيره و معي اداه كالسلسله و اضرب بهاد عدد كبير من الاشخاص و هم لم يلمسوني ابد فتفاجئة فيما بعد انهم رفقاء لأحد اصدقائي لقد كان نائما و تحدث معي و اعتذرت منه عما بدر مني بشأن اصدقائه فجأه وضعت بمكان اشبه بمربع اخضر كبير يعني كالمزرعه و الاشخاص موجودين و عددهم كبير جدا فبدأت بالأعتذار منهم جميعا البعض يبتسم بوجهي و البعض الاخر ينظر الي بغضب و فجأه و اذا بأحد اصدقائي طعن و اذا بسكين بشخص قفز علي من خلف الناس و طعنني بالسكين بيدي و الاخرى بكتفي ولكن شعرت انها بكفتي لأني استيقظت من النوم و السكن كانت متجهه الى كتفي و كأني اشعر بألمها لحظة استيقاظي من النوم ..

    علما بأن السكين بيضاء و حاده كمثل اي سكين ... امل ان تفسروا لي و اكون من الشاكرين لكم و جزاكم الله خير

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى