السبت ١٤ آذار (مارس) ٢٠٢٠
بقلم الهادي عرجون

قراءة في المجموعة الشعرية "قمر لمعمار الغياب"


عندما يصبح الشاعر طاعنا في الرؤى يقتفي هديل الغريب على سفح النشيد ليحتضن قمرا لمعمار الغياب، وهو يمشي إلى ما يشبه العدم المفضض بالأماني والدجى، لتشدو المدائن أنشودة اليتم وتجهش الأرض بالرحيل فلابد من أن تنعطف إلى جهة أخرى، تقف أمام الحياة ليكون بين يديك "قمر لمعمار الغياب" بصخب الأناشيد، وهو عنوان أوّل مجموعة شعرية للشاعر أمين دمق، الصادرة عن دار ميارة للنشر والتوزيع سنة 2013 والتي ضمَّت بين جوانحها باقة من عشر قصائد جاءت عناوينها مركبا إضافيا في 77 صفحة من الحجم المتوسط، و التي تناولها بالتقديم الدكتور خالد الغريبي الذي كان تقديمه للمجموعة تقديما شافيا ضافيا كشف للقارئ خطوط رؤاها، كما دعا القارئ النبيه إلى أن يعيش صدمة التأويل أو لنقل صدمة تحديث الشعر على حد تعبيره.

ننطلق من عتبة العنوان "قمر لمعمار الغياب" والذي جاء مركب إضافيا يوحي ولا يصرِّحُ بخبايا المجموعة الذي شدني كثيرا لما فيه من إيحاءات، ليعتلي قمرا أنثوي "له الآن
أن يعتلي قمرا أنثوي التوثُّبِ"(ص25)، و مع هذا فالشاعر يرى أنه لا جدوى من الأقمار "ذروني عند مفترق الظنون/حيث لا جدوى من الأقمار"(ص33)، ولكن الملفت للنظر أكثر هو حضور مفردة (قمر) في مواضع عدة من الديوان ليكون "قمر على بعلبك (تصدير لمحمود درويش)"(ص35) "وكانت لنثرية القمر المتحذلق بالصدِّ "(ص37) و تارة "من فلقتي قمر توحَّدَ بالغواية "(ص45) ليصبح عند امتثال الليل ذلك "القمر المناوئ للسطوح"(ص57) ذلك القمر الذي أوحى لشبق الجمود على شفا أوحالها بأن يكون "قمر الندامى..."(ص60). ليكون القمر تارة على سفح النشيد وتارة أخرى لمعمار الغياب، ذلك القمر الذي قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ليفضح سكون الليل ويكشف غربة الغريب وغيابه الذي يظل في خسوف مفضوح لتكون غربة الشاعر وهو يتقلب بين غربة قسْريَّةٍ أرادها لينام على سفح العبارة ريثما تعد القصيدة شاعرا:

"غريب ...على شاطئ الانتظار
وفي راحتيه قليل من الاشتياق لمريم"(ص19).

ذلك الغريب الذي يحنُّ إلى شرفة في أعالي السؤال ليرحل من المكان إلى المكان وفي صدره آهة لم ترق للصحاري ليكون:

غريب ...ومذ كان في المهد لم يمتشق
نخلة للعناق...فقد هَنَّدَتْهُ القوافي
فصار ملاذ الحيارى..."(ص20).

وغياب مفتعل فهو ابن راحيل يتوسد التاريخ والعمر المتهته بالزوال:

"سل لوعتك...
فهواك يعتور المكيدة...،
عورة الجب المسافر
في الغيابة والغياب
لا ذئب ينهش حلمك
إلا دموعك حينما انفرطت على زغب السلام"(ص48).

ففي غبش ليل الشاعر أمين دمق الذي احتاج لقمر في عتمة ليل الكلمات التي أينعت وحان قطافها:

"سيأتي زمان...له
من عتاب الدوالي...جراح
تغمدها الليل بالبرتقال
سيأتي زمان...تفرُّ لهُ...أوْ بِهِ
الأمنيات ليكتمل البوح..."(ص24).

لتنبت كرمة العشق بدون جدارية أو وداع وتمضي نبيذا:

"بدون جدارية أو وداع
تُشَمْئِلُ هندسة للفراغ
وتمضي نبيذا لمن أترعك
سمرقند ما بارحت كرمة العشق
يا أيها الليل
ولكنها سلَّمَتْ أن درب الحرير...، قصي
بدون قنا فارس يائس"(ص38).

لتتكرر لفظة (الليل) التي وردت (14 مرة) في كامل المجموعة معلنة عن بزوغ ذلك البدر، كأن الليل يطارد اكتمال القمر بدرا ولكن هذا القمر بات أسيرا لمعمار الغياب.

لتكتمل القصيدة فالشاعر هنا يبحث عن اكتمال البناء النصي واكتمال المعنى الشعري في نصوصه مدَّعِيًا أن القصيدة لا تكتمل إلا إذا نام على سفح العبارة ريثما تَعُدُّ القصيدة طقوس ومناسك عريها لشاعرها وهو المتشح بشجر المجاز، يعيد للشعراء أجراس الخليل، فالشاعر أمين دمق هنا بين مطرقة عمود الشعر وسندان قصيدة التفعيلة التي وجد كينونته وذاته الشعرية فيها والتي عبر عنها بقوله:

"قد كنت مثله أدعي أن القصيدة
امرأة...
تبغي التبرج في اللغة...
تهوى مداعبة الجناس وما يؤرخه انفجاري...
من عبارات مفخخة ... وبوح مرجئ...،
يستمطر الإيقاع والكلمات في وكناتها...
و"كنانة"...سكبت رعاف رماتها...
لتصوغ من حيض المعاجم طلقة
مشكاة سهد...قد تهلل لانكساري...
كيما أقاد إلى القصيدة صاغرا...؟"(ص74).

لتصبح القصيدة بمثابة المرأة المتبرجة لشاعرها حينا والمحتشمة حينا آخر لتبايع العري في صوته و تعد القصيدة مناسك عريها وتقول لشاعرها هيت لك:

"ماذا عساني أكون؟
إذا مسني وتر من تلعثمه
يجهش البدر في بردة الوحي...
يرمي بسجيله في سجال القوافي
التي أرضعتك.
هيت لك"(ص40).

فالشاعر في النهاية يختار قِبلةَ الوجع المتاخم لخطوات القصيد فهو سليل القوافي الذي يجرد جفوة اللغة العصية ليزف للماضين في صوته ويصيح في الماشين "دعوا لي الشعر والأجداث إن النعش...قد سئما..."(ص64).

ليختار الشاعر أمين دمق زمن التجوال والمرور بين فراغات النص وتعرجاته، ويقف عند زخرف نصه لتبزغ هندسة الشاعر الروحية التي تنكشف فيها رحلة الشاعر نحو تشكيل الصورة من منطلق ذاتي يختزل هوية الكتابة الحائرة المحدقة في فراغات النص التي تنبثق من شقوق اليأس لتزرع دوالي الأمل.

و في الختام يمكن القول أن الشاعر أمين دمق قد امتشق القصيد و اعتلى سبل الحلم المخضب في وريد الشعر ليُذْهِبَ عقم البيت و يجهض في الآن نفسه سطره ليسبح في قوارير نبيذ الشعر، ويفضح خصوصية الكتابة عنده التي تراوحت بين التفعيلة و عمود الشعر ليلهب زفير الكلمات و يفتح لنا أبواب التمعن والبحث في الواقع الشعري لتينع كروم اللغة و تزهر القصيدة و ينضج الشعر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى