الثلاثاء ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١٠
بقلم رأفت دعسان

كرسي الجمال

كانت تجربتي الأولى لزيارة القارة الأوروبية، فكانت باريس عاصمة الفن والجمال.
وصلت الطائرة الى مطار شارلز ديغول، ذاك المطار الضخم حجما،ً الرائع تصميماً. استقلينا سيارة الأجرة "التاكسي" الى فندق الماريوت مكان اقامتنا طوال فترة التدريب الذي سنحضره هناك.

وصلنا الفندق وذهب كل منا الى غرفته، لم أستطع النوم فالرغبة الجامحة في نفسي في الإكتشاف ورؤية الجديد أرقتني وأقضت مضجعي.

كان وصولنا عصراً بعد رحلة طويلة قاربت الست ساعات من الطيران، الرياض-جدة-باريس.

قررت بعد جدال طويل مع نفسي أن أخرج لإكتشاف باريس فذهبت الى بهو الفندق سائلاً موظف الاستقبال عن أقرب متجر ٍلشراء آلة تصوير وبطاقة للهاتف الجوال فقال لي: اخرج من باب الفندق وتمشى لمدة 5 إلى 10 دقائق بشكل مستقيم حتى تصل متجراً كبيراً تجد فيه غايتك.

وكذلك فعلت واشتريت آلة التصوير والبطاقة، وقد كانت من أجمل ما مشيت فكان هذا الشارع الذي مشيت فيه- شارع فيكتور هوجو- شارع جميل تتعانق الأشجار بين طرفيه مشكلة مظلة طبيعية فوق سرب السيارات، وتشم وأنت تمشي اريج الطبيعة وعبق الماضي في امتزاج عذب.

وقبل أن أرجع للفندق من رحلتي تلك قررت أن أزور المعلم الباريسي الذي سمعت عنه الكثير ألا وهو "برج أيفل" فركبت سيارة أجرة "تاكسي" متجهاً الى البرج.

سألني السائق بالإنجليزية: من أين أنت؟

فقلت له: أنا أردني أعمل بالسعودية وقد قدمت من الرياض اليوم فأجابني بلغة عربية ذات نكهة أجنبية "مرحبا".

بدأت السيارة تمشي في الشوارع الباريسية الجميلة التي تجتاح اللون الأخضر جنباتها في تؤامة عجيبة بين الطبيعة والمدنية.

فقلت له- وأنا مشدوه بهذا الجمال الخلاب-: لقد ولد الجمال في باريس ومن ثم ارتحل في أرجاء العالم ولكن موطنه لا زال باريس.

وصلت إلى برج "أيفل" ذلك البرج الشامخ كعملاق حديدي ضخم رأسه تعانق السماء وقدماه مغروزتان في الأرض، اشتريت تذكرة للصعود الى البرج مع علمي أني أخاف المرتفعات لكن روعة الجمال التي تراه عيناي سلبا مني كل خوف.

ركبت ذلك المصعد العجيب الذي يسير مائلاً من أحد رجلي البرج ثم يصعد مستقيماً نحو السماء.

وفي الدور الثاني من البرج توقف المصعد ليقل ركاباً جدد في رحلة الصعود ، فكان منهم أبٌ وأبنته المقعدة ذات الخمسة عشر ربيعاً- احسبها كذلك- ساعدته في إدخال ابنته وسحب الكرسي الى المصعد.

نظرت الى الفتاة مشفقاٌ عليها فكأنما صاعقة من السماء أصابتني أو أن التيار الكهربائي الذي يغذي البرج قد سرى في جسدي قبل أن يسري في البرج.

لقد كانت فتاةً في غاية الجمال؛ شعرها كأنما خيوط الشمس تنشرها في نهار صيفي، عيونها كصفحة البحر الأزرق يداعبها النسيم، تشرق من وجهها طفولة شفافة عذبة، تبتسم فتحسب الدنيا ملئت سروراً ونسيت أن هذه الفتاة مقعدة.
نسيت في لحظة البرج ونسيت رحلتي فسبحت بتفكيري في هذة الفتاة.

فتخيل لي أني أمام ملكة متوجة تتربع على كرسي المُلك في مملكة الجمال فكأني بأليس في بلاد الجمال.

إن لله حكمة في شؤون هذا الكون يريد أن يعملنا أن لا شيء كامل غيره هو، فهذه الفتاة وإن كمل الجمال لديها فهو في كماله هذا ناقص في كليته. قد كنت لا أومن إلا بجمال الروح فالروح جميلة، وما الجسد إلا مسكن هذه الروح في الدنيا فسواء كان جميلاً أم لا فأنه لا يمس جمال الروح بشيء ولكني حين رأيتها رأيت جميلاً يسكن جميلاً.

وفجأة صحوت من حلم يقظتي وقلت للفتاة: ليس هذا الكرسي الذي تجلسين عليه بكرسي العجز والمرض بل هو... كرسي الجمال... أجل كرسي الجمال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى