السبت ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٧
بقلم ريمون جرجي

لأجل مستقبلك

ماذا يخبئ لها المستقبل، فيما يخص استقرارها، صحتها، سلامتها، نفقات تعليمها، عملها، حياتها، كيفية تمويل مصاريف حياتها؟.

طفلتي عمرها الآن تسعة أشهر، وهي لا تتميز عن غيرها أبداً، حيث يتجاوز عدد من هم أقل من عام واحد في سوريا حالياً الأربعمائة وخمسين ألف طفلة، يستهلكون الحليب والحفاضات والأدوية والألبسة ومن ثم الكتب والدفاتر وأقساط المدارس.......... وغيرها!.

ها أنا أبثها أفكاري وتوقعاتي عن مستقبلها، و لكن بما أنها لا تدرك معاني كلماتي، ولا تفهم قلقي على مستقبلها، فقد قررت الكتابة لها.

مع صباح كل يوم عمل أحتضنها، آخذاً إياها إلى بيت إحدى جدتيها بالتناوب، بسبب دوام عمل زوجتي، ومنذ عدة أشهر ألاحظ عليها بأنها تسترق النظر دائماً إلى السماء، وإلى الطيور المتنقلة على أسلاك الكهرباء والأغصان، فتستمتع بها جداً وغالباً ما تشد جسدها محاولةً رفع رقبتها لتوسيع مدى نظرها، وكأنها تحاكي الطيور وتسألهم عن حريتهم و عن سعادتهم و على ما أظن عن مستقبلهم، بهدف مقارنته مع مستقبلها الذي ينتظرها، فربما هي قلقة ويشكل المستقبل هاجساً لها بالفطرة منذ الآن.

كثيراً ما تسرقني أفكاري حول مستقبلها ومستقبل أخيها أيضاً، فتتأجج أحاسيسي أكثر عند سماعي لعبارة " الله يريها أياماً حلوة " من جيران الحارة و بعض المعارف الذين اعتادوا مشاهدتنا يومياً ونحن ننتظر "ميكرو باص" روضة أخيها.

طفلتي العزيزة:

أحاول جاهداً بأن أبيّن لك وأنت في هذا العمر، ما أتمناه لك من مستقبل ملفتٍ ومستقر، فيه كل السعادة والاستقرار لتحقيق ما ستصبين إليه، كما أتمنى أن تعتدل أحوالكم عندما تكبرين( ولكن الأمل ضئيل جداً )، فمن صفات هذا العالم الحالي: سرعة التغييرات والتطورات وسيطرة التكنولوجيا و ووسائل الاتصال مع تغير العادات المعيشية وتبدل الأعراف الاجتماعية، ولكن:

تكاليف التعليم:

بماذا أعدك يا ابنتي! فالتعليم من صعب إلى أصعب وفرص التعليم في الجامعات تقل في ظل ازدياد عدد السكان وعدم توسيع الجامعات الحكومية لزيادة الاستيعاب، وبعد أن صار عندنا التعليم المفتوح و الموازي، وحتى لو أنهما تأسستا قبل تعديل الدستور الذي نص على مجانية التعليم في سوريا من خلال المادة السابعة والثلاثون منه: " التعليم حق تكفله الدولة وهو مجاني في جميع مراحله وإلزامي في مرحلته الابتدائية وتعمل الدولة على مد الإلزام إلى مراحل أخرى وتشرف على التعليم وتوجهه بما يحقق الربط بينه وبين حاجات المجتمع والإنتاج" . أما عن الجامعات الخاصة فأقساطها الكبيرة و البعيدة عن متناول الكثيرين من سوريا بسبب ضعف دخول السوريين، وكذلك تكاليف الدورات الخاصة لطلاب الشهادة الثانوية التي يبدأ الانتساب لها فور النجاح من الصف العاشر!!! وبأرقام فلكية تقصم ظهر الآباء والعائلات، وهي التي تمول الأساتذة لامتلاك المزارع والسيارات، ولذلك أنا آسف يا ابنتي إن لم أتمكن من توفير فرصة مناسبة لك للدراسة بالمدارس الخاصة الحديثة أو في الجامعات الكبيرة التي تُدَرِسْ باللغات الأجنبية، وربما ستشعرين بعقدة النقص وانعدام تكافؤ الفرص، إن تخرجت من جامعة حكومية مجانية، عندما ستتقدمين لفرصة عمل تقدم لها أيضاً طلاب الجامعات الخاصة.

أما عن الصحة والنظافة:

فها نحن نئن من انتشار القمامة بسبب عدم وعي الناس لخطورتها وعدم تطبيق" النظافة من الإيمان"، مع اتساخ الشوارع ونبش القمامات في الشوارع، وغلاء الاستطباب والعلاج بدون تطبيق الضمان الصحي للأفراد، وأن دخول المستشفيات الحكومية لم يعد بحاجة إلى الدعم والواسطة كما كان سابقاً بل أصبح بحاجة إلى رش الإكراميات بعد تقبيل أيادي الأُذان والممرضات ومن بعدهم الأطباء الذي سيحولون المريض إلى أحد المشافي الخاصة أو إلى عياداتهم الخاصة، وإلا إلى أماكن أخرى لا رجعة منها!! وذلك بسبب العجز أو الإهمال أو الاكتظاظ ( فهل هناك من يظن في سوريا أن الأطباء يعملون في المشافي الحكومية طمعاً بالراتب والتعويض الهزيلين أم طمعاً بالشهرة والانتشار وكسب المزيد من المرضى؟).

حوادث المرور و أضرارها:

وعن المرور وحركة السيارات، فأقولها لك بالفم الملآن بأننا ننتمي للعصور الوسطى في الوعي المروري، كما أننا نقلد الميليشيات المتمردة في سير مركباتنا التي تقتل يومياً ثمانية مواطنين أي مواطناً كل ثلاثة ساعات تقريباً( في عام 2006 قتل 2756 إنساناً في سوريا بحسب الإحصاءات المنشورة) ، وكل ذلك على مرأى ومسمع كل من له عيون و من له أذنان في بلدنا ( و سننتظر الإحصاءات القادمة عن حوادث 2007 قريباً لنتأكد من فداحة أضرارها !!)، ولستُ على يقين من أن أحد ما يسعى بشكل جدي وجذري لوقف هذه الحرب الخاسرة، وتوقيع اتفاق سلام مع هؤلاء الذين يتسببون بقتل السوريين بدم بارد و بلا حضارة إنسانية، وهذا ما قد يلغي أي أمل بالحياة المستقرة الهانئة والمريحة لأي إنسان أو عائلة في أية لحظة، دون سابق إنذار.

لا أمل إلا بالهجرة!!

أعرف يا ابنتي بأنه من الأفضل لك ولمستقبلك بأن نقدم أوراق الهجرة لأي بلد أوروبي أو أمريكي( كما يفعل الآلاف غيرنا حالياً من أجل أطفالهم )، حتى ولو كان فيها من المخاطر والأعباء المالية الكبيرة والتذلل أمام السفارات الأجنبية وانتظار الدور لسنوات طويلة على أمل الموافقة على طلباتنا، على الرغم من ندرة فرص العمل في تلك البلدان، حيث لا أهل ولا جيران ولا عادات ولا تقاليد فيها من البؤس كله للأبوين لأجل أن ينعم الأبناء أو الأحفاد بعد سنين، ولكن بعد خسارة كل القيم والأخلاق التي نشأنا عليها هنا لتحل محلها قيم غيرنا.

انتهاك الكرامة

كما أود إحاطتك بأنك قد تتعرضين أنت أو أحد ما قد يخصك إلى سلوكيات سيئة مسيئة لك وللبلد، فيها من الوقاحة واللا إنسانية ( تحت عُرف سلطة فرد من الأفراد إياهم )، حتى لو اعتذر منك من هو أعلى منه سلطة فيما بعد، ولكن هيهات" فالإنسان الكريم قد يغفر الإساءة ولكنه لا ينساها"، وليس عيباً بل وساماً بأن يتميز السوريون بالكرامة أينما تواجدوا.

لماذا نهاجر؟

فأنا هنا أعترف لك بأنني قد أهاجر لأجلك ولأجل أخيك، فمثلك في دولة أوروبية يحصل على راتب شهري يتم إيداعه في حسابه الخاص من تلك الدولة، دون منةٍ أو جميل منهم أو من أهاليهم، فلن تكوني هناك بحاجة لأحد لكي تشقي طريق مستقبلك بشكل هادئ ومستقر، دون أية إشكالات مادية إضافية لك ولأهلك، وستنعمين بالتأمين والعلاج الطبي، كما ستحصلين على التدريب والتأهيل اللازم قبل دخولك إلى سوق العمل على عكس ما يحصل عندنا هنا، وهناك سوف لن ينافسك أبناء المناطق الأخرى ( مع الاحترام لهم جميعاً لأن الإنسانية لاتعرف المناطقية في العيش وتساوي الفرص ) ولكنهم عندنا.... احتلوا كل الوظائف والمناصب ولم يتركوا شيئاً لسكان المدن وهذا ليس ذنباً منهم!!!، ولكن من يفكر بحال أهل المدن عندنا، سيرأف بوضعهم، ومن يلحظ تغير عادات المدن وطغيان عادات أخرى لا ترقى إلى مواكبة السرعة في التغييرات كعولمة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، أو انتشار العلمانية والمفاهيم الإنسانية العالمية، ومؤسسات المجتمع المدني، والعيش المشترك وقبول الآخر، حتى أصبحت كل تلك المواضيع وغيرها، مشكلة المشاكل وحديث كل فرد وأسرة ومدرسة.

هل الهجرة هي الحل؟

ابنتي يقولون عن الهجرة بأنها مثل صوت الطبل، فصوته من بعيد جميل جداً أما عند الاقتراب منه فصوته مزعج جداً، ولكن إن كانت هذه الكأس مقدرة لنا فسنشربها مثلما شربها الكثيرون غيرنا، وإن كُتب لنا البقاء هنا كما عاش أجدادنا من قبلنا حيث تركوا لنا و للإنسانية عامة، كل هذه الأوابد والأماكن التاريخية والتراث الكبير، سواء أكان تراثاً ملموساً أم شفهياً.

يا ابنتي قُلت دائماً، و ناديتُ مراراً وحاورتُ كثيراً عن الهجرة، وكان الإجماع على: أن الهجرة ليست هي الحل، وأن البقاء في الوطن هو الحل الأرقى والأروع فلا كرامة لإنسان إلا في وطنه، ولكن هل يُفكر الوطن فينا ولو قليلاً؟ ولماذا لا يسعى إلى حجب تفكيرنا بالهجرة، فمغبون هو ذلك الإنسان الذي يولد و يعيش في وطن ومن ثم يموت ويدفن في نفس ذلك الوطن.

أزمات متزايدة

ولكن كيف يقاوم الإنسان مع هذه الأزمات؟ فهناك أزمة: سكن، طاقة، فساد، بطالة، تلوث، نقص مياه، تعليم ضعيف، انفجار سكاني، ضعف استثمارات، قطاع حكومي فاشل اقتصادياً، وتفكير دائم بذوي الدخل المحدود، ولكن ماذا عن ذوي الدخل المسدود أو عن ذوي الدخل المهدود؟.

تساؤل !

ماذا لو فتحت الدول الغربية أبوابها للهجرة رغبة في تحقيق غايات أو مخططات كبيرة باتت شبه معروفة وملموسة للكثيرين لتغيير ديمغرافية منطقتنا؟ فماذا ستكون النتيجة حينها؟ فلا أحد يهاجر من وطنه إلا وهو مرغم بسبب الظروف ، وليس حباً في الهجرة، ونعم فإن السوري مرفوض من كثير من الدول العربية والغربية لأسباب معروفة، ولكن ماذا عن مستقبل أطفال الوطن؟ فهل هناك من يفكر بهم؟.

لأجل مستقبلك يا طفلتي.. أنبقى أم نهاجر؟ ولكن إلى أين نهاجر؟

يا طفلتي.. أنبقى أم نهاجر؟

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى