الخميس ١ تموز (يوليو) ٢٠٠٤
بقلم نجــلاء محـمود مِحْرِم

للكلابِ ذاكرةٌ!

بشعور ثقيل خطوتُ للخارج .. غادرت مكمنى وسعيت مبكرا .. الشمس تلقى حرارتها الواهنة على ظهرى البارد .. أحاول أن أجد فيها مذاق الأمن ككل يوم فلا أجده .. انتهت سهرتنا أمس بعد انقطاع جميع الأصوات .. اللهم إلا صوت تلك الأشياء الزاعقة النافخة للهواء الأسود والتى لا تكف عن الانطلاق فوق الأسفلت .. لكن كثافتها كانت قد قلت كثيرا بحيث صار فى مقدورنا أن نعبر الطريق ونتشممه بل ونرقد أحيانا على الأسفلت الدافئ .. وحين نسمع من بعيد هدير نافخة الهواء الأسود نشرع آذاننا .. ونرفع رؤوسنا .. ونمد قوائمنا الأمامية ونحن رقود فى عرض الطريق .. ونحدد بُعْدَهَا عنا لنتخذ السرعة المناسبة فى الفرار .. وعادة نفر فى الوقت المناسب .. وقد يلوح لأحدنا أن يتربص بها حتى تجاوره فينبح بشراسة مندفعا نحوها لكنها حين ينهى قفزته تكون قد تخطته .. لم تكن تلك التصرفات تروقنى .. فهى دائما تعنى لفت نظر إحدى الرفيقات إلى النابح الشرس .. وهو أسلوب آدمى مُرَاءٍ لا يتفق وأخلاقياتى ..

حرارة الشمس تحاول النفاذ عبر فَرْوى البنى .. وأحاول استشعار الأمان فلا أستطيع .. توقفت ألهث وأرقب ازدحام الشوارع .. تلتقى عيناى أحيانا بعينين آدميتين حنونتين .. نتبادل وُدًّا لا يدوم إلا ثوان حتى أعبر صاحب العينين أو يعبرنى .. توقفت أبحث فى عيونهم عن الراحة .. لاشىء اليوم إلا النظرات الباردة .. أحتاج لدفقة حنان تخلصنى من قلقى .. يالعيونكم القاسية !

استأنفت سيرى .. ذيلى مقوس لأعلى فى كبرياء وأقدامى تتلاحق فى رشاقة .. قالت لى : أنت أجمل ذكور الجماعة ! وكانت تمنحنى دائما الفرصة لأعبر لها عن مشاعرى فى جميع الليالى التى سهرناها .. فكنت دائما الأقرب إليها والمستمتع بأكبر قدر من عبيرها الأخاذ .. نظراتها تـُغـْرِقـُنِى رقة بينما تزوم مهددة إذا اقترب منها غيرى .. لا أحد سواها يستطيع إخراجى من قلقى.. تُرى أين تذهب أثناء النهار؟ كان يجب على أن أسألها !

مازلت منقبض الصدر رغم تمام إشراق الشمس .. ورغم الدفء الواهن .. ورغم نظرات الأطفال ذوى العيون الطيبة التى مسحونى بها وأنا أبحث عنها .. سألتهم وأنا أهز ذيلى إن كانوا قد رأوها .. لم يفهمونى .. هززت ذيلى مودعا مستأنفا بحثى .. لماذا نفهم البشر ولا يفهموننا ؟

الليلة الماضية لم نفترق .. انفصلنا عن الجماعة نتمشى فى ضوء القمر .. قالت لى إنها تفكر فى هجر ملاذها الحالى تحت غطاء أقفاص الفاكهة حيث تبيت لتأتى وتبيت معى .. رقص قلبى رغم أننى ليس لى مسكن دائم لتشاركنى إياه .. مسحت " بوزى " فى وجنتها ففتحت فمها وعضت بأنيابها الجميلة عنقى وجرت .. جريت وراءها وتبادلنا العض والخمش .. هو الحب ولاشك !

من الشرفة كانت الصغيرة تطل .. ذيلاها اللذان تربطهما بشريطين أحمرين يتدليان خارج سور الشرفة .. وقفت أرنو إليها وأهز ذيلى ككل يوم .. جرَتْ للداخل وعادتْ حاملة خبز الصباح .. ألقته فازدردته سريعا ورميتها بنظرة شكر وانحناءة سريعة بالعنق وجريت لأواصل البحث .. جاءنى صوت أمها تعاتبها لأنها جعلت البيتَ قـِبْـلةً لكلاب الشوارع !!
لست أدرى من الذى قسمنا هذه القسمة : كلاب شوارع وكلاب بيوت ؟ لو يعرفون نظرتنا لكلاب البيوت هذه ؟ خاصة ذلك الكلب الذى يحمل ملامح الذئاب .. لو يعرفون رأينا فيه ما آووه متباهين ! الذئب لدينا نحن الكلاب سـُبَّة .. نسب بعضنا قائلين : يا ذئب ! فسلوكه أحط سلوك وملامحه أقبح ملامح .. وهو أدنى منا درجات ودرجات .. يخافنا ويتجنبنا .. ونحن نقف له ولأخلاقه المنحطة بالمرصاد .. لست أدرى ماذا يعجبهم فى الذئاب ليأووا الكلاب القبيحة التى تشبهها ؟ ولست أدرى كيف يكرهون الذئاب ويحبون أشباههم ؟ غريب أمر هؤلاء البشر !
قد أجدها فى الأرض الخلاء التى نجتمع فيها ليلا مع أصدقائنا .. نشطت لهذا الاحتمال .. تلاحقت خطواتى .. امتزج شعورى بالقلق بشعورى بالثقة فى أننى سأجدها هناك .. فوجئت به أمامى .. هو نفس الولد الذى ما إن يرانى حتى يقذفنى بحجر يدق عظامى .. انفجرت فيه نابحا قبل أن يتمكن من الإمساك بالطوبة التى انحنى ليلتقطها .. فر من أمامى هو وزميله .. لاحقتهما حتى تواريا فى مدخل بيت .. تربصت بهما فى الخارج .. قال له زميله :
ـ الكلب عرفك
فرد عليه :
= ليست للكلاب ذاكرة !
ربأت بنفسى عن الترصد لطفل محدود الفهم .. عدت أبحث عنها .. زادتنى المطاردة توترا .. وازددت ثقة بعثورى عليها .. أشعر بهما خلفى .. يتبعانى .. يزجيان الوقت بملاحقتى .. لن أنشغل بهما ما داما لا ينويان قذفى بالطوب .. مشاعرى المبكرة أنبأتنى بذلك !

فى الليلة القمرية الماضية دعتنى للذهاب معها إلى مسكنها تحت غطاء الأقفاص أمام دكان الفاكهى .. قلت لها : غدا ! لماذا لم أذهب معها ؟ حين تركتنى وقفت أتابعها .. توقَفـَتْ مرتين تنظر إلىّ ثم أكملت سيرها حتى انثنت نحو شارع جانبى .. ربضْتُ تحت سيارة وأخذت أجتر عذوبة صحبتها .. وأستنشق بقايا رائحتها على فروى .. وأسترجع جمال الليلة الفائتة .. لكنى اليوم صحوت منقبضا .. فسعيت للقياها قلقا ..
الطريق الأسفلتى ممتد تحت ضوء الشمس الشتوية المهزومة .. وعلى مرمى البصر ترقد الأرض الخلاء التى نجتمع فيها .. سأجدها هناك .. مشاعرى المبكرة تؤكد لى .. رفعت رأسى وأشرعتُ أذنىّ وقوست ذيلى أكثر .. لحظة اللقاء قادمة .. خطواتى تقربنى منها .. والقلق ينهشنى !
لاحت من بعيد على الحافة الأخرى للطريق .. مشرعة أذنيها الرائعتين مسدلة ذيلها الناعم رافعة أنفها تتشمم قدومى .. لمحتنى .. جرت عابرة الطريق .. مشاعرى المبكرة لسعتنى .. جريت أصرخ نحوها .. نبحت ملء حنجرتى .. طرت إليها .. كانت أسفل هذا الشىء الذى ينفث الدخان الأسود .. تشممتـُها .. لعقتُ عنقها .. رفـَعَتْ رأسها نحوى .. لم تقدر أن تمنحنى نظرة من عينيها العذبتين .. أعادت رأسها إلى الأسفلت .. من بين المتجمعين قال الولد أنه مشفق على .. فرد قاذف الطوب :
ـ سينسى فورا .. ليست للكلاب ذاكرة !

جروها من ذيلها وتركوها على التراب بجوار الأسفلت .. ربضت بجوارها .. خواء تام يملؤنى .. نهضتُ .. أقدامى تخطو نحو لاشىء .. مررت بهما فإذا هما يقذفان كلبا آخر بالطوب .. بينما الضياع يُغـَيـِّـبُنِى عن نفسى !

يناير 2000


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى