الخميس ١ تموز (يوليو) ٢٠٠٤
بقلم أسد محمد

للورد هدية

سبقها حماسها وفرحها بلقاء صديقاتها إلى غرفتها، فتحت حقيبة سفرها، أخذت منها الهدايا، وزعتها على الطاولة بعشوائية، وقالت:

-  هذا الكتاب لندى التي طلبته من مكتبة والدي، وهذه أقراص محشوة بالتمر لهند، ومربى التين لسلوى التي تحبه، وهذا الوشاح المطرز لمريم، والقميص ستفرح بها ميادة..
- 
أعادت ترتيب الهدايا حسب أرقام غرف الصديقات في السكن الجامعي، وضعت الحلوى على طبق صغير، وحملت الهدايا، ثم مضت يتقدمها شوقها كأرنب مرح، وهي تردد:

-  لقد غبت عنهن أكثر من عشرة أيام، وهذا زمن طويل..

انتصبت أمام باب غرفة هند كعود خيزران يستند عليه شوقها كصبي منتش، دقت على الباب بشيء من المزاح ، كررت الدقات، فهمت من موجات الصدى المرتدة أن صديقتها غير موجودة، فقالت في نفسها:

-  لا بد أنها في غرفة سلوى.

أسرعت إلى الغرفة التالية، دقت بابها بحماس، تمهلت، كررت النقر عليه بحذر، لم تسمع إلا صدى دقاتها في الممر الطويل، استدارت باتجاه غرفة مريم، تسلقت خطواتها المتثاقلة بحذر، وحاولت ضبط أفكارها التي بدأت تتشتت.. كان جواب الباب قبل أن تدقه:

-  انظري إلى العتمة التي تسد شقوقي بإحكام..
ركنت إلى حماسها المبلول بالمفاجأة، وضعت يدها على خدها مستسلمة لأفكار أشبه بخفافيش تائهة..

عادت إلى غرفتها، ضمدت جراح شوقها، تركته في الغرفة، حملت هدية ما، وصعدت إلى الطابق الأعلى حيث تقيم مريم، دقت على بابها كاليائسة، انطلقت من ثقوب الباب ظلال غريبة الأشكال، جعلتها تتفوه بكلمات تستنكر هذه الموقف الغريب..اتكأت على عكاز قلقها وعادت إلى غرفتها ثانية، حاولت أن تزيح هما عن كتفها بحجم بناء السكن الجامعي، قرأت على وجوه الأشياء المحيطة بها احتجاجا ما ضد محاولتها تبرير ما صادفها، أخافتها أسئلتها التي أخذتها للتفكير بسوءٍ ما قد حدث لإحداهن، قالت بألم " لا سمح الله، لا سمح الله.."

قذفتها الغرفة للخارج بحثا عن هواء تتنفسه أو ضوء يجعلها ترى وجهها الهارب منها.. كان السكن شبه خال، انتظرت عند الباب الرئيسي بانتظار أحد ما.. ظهرت إحدى الزميلات من بعيد، أصابتها رجفة، ومع كل خطوة تخطوها باتجاهها تزداد توتراً، وتطلب من الله ألا تحمل إليها خبراً سيئاً، وصلت، صافحتها، وقبل أن تسألها، بادرتها الزميلة قائلة:

-  لقد سافرن في رحلة علمية ولن يعدن قبل ثلاثة أيام.

تنفست الصعداء، ضمتها، وقالت:

-  الحمد لله، لم يحدث لهن مكروه.

صعدت إلى الغرفة، تركت الهدايا مبعثرة في أماكنها، استلقت على فراشها، استجابة لطلب جسدها ببعض الراحة، ولتتخلص روحها من أعباء القلق والتوتر..

ارتاحت قليلا، فسألها فمها الجاف بعض الماء، قامت لتتناول العبوة التي أحضرتها معها، وقع بصرها على أصيص الورد المعلق على حافة النافذة، ناداها ذبول الوردة، أخذت عبوة الماء وسكبتها كاملة في الأصيص، سقت الوردة باهتمام، وقالت:

-  لقد وجدت أخيرا مَن أمنحه هدية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى