الجمعة ١٨ أيار (مايو) ٢٠٠٧
بقلم إدريس ولد القابلة

محاكمات الإرهاب بالمغرب ـ الحلقة السابعة والأخيرة

التصدي للإرهاب لا يعني الهروب إلى الأمام

إن الدروس المستخلصة من أحداث الدار البيضاء دفعتني دفعا إلى استرجاع جملة من المقالات لكتاب و صحفيين غربيين سبق لي أن قمت بترجمتها من الإنجليزية إلى العربية و نشرت بعضها على صفحات بعض الجرائد المغربية، و مجملها يؤكد على مسؤولية الغرب في تنامي الإرهاب بالعالم.

1

و ها هي بعض المقالات المترجمة. فقد كتب كارل استايروك ورقة بعنوان بدلا من الإرهاب، جاء فيها أنه كان على الولايات المتحدة أن تستخدم مصادر القانون الدولي لمتابعة جناة أحداث 11 شتنبر 2001... فماذا عسى أن تفعله واشنطن لمنع تكرار ما حدث ذلك اليوم المرعب... هل عليها أن تقتل كل الإرهابيين... و فعلا هذا ما قيل هنا و هناك...لكن القتل يزود الغاضبين ضد الولايات المتحدة و بالتالي تخصيب التربة الملائمة لبروز المزيد من الإرهاب و الأعمال الوحشية عبر العالم. أغلب الناس الماقتين للإرهاب بأمريكا، من مصرفيين و محامين و رجال أعمال و بيروقراطيين، يحتقرون الاستخبارات الأمريكية و وكالاتها و يعترضون على السياسة الأمريكية في هذا المجال، لأنه هناك ثلاث معطيات ساهمت بشكل كبير جدا في نمو و توسيع دائرة إرهاب بالعالم :

1- دعم أمريكا للديكتاتوريات الفاسدة في البلدان العربية

2- عقوبات جائرة على العراق و الشعب العراقي، و هو إجراء ساهم في قتل مليون شخص نصفهم من الأطفال

3- الدعم الأمريكي لإسرائيل ملما أن هذه الأخيرة هي المستلمة لأكبر كمية من المال الأمريكي المخصص للخارج وبذلك كان من الأولى إجبارها على احترام القانون الدولي.

لقد كان من المفروض أن تعكس إسرائيل و تجسد السياسة الأمريكية، سياسة صاحبة بلايين الدولارات التي تمنحها إياها بسخاء كل سنة. و أقل ما كان عليها أن تفعله سحب جيشها و مستوطنيها من الأراضي الفلسطينية التي تحتلها بشكل غير قانوني.

لقد احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق بدعوى أنها انتهكت قرارات مجلس الأمن، لكن إسرائيل تنتهك قراراته منذ أكثر من 35 سنة، علاوة على قتلها آلاف الناس، و رغم أن ممارساتها مدانة على امتداد العالم بأسره. لكن من المعروف أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بالأساس على الدفعات السخية من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي جعلت من إسرائيل "مرتزق اسبارتا" لحراسة النفط بالشرق الأوسط.

و ما روع كذلك الأمريكيين هو اعتراض واشنطن على التخلي عن العقوبات الأمريكية القاتلة للعراق رغم أنها أتت على الأطفال الذين كانوا يموتون يوميا... و لعل أكبر ضعف للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط يكمن في استمرار اعتمادها على آليات السيطرة ذات الطابع الاستعماري التقليدي، أي الاعتماد على كمبرادور (حكام محليون) يعتمدون على علاقاتهم مع الخارج بدلا من الاعتماد على القوى الداخلية. و قد سبق لأكثر من واحد أن أكد أن أحسن السبل لضمان المصالح الأمريكية هو احترام القانون الدولي و ليس الدوس عليه، أي أن تصبح فلسطين دولة مستقلة فعلا و فعليا.

2

و في ورقة لايفان رافيز تحت عنوان " الديموقراطية المباشرة...ظلمة قبل الفجر" جاء أنه في أبريل سنة 1967، عام بالضبط قبل اغتياله، قال مارتن لوثر " تعتبر حكومتنا الممون الأعظم للعنف على الكوكب"...فعلا علينا أن نحس و نشعر بالذنب مادامت الحكومة العسكرية لا تمثل الناس، و هذا ما أكده بوضوح هاوارد زينين في كتابه "تاريخ ناس الولايات المتحدة". و بحلول سنة 1975 تبين من خلال استطلاع الرأي العام أن 65 في المائة من الأمريكيين يعارضون تقديم مساعدات عسكرية للخارج لأنهم يشعرون بأن تلك المساعدات تمكن الديكتاتوريات من إبقاء سيطرتها على السكان. لكن الكونغرس وافق على منح مساعدات عسكرية لأفغانستان منذ 1980 إذ كانت آخر مساعدة إمداد طالبان ب 43 مليون دولار تحت غطاء محاربة المخدرات في مايو 2001

إن تأثير منتجي الأسلحة بارز للغاية على سياسات الحكومة العسكرية، لأن هؤلاء يمكنهم شراء عدد كبير من أعضاء الكونغرس، و لقد أكد "ايزنهاور" في خطاب وداعه إلى الأمة على أنه لا مناص من أخذ الحذر من تأثيرات المنشآت الصناعية العسكرية لأنها تسعى دائما و على الدوام إلى خدمة الارتفاع الكارثي للقوة في غير محلها.

ففي الأسبوع الأول الموالي لأحداث 11 شتنبر 2001 عرفت جميع الأسهم هبوطا كبيرا لم يسبق له مثيل منذ 1940، لكن أسهم منتجي الأسلحة لم تتأثر كثيرا. و في هذا الصدد اقترح السيناتور مايك حصوا اقتراحا شاملا لتصحيح الوضع و التصدي لمختلف مظاهر فشل الحكومة التي تمثل الأمريكيين. و مايك حصوا هذا أحد الأمريكيين الذين ساهموا بامتياز في صنع السلام في فيتنام سنة 1971، و كان من بين الذين عارضوا بقوة استعمال الطاقة النووية. و يقول اقتراحه بضرورة تعديل الدستور للسماح للناس، عموم الناس، اقتراح القوانين و التصويت لصالح القوانين التي يريدونها بالتوازي مع الهيئات التشريعية الحالية، و كذلك تمكينهم من التصويت على تغيير سياسات الحكومة العسكرية التي تسلح أعداء أمريكا لتلزم الأمريكيين بعد ذلك لمحاربتهم. و قد حاول مايك حصوا و آخرون الدفاع على هذا المقترح في 1977 إلا أنهم فشلوا، لأنه بكل بساطة كان يدعو إلى ديموقراطية فورية و مباشرة تحتم على الكونغرس إشراك الناس في السلطة.

3

و في ورقة من تأليف "رون بول" – عضو مجلس النواب- تحت عنوان " نحن الذين صنعنا طالبان" جاء أنه لا يخفى على أحد أنه حتى قبل أحداث 11 شتنبر 2001 كان أغلب الأمريكيين يدركون أن أكبر عداوة لهم تأتي من الشرق الأوسط، و هكذا كانت التجارب مع إيران و ليبيا و العراق، و هذا ما تأكد في أفغانستان. فبعد فترة الحرب الباردة كان مصدر أكبر عداوة للولايات المتحدة الأمريكية هو الشرق الأوسط. لذا لم يكن الأمريكيون يفهمون لماذا دولارات الضرائب التي يؤدونها تصرف على الأعداء الحاليين و المستقبليين في المنطقة.

و لا يخفى كذلك أن الدولارات الأمريكية هي التي ساعدت على خلق حكومة طالبان التي عملت أمريكا على تحطيمها. ففي أواخر سبعينات و أوائل ثمانينات القرن الماضي اشتركت وكالة المخابرات المركزية في تدريب و تمويل المجموعات الإسلامية المختلفة في أفغانستان، و بعضها شكل العمود الفقري لنظام طالبان و حكومتها. و لقد اعترفت الحكومة الأمريكية أنها منحت لتلك المجموعات 6 بليون دولار كمساعدة عسكرية كما مدتها بالأسلحة. و بن لادن نفسه تلقى التداريب على استخدام الأسلحة على يد وكالة المخابرات المركزية التي ساعدت كذلك بعناصرها لبناء مجموعة من المعسكرات حول مدينة "خوست"، كما سلمت لها قدائف "ستينجر"، و هكذا ساهمت أمريكا في تسليح أعدائها و تدريبهم و إعدادهم لمواجهتها.

و على أي حال فان ملايين الدولارات تماطرت على أفغانستان التي نسفها و سوتها أرضا القوات الأمريكية و حلفائها. و حتى قبيل 11 شتنير 2001زودت الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان بمساعدات إنسانية بقيمة 125 مليون دولار تم تسليمها بكل اطمئنان مباشرة لطالبان و ليس للفقراء المعنيين و المستهدفين أصلا. و في شهر مايو 2001 أعلنت واشنطن على مكافأة طالبان بإضافة 43 مليون دولار لمساعدتها على التصدي و مكافحة زراعة الخشخاش المستعمل لإنتاج الهيروين و الأفيون. علما أن تجارة الأفيون و المخدرات عموما كانت مربحة بأفغانستان و كانت المصدر الوحيد للتصدير، و قد تأكد أنها كانت تزود العالم ب 75 في المائة من كمية الهيروين المروجة فيه.

لذا من حق دافعي الضرائب بأمريكا أن يتساءلوا عن وجه استعمال الدولارات التي تدفقت على أفغانستان و غيرها على امتداد سنوات، فهل استعملت للتخفيف من معاناة الشعوب؟ و هل ساعدت أمريكا على اكتساب احترام تلك الشعوب؟

لقد صرفت أمريكا ملايين الدولارات لتضطر للدخول في حرب ضد من كانت تساعدهم و تدعمهم بالأمس، لذلك قال الكثيرون الأولى لواشنطن أن لا تبعت دولارا واحدا إلى الخارج كمساعدة.

يبدو بجلاء من خلال هذه الورقات المنشورة في أواخر 2002 أن أمريكا لعبت دورا كبيرا في التأسيس لأرضية انتشار الإرهاب عبر العالم و لازالت لحد الآن تساهم في ذلك. و تزداد الصورة وضوحا اعتبارا لكون الأغلبية الساحقة لمنظري الإرهاب بالمغرب و لرؤوسه و للانتحاريين و لمخططي العمليات، كلهم على علاقة، بشكل أو بآخر، بأفغانستان، و بذلك تتوضح الصورة و تكون العبرة واضحة وإذا ظهر المعنى فلا فائدة في التكرار, لذا فان التصدي للإرهاب يستوجب الشمولية و لن ينفع معه الهروب إلى الأمام في هذا المجال مهما كانت التفسيرات و الدواعي.

التصدي للإرهاب يستوجب الشمولية

هناك إجماع جل المقاربات التي تناولت أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء و التي أكدت كلها أن التطرف الإرهابي هو نتاج لتظافر جملة من العوامل المتداخلة.

فإذا كان الفقر و الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية المتردية التي يعاني منها عدد كبير جدا من المغاربة مكنت من توفير التربة الخصبة الملائمة لبروز التطرف و ترعرعه إلى أن بلغ مستواه الإرهابي المتجسد في أحداث الدار البيضاء، فان العامل الديني لعب هو كذلك دورا حاسما، لاسيما فيما يسميه البعض بالتسيب الديني الذي انتشر بشكل ملحوظ بالمغرب بفعل إطلاق العنان لمن هب و دب لإصدار الفتاوى و السماح لنفسه بالتخليل و التخريم و التكفير و الإقرار بالحدود و تفسير النصوص الأساسية للإسلام حسب هواه. و قد ساهم نشاط التيارات الإسلامية الاطلاقية في تفعيل و إعمال كل هذه العوامل مجتمعة ليصل الوضع إلى ما وصل إليه يوم الجمعة الأسود بالدار البيضاء.

و ازداد الوضع تعقيدا في ظل غياب تصور و استراتيجية تربوية هادفة و واضحة المعالم و مضبوطة المقاربة و التخطيط و محكمة في التنفيذ. و هذا ما مكن رؤوس الإرهاب من تجييش مجموعة من الأفراد و إعدادهم فكريا و نفسيا للانخراط في دوائر الإرهاب تحت غطاء ممارسة الجهاد بعد أن تم تكفير الدولة و المجتمع و القائمين على الأمور في مختلف المجالات و الميادين. و هذا علاوة على العوامل الخارجية التي صبت في نفس الاتجاه، أي تسهيل المأمورية لمنظري إيديولوجية الموت قصد تنفيذ خططهم. كما أن الأحزاب السياسية ساهمت هي كذلك في تسهيل هذه المأمورية بحكم فشلها الذر يع سواء في تأطير المواطنين أو الحفاظ على مصداقيتها. و بالتالي فشلت بامتياز في تأثيرها الفعلي في المجتمع عموما.

و كانت الفرصة مواتية للتيارات المتطرفة للتغلغل في ألأوساط الشعبية بفعل انسداد كل أفق سياسي أو اقتصادي يساعد على الخروج من وضعية الأزمة الخانقة التي أضحى يعيشها المغرب منذ سنوات. لاسيما و أن الشعور بالروح الوطنية و تكريسها على أرض الواقع يظل – أراد من أراد و كره من كره – متوقفا بالدرجة الأولى على وجود أمل في الغد القريب-البعيد، و في آمال التغيير المرتقب و في معاينة – فعلا و فعليا- بداية مسلسل تحسين الأوضاع على ركح الواقع اليومي المعيش.

و زاد الطين بلة عندما لاحظ المغربي البسيط – لاسيما الشباب- أن الحكومة لم تؤد في أخر المطاف إلى –ولو جزء- من ما كان منتظرا منها على الصعيد الاجتماعي بالأساس. و لقد أكدت جل الدراسات أن تحصين الشعب المغربي من مختلف النزعات المتطرفة يتطلب بالأساس اعتماد الديموقراطية الحقة كاختيار سياسي و اقتصادي و اجتماعي يهدف بالأساس إلى تحسين أوضاع مختلف فئات الشعب المغربي و صيانة كرامتهم و إقرار حقوقهم. علما أن الاختيار لا يجب أن يظل مجرد خطاب ليس إلا، و إنما يتوجب اثباته في الممارسة الفعلية على جميع الواجهات.

وفي واقع الأمر إن المغرب في حاجة حاليا أكبر من أي وقت مضى إلى استراتيجية واضحة للبناء الديموقراطي الشامل كفيلة بضمان دمج اجتماعي و اقتصادي و ثقافي للمواطنين. لاسيما و أن المواطن البسيط و العادي وصل إلى درجة من اليأس فتحت الأبواب على جميع الاحتمالات.
و مهما يكن من أمر فان التصدي للإرهاب يستوجب الشمولية.

فان أحداث مايو بالدار البيضاء دقت أكثر من ناقوس خطر، 13 شابا أدتهم إيديولوجية الموت والدمار " من أحياء الصفيح إلى حلبة تدمير كل أسباب الحياة الاجتماعية. وهكذا أضحينا الآن نتكلم عن مغرب ما قبل مايو 2003 ومغرب ما بعد مايو 2003، وبرزت من جديد وبشكل أكثر قوة وإلحاحا إشكالية الحداثة والتحديث.

ولعل أول درس تم استخلاصه، على التو، هو ما يرتبط باستغلال الديمقراطية من أجل النيل من سلطة الدولة و " سوء " استخدام حرية الرأي والتعبير.

وإذا كانت الاعتبارات الأمنية من الوسائل اللازمة لمواجهة والتصدي للوضع فإنها تظل غير كافية، ولا مندوحة من إرفاقها بإجراءات أخرى، لاسيما الاجتماعية منها والثقافية.

وذلك لأن مروجي " إيديولوجية الموت والدمار " استغلوا أوضاعا اجتماعية ومعيشية كتربة سهلت لهم مهمتهم وساعدتهم على بلوغ بعض أهدافهم الخسيسة، وهذا هو الأهم الواجب أخذه بالاعتبار أكثر من غيره، لأن اعتماد إجراءات أمنية متشددة دون التفكير في تغيير الوضع الاجتماعي القائم قد يسيء أكثر مما سيفيد.

فالتفاوت الاجتماعي الصارخ لازال جليا وفضاءات التهميش والعيش على هامش المسار العادي لازالت كثيرة وعديدة ببلادنا، والمشاكل والمعضلات الاجتماعية لازالت سائرة نحو التضخم، وهذه كلها أوضاع تغذي اليأس وتسد الأبواب أمام الشباب المتعلمين وغير المتعلمين منهم. وليس من باب الصدفة أن يكون انتحاري الدار البيضاء ينحدرون من فضاءات مهمشة تعيش على هامش المسار لحياة القرن الحالي.
ادريس ولد القابلة

الفهرس

مقدمة

سلسلة العمليات الانتحارية

أجواء قبيل انفجارات الدار البيضاء

التحقيقات

الاستعداد لليوم المعلوم

الانتحاريون

رؤوس الارهاب ، رجال الميدان

منظرو الارهاب

التنظيمات المروجة للارهاب

بعض الملفات التي راجت أمام المحكمة

بعض الاعترافات ذات الدلالة

روبير بيير أنطوان ريشارد

خلايا الارهاب

تورط الخارج في أحداث الدار البيضاء

محمد النكاوي مسار متطرف

أصحاب البدل السوداء ضمن المتهمين

شخصية الارهابي

بصمات الارهاب في مقتل اليهود المغاربة

التصدي للارهاب لا يعني الهروب الى الأمام

التصدي للارهاب يستوجب الشمولية.

التصدي للإرهاب لا يعني الهروب إلى الأمام

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى