الجمعة ١٢ شباط (فبراير) ٢٠١٠
بقلم راندا رأفت

«مرارة المشمش» أفكار كثيرة في معالجات بسيطة

كاتبة سيكون لها رصيد أكبر في الكتابة للأطفال.

(مرارة المشمش) هي المجموعة القصصية الثانية للكاتبة د.عطيات أبو العينين، تشمل المجموعة على 18 قصة قصيرة، تقع في 120 صفحة، صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

بعدما انتهيت من قراءة المجموعة كان أول انطباع لدي أن في هذه المجموعة العديد من الأفكار الحيوية، حيث تناولت المجموعة عدد من القضايا التي نراها في الحياة اليومية متكررة بشكل أو بآخر، وخاصة تلك التي في حياة المرأة الحب والخيانة والتضحية والذكريات الحلوة والمرة مع الأسرة ومع الأصدقاء... وغيرها.

بدأت المجموعة بقصة (إلا جدتي)، وكانت الكاتبة تريد أن تخبرنا بأن أول ما يشكل وعي الإنسان هو حكايات الجدة، حتى لو تمردنا فيما بعد على تلك الحكايات، وعلى الجدة ذاتها.

اعتبرت بداية المجموعة موفقة فبدت وكأنها ستروي قصص واجهة الكاتبة في حياتها الخاصة أو كأنها ستكتب سيرة ذاتية تبدأ من حكايات الجدة.

لكن في نهاية القصة تظهر الكاتبة بوضوح شديد الغرض من القصة فتقول: "لقد ثرنا جميعا من أجل شيئ بداخلنا لم نكن نعرف معناه حينئذ... عرفناه عندما كبرنا.. إنه الكرامة... حتى مع جدتي."

ومشكلة الوضوح الشديد في شرح الهدف من كتابة القصص أحد السمات التي اتسمت بها الكاتبة في المجموعة، وإن كانت هذه الميزة غير مستحبة في الكتابة الأدبية وخاصة وأنها تخاطب النخبة المثقفة، وربما هذا الوضوح نحتاج إليه أكثر في الكتابة الصحفية الموجهة إلى العامة.

في القصة الثانية (الانسلاخ) أجدها أكثر قصص المجموعة اختلافا، فلم تستعمل فيها الكاتبة الأسلوب المباشر في عرض فكرتها، وهي تشرح مشاعر الغربة.

بدأت القصة بشرح حالة النشوة التي اصابتها عقب خروجها من باطن الأرض، ثم حالة الانقباض والاختناق واكتشافها انها مازالت حبيسة باطن الأرض، ربما باطن الأرض هنا كان هو الوطن الذي نسعى جميعا للخروج منه لكن ما نلبث إلا أن نجده لم يخرج منا.

ثم لنكتشف قرب نهاية القصة انها ليست في وطنها لكنها في مكان موحش ما كان يستحق أن تترك وطنها من اجله، في نفس الوقت هي في غربة مع وطنها حتى أنه لم يذهب أحد لتوديعها "كأنها ورقة شجرة جافة لفظتها شجرتها وقت الخريف..." ورغم قلقها تحلم بالرجوع إلى الوطن "ورحت احلم باليوم الذي اعود فيه..."

قصة (المقعد الخالي)، تعود بنا الكاتبة إلى ارتباطها بمرحلة الطفولة وبيتها واخوتها وأبيها، وتمسكها بذكريات الطفولة متمثلة في المعقد المفضل الذي كان يجلس عليه الأب.

أما قصة (الخالة ريحانة) تشعر عندما تقرأ الاسم انها قصة موجهة للأطفال، حتى الاسم وحتى سبب تسميتها بريحانة "أنها دائما تضع زهور ريحان خلف أذنيها" كان سبب طفولي وغير متناسب مع البيئة التي منها الخالة ريحانة حيث كانت عاملة نظافة في مستشفى، ففي تلك البيئات لا وقت لدى المرأة للتعطر ولا لحب الزهور ولا أبالغ أن قلت أن لا وقت لديهن حتى للاستحمام إلا في الأعياد والمنسابات،

القضية التي عالجتها قصة الخالة ريحانة كانت شديدة الأهمية للمرأة التي تعرف أن زوجها يريد أن يتزوج عليها وهي تعلم بل وتساعده في ذلك بشرط أن يحضر لها مثلما يحضر للعروسة الجديدة، ورغم ذلك لا يمنعها من حزنها الدفين وهي تشعر بأنها "حصان عجوز يريدون أن يضربوه بالرصاص لا لشيء إلا أنه شاخ وكبر وأصابه العجز"، ورغم أهمية الفكرة كانت معالجتها غير متناسبة مع الأحداث بل بدت الأحداث مفتعلة، من أجل الوصول إلى الهدف من كتابة القصة.
في قصة (أي ياتوت) تطرح الكاتبة قضية من قتل توت عنخ أمون؟ تلك القضية التي حيرت التاريخ، أيضا من خلال حبكة قصصية بسيطة وهي أن ابنها طرح عليها هذا السؤال المحير وهي تحكي له قصة توت عنخ آمون، وقد وعدته أن تقول له من القاتل وبحثت وسألت استاذ التاريخ، وفي النهاية تلقي بخلاصة القصة في فكرة أن عدم معرفة القاتل الحقيقي حتى الآن هو أكبر عقابا له من التاريخ حيث لا يذكر اسمه مطلقا، وكانت النهاية نوعا من تبرير اغفال التاريخ لمن لقاتل توت عنخ آمون.

وقد تناولت الكاتبة فكرة التضحية من أجل الأبناء وانهم أغلى ما يمكن أن تمتلكة أمرأة في الكون، جاء ذلك في قصة (السوار الذهبي)، لكن بدت القصة غير منطقية من حيث المعالجة، القصة تدور حول سيدة في الخامسة والأربعين منعمة تعيش في طبقة سيدات المجتمع حيث النادي والفسح والاهتمامات التافهة من خلال المشاركة في مسابقات تافهة مثل تلك التي شاركت فيها وهي مسابقة أجمل سوار ذهبي، ما جعلها تفتح علبه مجوهراتها وتتصل بالجواهرجي لتلصحة وتعيد له بريقه، لكن تكتشف انها في ضائقة مالية فتبيع سوارها قبيل المسابقة من اجل أن تفتح لابنها ولابنتها عيادتان، فهل التضحية بالسوار وبنتيجة المسابقة يمكن فعلا أن تعبر عن تضحيات الأم المصرية في ظل وجود الأب أو عدمه، وهل ثمن سوار مهما بلغ قيمته يمكنه أن يشتري أو يأجر شقة فما بالك بعيادة لها تجهيزاتها.

وتناولت فكرة السفر إلى الدول العربية مضحيين بالمستقبل الباهر الذي ينتظرهما بسبب ضيق ذات اليد والطمع في عيشة رغداء لا تتوفر لهم بما يتقاضاه في مصر، كان ذلك في قصة (أحلام صغيرة)، وإن جاء دافع السفر شديد البساطة، فبناء على صرخة الطفلة في الليل واستيقاظها مفزوعة لانها مخنوقة من البيت والشارع وتريد بيت جميل له حديقة وشارع نظيف به أشجار... فهل مسقبل الأسر تحددها أحلام الأطفال؟

نفس الطفل الذي يحدد مصير والده في قصة (تمام يافندم)، القصة تدور حول طفل مطيع إلى أقصى درجة مثل الأب الذي يعمل ظابطا في وحدة عسكرية يطيع اوامر مرؤسية بكل دقة، وعندما رفض الولد طاعة الأم بشرب اللبن بسبب ملله وانعدام شخصيته كان الأب أيضا يتمرد على الأوامر العسكرية رافضا تنفيذها.

وفي (مكالمة تليفونية) تتناول الكاتبة فكرة ثرثرة النساء المملة التي قد تودي إلى الطلاق.

ومن أكثر قصص المجموعة روعة (القوقعة) تدور القصة حول امراة متسلطة على ابنها تتحكم في مصيرة، وخاصة ما يتعلق بزواجه، فقد كانت السبب وراء فشلة في الزواج عدة مرات، إلى أن أصبح مثلها متقوقعا على ذاته، حتى بعد وفاتها لم يستطع الخروج من القوقعة.

وفي قصة (مرارة المشمش) عنوان المجموعة فتدور أحداث حول زوجة لا تطيق الحياة مع زوجها وهي تشبه تماما مرارة بذرة المشمش، وجاءت المقارنة في صورة بسيطة وواضحة أيضا.

قرأت للكاتبة د/ عطيات أبو العينين من قبل قصة للأطفال بعنوان (خمارويه والأسد زريق) كانت شديدة الروعة والبساطة للأطفال وفي نفس الوقت تلقي الضوء على معلومات تاريخية حيث عرفت الأطفال مثلا بـ (خماروية بن أحمد بن طولون)، هذا ما يجعلني أتوقع أن الكاتبة سيكون لها رصيد كبير في الكتابة للأطفال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى