السبت ٩ تموز (يوليو) ٢٠٠٥
بقلم عبد الهادي شلا

مسـافـر في ضجيـج الزمـن

أخذته إلى حضنها وبقوة ..ضمته على خده..على رأسه.. بيدها مرت على صدرها.. بكى

إلى عينية الحزينة.. نظرت

ولؤلؤة حارة تسيل على خده.. بطرف إصبعها مسحت

حمل حقيبته.. إلى باب الدار ..اتجه

أمسك المقبض.. فتح الباب.. صوتها بالعودة ..أمره

على الأرض.. وضع الحقيبة

انصاع ..

عاد

حضنته وقبلة أخرى على جبينه..طبعت

مطرقة صغيرة ومسمار.. ناولته

طلبت منه أن يثبت المسمار في جدار ساحة البيت..

لتنزعه بنفسك حين تعود..قالت له أمه

وسط استغرابه ..

مع دموعها..

تركها.

***

من الزقاق الضيق السيارة إلى اليسار انعطفت.. نحو ساحة المراجيح.. موقف العربات وحلاقين الحمير .. وهذا سوق الخضار..

كنت في التاسعة من عمري .. يوم أرسلتني أمي إلى السوق لأشتري الباذنجان والكوسا واللحمة المفرومة .. استنفرها خوفها عليّ و فزعي وارتجاف أطرافي..حين قصصت عليها ما رأيت ،ورغم أنها أمطرتني بالأسئلة حول ما سمعت مني إلا أنها نسيت أن تسألني عن النعناع الذي نست أن أشتريه.. حدث نفسه.

من سور المقبرة المطل على ساحة الشهداء، مجموعة من الملثمين قفزوا،أفرغوا رصاص رشاشاتهم في جسد الرجل الأسمر القصير ذو الكوفيه الرمادية البالية ..في دمائه تركوه ..بأم عيني رأيتهم!!

فزعت.. كما فزع كل الناس في ساحة الشهداء حين سمعوا صوت الرصاص.. تفرقوا

في أقرب دكان.. دلفت

"أبو زكي"من باب دكانه، بسرعة برأسه أطل ..ألقى نظرة سريعة على مسرح الحدث..

السيارة الجيب تطوي بهم الشارع وسط فزع ودهشة الجميع..

إنهم ملائكة.. " أبو زكي "صاحب الدكان، بصوت مسموع ..علق

الله لا يرده.. يستاهل.. هذا مصير الخونة!!

كان جاسوسا للملاعين.. أضاف

***

هذه ساحة المراجيح .. كنا نسميها "الموسم"

ليت السائق يتمهل.. بنظرة سريعة مسحت الساحة التي بدت خالية إلا من براءة بعض الأطفال.. و شجرة الجميز الصامدة .

في عيد الأضحى.. تمتلئ بالمراجيح والباعة من كل نوع يحصدون قروش العيدية من أطفال "الموسم"..رجال الحارة العائدين من صلاة العيد وزيارة المقابر، معنا نحن الأطفال شكلوا حلقة حول "أبو السمري" الذي استعرض ألعابه السحرية وسط الضحك والتندر.. ودهشتي

( حاوي سماوي ياكل النار بالشوكة.. فتح عينك تاكل ملبن.. دير بالك م اللي جنبك !! )

هذه مياه الشام فتنسكب من علبه صغيرة صدأة يحملها بيده مياه لونها أزرق.. وهذه مياه النيل فتسيل من نفس الفتحة مياه لونها ابيض شفاف وهذه مياه نهر الأردن.. من نفس الفتحة تنزل مياه وردية...هكذا رسمت لنا براءة طفولتنا... وبراعة " أبو السمري".

ليس بالقصير،أشعث الشعر، أسمر البشرة،رشيق الحركة وخفيف الظل "أبو السمري".. ابنه الصغير يتبعه خطوة بخطوة مع كل حركة،يمد يده بما دربه عليه وهو يدور بين المتحلقين يجمع منا قروش العيدية في "كوز" من الألمنيوم.

بملقاط صغيرة من مؤخرة رجل يتابع.. سحب قطعة نقود كبيرة

لما ضحك الناس.. الرجل صرخ في وجهه.. مبتسما، ابتعد "ابو السمري".

لما نظر في المرآة والتقت عينانا.. السائق ابتسم

بحركة بهلوانية "ابو السمري" في الهواء قفز.. ترك مياه الوطن العربي تنساب باختلاف ألوانها واحدة تلو الأخرى.. وسط الحلقة.. وقف.. بأعلى صوته هتف

هذه مياه النيل وهذه مياه الفرات وهذه مياه الشام وهذه مياه نهر الأردن وهذه مياه الخليج وهذه مياه المحيط ،وهذه...تركها تسيل من فتحة واحدة في العلبة الصدأة التي في يده..!

بينما أنا سابح في الزمن الجميل والسيارة تخلف ساحة المراجيح وراءها.. هل نحن في حاجة لساحر كي يوحدنا ..

سألت نفسي؟

***

موقف العربات وحلاقين الحمير مازال على حاله منذ سنوات.... تراءت لي صورة "ابو جميل" ناظر المدرسة حين أمرني بالعودة إلى البيت وقص شعري رغم أنه كان يوم الاثنين.. إجازة الحلاقين.. إلا هؤلاء حلاقين الحمير!!

يومها خطرت لي فكرة جهنمية .. تركت رأسي لأحدهم يحرث شعيراته..أنقدته الملاليم التي كنت أنوي بها شراء حبات الفلافل من العم"عفش".. لم أسلم من عقاب أمي..ودعواتها علىناظر المدرسة..

رحمك الله يا "أبا جميل" .

***

السيارة ما برحت مكانها..تماما توقفت.

ما شعرت بها..مع هواجسي كنت

هتافات ووعيد بالثأر.. أعلام ورايات.. شباب.. شيوخ،و أمهات خلف موكب جنازة تعبر الشارع.. أخرجتني من ضجبج الزمن

ترجلت..

إلى السماء رفعت كفيّ

الفاتحة قرأت.

***

أسند ظهره إلى شجرة التوت في حديقة بيتهم.. كان يقرأ دروسه كعادته

حين شعر بالعطش .. تناول أبريق الماء

رفعه إلى فمه

رصاصة قناص حاقد في برج المستوطنة القريبة من بيته

في صدره .. استقرت

تناثرت الأوراق في الفضاء.. وصرخة من بين ضلوعه خرجت لتعلن استشهاده

أحدهم كان يقص على صاحبه حكاية الشهيد..

سمعته

***

الهتافات والتكبيرات .. إلى كبد السماء علت

رصاصة أخرى من جندي حاقد اخترقت صدره.

بصوت متقطع .. متحشرج..

عد بي إلى بيتنا لأنزع المسمار من الجدار.. وأجفف الدمع في عين أمي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى