الأربعاء ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٤
الورقة الأولى : الواقع الثقافي : مراجعات تحليلية
بقلم سعاد جبر

ندوة " الثقافة العربية : الهموم والتحديات "

ارتفاع الامية في العالم العربية ، عدم اقبال المواطنين العرب على شراء الكتب الثقافية ...

يواجه العالم العربي تحديات كبرى ، في كافة أبعاد حياتنا المتنوعة ، الثقافية والاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك ، وعلى قمة تلك التحديات تتربع التحديات الفكرية وتحقيق الذات ، وعند قاعدته تبرز التحديات المادية ، ويحيط بذلك كله منظومة هموم متولدة ، تعصف بعالمنا العربي ، وتقض مضجعه ، مما يتطلب منا وقفة جادة ، وتعاط مبدع مع ثقافتنا العربية ، بحيث نتجاوز بها نقاط السلبية التي تعج بخريطة واقعنا الاجتماعي ونستشرف بها المستقبل ، لذا يعد من مهام ثقافتنا العربية الاشتباك مع هموم الواقع سعياً للخروج منها نحو منعطف حضاري جاد ، نستشرف من خلاله المستقبل بإستراتيجيات منهجية واعية ، نستطيع من خلالها اقتحام آفاق إبداعية جديدة ، لغاية بلوغ جوهر ومضمون المنجز الحضاري المعطاء ، وذلك إذا ما أرادت ثقافتنا العربية الخروج من جمودها وبكائها على أطلال الموروث ، وانطلاقا من ذلك فلا بد لها من وقفة متأملة مع الذات ، ومراجعة مستمرة لأطروحتنا وأساليبنا وادواتنا ومعطيات فكرنا ، في تلاقح حضاري متناغم ، في منظومة أفكارنا ، لضمان توفر أقصى درجة يمكن الوصول إليها من القدرة على تحليل واقع ثقافتنا العربية ، واستشراف مستقبلها في رؤية موضوعية جادة تتسم بالاتزان بين الأصالة والمعاصرة والانفتاح الجاد الواعي ، لا المنسلخ نحو منهجية الترقيع والانسحاب من قيم أمته الخالدة ، ولعل هذه الثلة من الأفكار تشكل منظومة الأهداف التي تسعى مجلة ديوان العرب الثقافية إلى تحقيقها من خلال عقد ندوات ثقافية في هذا الصدد مع نخبة مختارة من مثقفي العالم العربي بكافة أطيافه ، لغاية تحقيق حالة تلاقي عربي مبدع في عصر الرقمية الذي اخذ يتسارع بين عيوننا ، في ظل الثورة المعلوماتية ، وتحديات العولمة بكافة أشكالها ، مما يحتم النهوض الجاد نحو التواصل الفكري والحفاظ على ثقافتنا العربية ، وتحقيق حالة بوح مفتوحة تجاه جرحنا النازف في هذا الصدد ، ومعالجة منظومة الهموم التي تعتصرنا في هذا الاتجاه ، ولعل تلك الخطوات الجادة من قبل مجلة ديوان العرب التفافية ؛ تشكل بصمة إعلامية تدلو بدلوها في هذه الأفاق المفتوحة بلا حدود ، في ظل تسامي رائع نحو تقديم منظومة حلول واعية لهمومنا الثقافية ، وتحقيق حالة البوح المفتوح الذي لا تقيده قيود الموروث والسلطة ، ويرنو فريق العمل الذي ينظم تلك الندوات ويتابع مجرياتها إلى أن يشكل بجهوده الجادة حرفا صادقا في هوية الولاء والانتماء لثقافتنا العربية ، والنهوض بها قدما في مسارات الرقي الحضاري في مجتمعاتنا العربية ، وإتاحة الفرصة لحالة التواصل مع نخبتنا الثقافية المبدعة ، والاستفادة من آرائها النيرة في هذا الصدد في كرنفال مبدع في العطاء .

ونفتتح ندواتنا الثقافية في أوراقها الأولى مع نخبة متميزة من مثقفينا العرب في ضوء مراجعات تحليلية لواقعنا الثقافي ، وأرتأى فريق عمل الندوات ، التنوع في بلدان ومشارب وأطياف تلك النخبة الثقافية المبدعة ؛ والسادة الضيوف هم على النحو الأتي :

  1. الدكتور احمد زياد محبك : سوريا
  2. الدكتور فاروق مواسي : فلسطين
  3. الأديب احمد الخميسي : مصر
  4. الأديبة أسماء الزهراني : السعودية
  5. الأديبة خديجة العامودي : المغرب

وتضمنت محاور النقاش في هذه الندوة الثقافية الأبعاد الآتية :
ـ أسباب ارتفاع نسبة الأمية في العالم العربي .
ـ ضعف نسبة انتشار الكتاب في العالم العربي مقارنة مع دول أخرى من العالم .
ـ محافل التكريم الثقافي بين الموضوعية وإرضاء الخواطر .
ـ الإبداعية الأدبية بين الالتزام والخروج عن الثوابت .
ـ مفهوم الآخر ومسافات التوافق والتضاد معه في البعد الثقافي الحضاري .

وفي ضوء تحديد أسباب ارتفاع الأمية طرح السؤال الآتي على الضيوف الكرام :

الأمية في العالم العربي

ـ نسبة الأمية في العالم العربي لا زالت مرتفعة جدا ، فما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك ، هل هي سياسة التعليم الفاشلة ، أم لا مبالاة الأهالي أم الوضع الاقتصادي أم ماذا ؟ وما
الحلول في نظركم ؟؟؟

وكانت إجابات الأساتذة الكرام هي على النحو الأتي

الوضع الاقتصادي هو السبب

الدكتور زياد محبك

- أ . د : احمد زياد محبك : ترجع أي ظاهرة في المجتمع إلى أسباب عدة، ولا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد، ومن أسباب استمرار النسبة العالية للأمية في الوطن العربي الوضع الاقتصادي، وله أشكال متعددة أيضاً، منها ضعف المردود المادي للشهادة، وقلة راتب المثقف، مما جعل الناس ينصرفون عن التعليم، ويقبلون على ممارسة الأعمال الحرة، لأنها تدر عليهم في وقت مبكر دخلاً أكبر ولا تحتاج إلى تعليم، ولا سيما الأعمال الاستهلاكية غير المنتجة، وهكذا هبطت مكانة الموظف، وانحطت قيمة المتعلم، وارتفعت مكانة التاجر والسمسار والوسيط ، وانصرف الناس عن العلم، وظلت نسبة الأمية عالية في الوطن العربي، مع أننا بحاجة إلى عامل متعلم، وحرفي متعلم، وفلاح متعلم، والمشكلة تحتاج إلى حلول متعددة، منها رفع دخل الموظف، وفق الشهادة التي يحملها، ولاسيما العاملين في حقل التعليم، ووضع خطة تعليمية تلبي حاجات المجتمع .

الانظمة العربية تتحمل المسؤولية

الأديب أحمد الخميسي


- أ . احمد الخميسي : لا بأس من التذكير ببعض الأرقام التي توضح كم هي مرتفعة نسبة الأمية في العالم العربي . فقد جاء في تقرير لليونسكو العام الماضي أن في 19 دولة عربية يوجد نحو ثمانية ملايين طفل لا يترددون على المدارس الابتدائية ، وسجلت أعلى نسبة للأمية في العراق ( 61 % ) ، وفي مصر (42% ) ، وفي الأردن (12%) هذا بينما لا تتجاوز نسبة الأمية في أوروبا ( 3 % ) . وعندما أعدت الجامعة العربية في أكتوبر العام الماضي تقريرها عن التنمية البشرية حالت ضغوط كثيرة دون الإعلان عنه ، لأنه يكشف عن الارتفاع المزري في نسب الأمية على امتداد العالم العربي . ولا تقع مسئولية هذا الوضع على عاتق الأهالي أو الوضع الاقتصادي ، أو السياسة التعليمية . لكن السبب الرئيسي هو الأنظمة الحاكمة والدول التي تفتقد لأي مشروع للنهضة يستلزم التعليم . فمشاريع دولنا العربية تنحصر في السياحة ، والخدمات ، وتقديم المواد الخام للخارج . ومحو الأمية أمر يستلزم أن تكون هناك حاجة لمحو الأمية ، وليس في مشاريع دولنا العربية أي احتياج حقيقي للتعليم ، وحتى القدر المحدود من التعليم الذي يتم ، يتم من على السطح ، وشكليا ، حتى أن خريجي الجامعات في مصر لا يحسنون كتابة خطاب صغير من دون أخطاء . وعندما يكون التعليم جزءا من خطة الدولة ومشروعها للنهوض ، ستمحي الأمية . أما عندما نؤسس لمجتمعات يربح الجهل فيها أكثر بمائة مرة مما يربح التعلم ، فمن المنطقي أن يفكر كل شخص: هل للتعليم جدوى ؟
إن محو الأمية أو انتشارها هو مسئولية الدولة لأنه عمل قومي لا تنفع فيه المبادرات الذاتية المتفرقة .

الدكتور فاروق مواسي


- أ . د فاروق مواسي : سأكون صريحًا وأقول إنها مرتبطة ومتواشجة ، ولعل عقليتنا الَقبولية التي تعتمد على المسلّمات ، وتستهلك جملا من غير أن تفكر بتأثيرها هي المسؤولة أولاً وقبلا ....إننا نقلد ونتّبع ونستسلم للرأي السائد في المجتمع وفي الدين وفي السياسة وفي الرأي حول المرأة وووو ، ومن هنا دخل حكامنا .. والمتنطعون في شرح مسائل عقدية ....ننسى أن الحياة في تطور ، ونظل نراوح أمكنتنا ...مكانك عُد !!!
البداية تبدأ بترسيخ الثقافة ....ولا بد إلا أن نلحق الركب ، آجلا أم عاجلا ....

هي جزء من انهيار اقتصادي وسياسي عام

الكاتبة خديجة العامودي


- أ. خديحة العامودي : ربما كانت هذه النسبة المرتفعة جدا من الأمية في العالم العربي مجرد تابع من توابع كل هذا الانهيار العام في السياسة والاقتصاد وكل ما يلي ذلك من تردي الأحوال العامة في أغلب مناحي الحياة. إنه وجه جليّ من أوجه التخلف الذي يسود قطاعات كثيرة، لذلك سيكون من غير المنصف أن نناقش مسألة الأمية في العالم العربي بمعزل عن مسبباتها الحقيقية.

فالناس، أو أغلب الناس، في العالم العربي لا يجدون قوت يومهم لذلك ظلوا يعتبرون لقمة الخبز أهم من الحرف، وصحن طعام أهم من جملة مفيدة، وكيسا من المواد الغذائية أهم بكثير من مقال في جريدة أو قصة قصيرة.

في البلدان التي تحترم نفسها تتفوق الكلمة على الخبز، وفي البلدان المتخلفة يتفوق الخبز على الكلمة، ويتفوق سوق الخضار على المكتبة. هذا الواقع لم يرده الناس هكذا لرغبة منهم، بل لأنهم يتساءلون كثيرا ماذا سيحدث لو حلّت بهم مجاعة، هل يأكلون الكتب أم أكياس القمح المخزنة في أقبية منازلهم. إنه تفكير الجوع في بلدان تعاني الجوع في كل شيء، حتى في أكثر الأوقات شبعا.

هناك أيضا السياسيون الذي يرون في الناس الأميين قطيعا يسهل سوسهم وقيادتهم إلى أي مكان وإلى أي مصير. فأصعب الأشياء هو حكم أناس متعلمين يعرفون حقوقهم ويقرؤون عن حقوق الآخرين ويقارنون بين هذا وذاك. أما الإنسان الأمي فيعتبر ابتسامة الزعيم تغني عن كل شيء وتتقزم أمامها كل الواجبات والحقوق.

لا أستطيع القول إن هناك لامبالاة للأهالي في أي بلد من البلدان العربية. بل هي إرادة معينة وسياسة اقتصادية تبذر كل شيء وتتقشف في التعليم وإنشاء المدارس. هناك أطفال يقطعون عشرات الأميال ذهابا وإيابا كل يوم لكي يتعلموا، والكثير منهم يثابرون ويقاومون الجوع والعطش. هناك بلدان عربية يضطر فيها التلميذ إلى اجتياز الغابة والنهر والطريق السيار وقطعة من الصحراء حتى يصل إلى المدرسة. تلاميذ مثل هؤلاء وذويهم يمكن اعتبارهم أبطالا حقيقيين يجب أن تقام لهم النصب التذكارية لأنهم يوجهون كل يوم رسالة إلى المسؤولين بأن التعليم هو الطريق الوحيد لطرد ظلام التخلف.

- أ . اسماء الزهراني : أعتقد أن الأهالي انتفى عندهم عامل الجهل بقيمة التعليم ، لاسيما وأن الاقتصاد أصبح يقوم على التعليم ، هيكلة وتخطيطا ، وعلى مستوى الأفراد . وأما الوضع الاقتصادي فيمكننا أن نلاحظ أن انعدام التخطيط الجيد هو الذي يقف وراء اضطراب الميزانيات المخصصة للتعليم ، فعلى سبيل المثال تضع وزارة التعليم في المملكة العربية السعودية خطة لإدخال اللغة الإنجليزية للصفوف المبكرة ، ورغم كون تلك الخطة تفتقر إلى النضج فقد قامت الوزارة بتطبيقها وتخصيص ميزانية هائلة لإعادة تعيين معلمين ، واستقدام معلمين من الخارج . متجاهلة ثغرات كبيرة في نظام التعليم عامة ، فقد تأخر توزيع الكتب الدراسية لأسابيع ، وافتقرت كثير من المدارس لأساسيات العملية التعليمية مثل انحدار مستوى تجهيز المدارس . إذن يمكن القول إنها سياسة التعليم الفاشلة ، والتخطيط غير الموزون لتوزيع موازين القوى البشرية والمالية ، أو لنقل اضطراب خطط التنمية الداخلية عامة .

وطرح في الندوة التساؤل الأتي حول محور ضعف انتشار الكتاب في العالم العربي مقارنة مع دول أخرى من العالم :

ـ نسبة انتشار الكتاب في العالم العربي ضعيفة إذا ما قورنت بدول أخري من
العالم ، فهل السبب الوضع الاقتصادي أم عدم اهتمام المواطن العربي
بالمطالعة ، أم التعليم المتخلف في الدول العربية الذي يعلم الطالب عدم
الاعتماد على نفسه ؟؟ ما هي الحلول لذلك ؟؟؟

وكانت وجهات نظر الأساتذة الكرام في تلك المسألة على وجه التحديد ؛ هي على النحو الأتي:

كل ما تطبعه دور النشر العربية لا يصل الى نصف ما تنشره إسرائيل

- أ. احمد الخميسي : من الطبيعي أن تكون نسبة انتشار الكتاب ضعيفة . وجدير بالذكر أن كل ما تطبعه دور النشر العربية مجتمعة لا يصل إلى نصف ما تنشره إسرائيل حسب إحصائيات عام 1996 . ولا أذكر ذلك لتمجيد الكيان الصهيوني ، ولكن لإلقاء الضوء على حقيقة أوضاعنا . ويعود ضعف توزيع الكتاب ( يطبع من كتب نجيب محفوظ ثلاثة آلاف نسخة في مصر ) إلي الأمية ، ثم أيضا إلي عدم اهتمام المواطن ، لأن أغلب ما ينشر يكتبه المثقفون للمثقفين ، وقليل منه يتقاطع مع هموم الشعب ، ويعود ذلك أيضا إلي التربية التي لا تشكل عادة القراءة فيها حجر زاوية . وقد تدخلت وطأة الأوضاع الاقتصادية في العقود الأخيرة بعد أن وصل سعر الكتاب في المتوسط إلي 4 دولار ، ولكن حتى عندما تطرح الدولة بعض مشاريع نشر الكتب بأسعار رمزية فإن أحدا لا يقرأ ، بعد أن تراكمت فوق أكتاف المواطنين جبال من الهموم الأخرى . هناك سبب آخر : فقد لاحظت أن الجماهير الغفيرة عادة لا تعنى بالقراءة ، لمست ذلك حتى في دول أوربية تساعد فيها كل الظروف على القراءة ، إلا أن القراءة تظل بالأساس هم لشريحة محددة .

أعترف إننا أمة متخلفة

أ . د. فاروق مواسي : يرتبط هذا السؤال بسابقه ، فالتخلف لا يتجزأ ... ولكن بداية علينا أن نعترف أننا أمة متخلفة ، لا أن نكابر ولو على " خازوق "....

المطالعة تبدأ لدى الطالب إذا قرأ المعلم ، والمعلم لا يقرأ ما دام يرى أن " الزعانف " هي التي تصل غالبًا ...وتحتل الأماكن التي هي من حق سواهم ممن هم أجدر وأقدر ... وندور في حلقة مفرغة أو ممتلئة ، والحلول مع ذلك ليست سحرية ، فمجرد طرح هذا الموضوع فيه إثارة وتحريك ولو قدر قطمير .... ومع ذلك فالأيام أمامنا ، ولا بد من تغيير ولو ضئيل ، فهل ثقافة المجتمع عامة اليوم ظلت كما كنا قبل أربعين سنة أو قبل عشر سنين ؟.

خططنا التعليمية متخلفة

- أ . اسماء الزهراني : عود على بدء نعيد التأكيد على تخلف الخطط التعليمية وهشاشة بنيانها ، فذلك يقف بالتأكيد وراء توقف عجلة تطوير المناهج ، لتتناسب مع حاجات التنمية المعاصرة . فمناهجنا لا تزال على وضعها منذ بدايات إرساء قواعد التعليم النظامي . ولا غرو أن المواطن الذي تربى على أسلوب الحفظ والترديد الآلي ، لن يهتم بالمطالعة . ويبدو الوضع الاقتصادي هنا بريئا تماما من المشاركة في هذه الأزمة ، ذلك لأن تطوير المناهج والتركيز على أهمية القراءة لا يتطلب أكثر من التخطيط الجيد ووزن الأشياء بموازينها .

- أ . د. احمد زياد محبك: هناك أسباب كثيرة وراء ضعف انتشار عادة القراءة، منها عدم تقدير الإنسان لثقافته وعلمه، فالمجتمعات العربية تقدر الإنسان وتكافئه وفق معايير بعيدة عن العلم والثقافة، بل تسخر في بعض الحالات من المثقف، ومن هنا ينصرف الناس عن القراءة، لأنها لا تعود عليهم بمردود إيجابي، مادي أو معنوي، ولا بد من إيجاد حلول كثيرة، منها تحسين دخل المثقف ليتحسن مستواه المعيشي، ويمتلك المكانة الاجتماعية التي يستحق، وعندئذ يقدر الناس المطالعة ويقبلون عليها.

أمية المتعلمين

- أ . خديجة العامودي : أخطر أمية متفشية في العالم العربي هي أمية المتعلمين. إن أغلبهم لا يقرأ كتابا إلا مرة في السنة في أحسن الأحوال، وأحيانا لا يقرؤون بالمرة، خصوصا بعد أن قرروا استبدال كل شيء بالصحون المقعرة والجلوس ليل نهار أمام شاشات التلفزيون.

يشتكي الناس في العالم العربي من غلاء الكتاب الذي يمكن شراءه بدولارين بينما يشترون كل يوم علبة سجائر أمريكية بثلاث دولارات ولا يشترون كتابا في الشهر.

الناس العاديون صاروا ينظرون إلى الكتاب كنوع من الترف، والقراءة بالنسبة إليهم خاصة بنخبة من الناس يسمونهم المثقفون.

وعكس الأمية العادية في العالم العربي التي هي أمية مفروضة، فإن أمية المطالعة اختيارية، حسب وجهة نظري. فلا دخل لها بالموارد المادية على الإطلاق. أبسط الناس يقاتلون من أجل بعض الكماليات البسيطة، لكنهم يستهجنون شراء كتاب ويتعللون دائما بارتفاع ثمنه، وهؤلاء لن يقرؤوا حتى لو عثروا على كتب بالمجان، وهذا ممكن جدا.

وناقشت الندوة واقع محافل التكريم بين الموضوعية وإرضاء الخواطر في إطار التساؤل الأتي :

ـ محافل التكريم الثقافي غدت أخيراَ مجرد إرضاء خواطر بعيدة عن الإبداع الثقافي وهي بذلك تجاهلت إبداعات نخب ثقافية تستحق التقدير والحفاوة الثقافية ما ردكم على ذلك ؟؟ .

تكريم للمجاملات

- أ . خديجة العامودي : أهم شيء في نظري هو أن العرب توقفوا عن تكريم الموتى وقرروا تكريم الأحياء، لكن هذا التكريم ما زال يتركز على مبدعين بلغوا من العمر عتيا وصار ينظر إليهم على أنهم قريبون جدا من الموت لذلك يقررون تأبينهم أحياء عبر إقامة حفلات تكريم غالبا ما
تأخذ طابع المجاملات أكثر مما تأخذ طابع التكريم المبني على أسس عقلانية تنبني على تكريم العمل أولا أكثر من تكريم الشخص.

من النادر أن نجد في العالم العربي حفلا تكريمياً لمبدع شاب يحفر صخر الحياة بأصابعه ويحاول السبر بخطى ثابتة نحو التجديد والتطوير. فمحترفو التكريم يعتبرون أن المبدعين الشباب يستحقون وضع العراقيل والحواجز أمامهم أكثر مما يستحقون التكريم. ربما يضعون في أذهانهم أن الإبداع هو مثل المنافسات الرياضية، أي أن الأبطال الذين يصلون أولا إلى خط النهاية هم الأحق بوضع الميداليات في أعناقهم، بينما أعناق الشباب لا تستحق غير الأغلال.

سيكون من المفيد جدا لو يدخل هذا مجال التكريم عالم الاحتراف وتوجد من أجله لجان علمية تدقق في شروط التكريم والثمار التي سيجنيها المجتمع أولا من وراء ذلك، وليس فقط عملية مجاملاتية لتمرير الوقت من تحت أقدام الوقت.

لكن في كل الأحوال أعتقد أن هذه الظاهرة لا يمكن وضع حد لها لأن لا أحد يمكنه مثلا أن يمنع شخصا من إقامة وليمة في منزله ويدعو لها من يشاء. فحفلات التكريم صارت شبيهة بالولائم الخاصة.

تكريم يكرس الفردية

- أ . د. احمد زياد محبك : ينصب التكريم الثقافي غالباً على أسماء بعينها، تحظى بكل شيء، ويترسخ اسمها في الساحة، في نزوع يكرس الفردية، ومما لاشك فيه أنها تملك الموهبة، ولديها إبداع، ولكنها ليست الوحيدة في الساحة، وهناك غيرها ممن يستحق التقدير، وما تزال العقلية السائدة في المجتمع هي تمجيد الفرد، ولا بد من تطوير هذه العقلية لتدرك أن أي شكل من أشكال النهوض في الأدب والعلم والمجتمع والحياة لا يصنعه فرد واحد، ولابد من تعدد المشاركين وتنوعهم واختلافهم.

تصدير العقول العربية الى الغرب

- أ . اسماء الزهراني : للأسف ينطبق هذا على كثير من هذه المحافل ، وحتى في حالة تكريم من يستحق التكريم مثل الراحل المنيف رحمه الله فإننا نلمح أن هذا التكريم جاء بعد أن اشتهرت روايات المنيف على مستوى الدراسات الغربية ، فكان الأمر لا يعدو كونه محاولة لتدارك تهمة إهمال مثل هذه القامة في بيئتها المحلية .

أما غياب النخب الثقافية ذات الفعالية الواضحة على مختلف الأصعدة عن هذه المحافل فهو وارد وظاهر بقوة . ولا يغيب عن البال أن العالم العربي لا يزال يصدر العقول إلى الغرب بعد أن ينضجها على نار التجاهل والإهمال ، ولا ننسى الراحل إدوارد سعيد وسيرته الحافلة بالاغتراب القسري .

التكريم إرضاء خواطر

- أ . احمد الخميسي : محافل التكريم غدت إرضاء خواطر بعيدا عن الإبداع الثقافي ، لأن مقاليد تلك المحافل بيد الدولة ، والدول عندنا تتحسس مسدسها إذا سمعت كلمة ثقافة . ولهذا فإنها أخذت على مدى عقود طويلة تربي مثقفا حكوميا يجمع بين القليل من الثقافة والكثير من الطاعة ، ويقدم كل معارفه لخدمة الدولة ، لأن المعرفة عنده لا ترتبط بموقف أو رؤية أو رسالة . الأخطر من ذلك أن الإبداع الثقافي ذاته غدا بعيدا عن حياتنا بعد أن وقع أغلبه في أسر الجوائز التي ترصد له من الخارج من منظور معين ، وفي أسر التمويل الأجنبي للنشاط الثقافي ، وفي أسر " التقدير " الذي يتجلى في شكل ترجمة ، أو دعوة لمؤتمر ، أو غير ذلك . وانظري على سبيل المثال المذابح التي تعرض لها الشعب الفلسطيني عبر الأعوام الخمسة الأخيرة ، ثم قولي لي : هل رأيت عملا مبدعا واحدا كبيرا بحجم كل تلك الدماء ؟ في مصر يعاني تسعة ملايين شخص من البطالة ( هذا الرقم بالمناسبة يمثل تعداد شعب بأكمله في بعض البلدان ) ويعيش 35 % من أبناء مصر في مساكن عشوائية ، وتهيم على وجهها بلا مأوى 4 مليون أسرة ، ويحيا 45 % من تعداد الفلاحين بلا أرض ولا سقف ؟ هل قرأت عملا أدبيا يعكس تلك الكارثة ؟ . إذا كان الإبداع الثقافي ذاته قد ابتعد عن الناس ، فلماذا نستغرب أن ينأى التكريم عن الإبداع ؟ ولكن كل ما قلته لا ينفي أن هناك أقلاما وإبداعا يستحق التقدير والحفاوة ، ولكننا عاجزون عن القيام بذلك ، لأنه ليس للمثقفين هيئات مستقلة ، وليس لهم وزن تقريبا رغم كل ما يثيرونه من ضجيج قوي .

لقد غمطنا وتعالى علينا إخوتنا

- أ. د . فاروق مواسي : لن أتناول الموضوع بتفصيل واستقصاء ،لكني أرى أننا نحن - من ألصقونا بسنة سافلة 48 - قد غُمطنا ، وتعالى علينا إخوتنا ، فلا جوائز ولا ما يحزنون ....ولماذا نلومهم ؟ فمن يقرأ لنا أصلا ؟ فعلى سبيل المثال لا التباهي أصدرت أكثر من أربعين كتابًا ، وكأنني لدى بعضهم رقم عابر ، فهم لا يعرفونا أصلا ... فهل أتألم ، أم أضرب عنهم كشحًا ؟ فليبحث أحبتنا في العويس والبابطين وزايد والصباح و ..و وو عن غيرنا ، فنحن لا نحسن الكتابة .

وتناولت الندوة مناقشة إحدى جدليات الإبداع التي ما تزال مثارة في موائد النقد الأدبي في ضوء التساؤل الأتي :

ـ برزت منذ سنوات ظاهرة التخلي عن ثوابت ( الفكر ،الأمة ، الأخلاق ) واعتبار ذلك صورة إبداعية في المشهد الثقافي العربي ، أين تقف أنت من ذلك وما ردك عليه ؟؟

وكانت وجهات الأساتذة الأفاضل في هذا الصدد على النحو الأتي :

فك الربط بين الإبداع والتمرد على الثوابت

- أ . أسماء الزهراني : تثيرون هنا نقطة حساسة لدى محدثتكم ، فقد اصطدم قلمي في عالم الادب في الإنترنت بشيوع هذه الظاهرة ، وقد جعلني ذلك أتنقل من صراع إلى صراع ، في سبيل محاولة فك الربط بين الإبداع والتمرد على الثوابت في حدود المتاح في الكتابة على الشبكة . تلك الفكرة التي نظر لها أدونيس في الثابت والمتحول ، والتي يبدو أنه لا زال لها مريدوها رغم أن الزمن والتجربة الشعرية الواسعة أثبتت هشاشة هذه الفكرة وزيفها ، وقد واجهت في المنتديات الأدبية أقلاما تكفر بكل الثوابت باسم الإبداع ، وكأن الإبداع والثوابت خطان متقاطعان يستحيل الموازاة بينهما . وكلفني ذلك عداء الوسط الفاعل في المنتديات

ما المقصود بثوابت الأمة

- أ . احمد الخميسي : لا أدري ما هو المقصود بثوابت الأمة هذه ؟ فهل هناك أبنية معنوية من الخرسانة والمسلح نقصدها ونقول هذه ثوابت الأمة ؟ كان من ثوابت الأمة في صدر الإسلام السماحة وحرية التفكير والابتكار ، أين هذه الثوابت من التعصب والطائفية وضيق الأفق ومصادرة الكتب في يومنا هذا ؟ ومنذ ثمانين عاما فقط كان من الثوابت أن تلزم المرأة بيتها ولا تتعلم ولا تعمل ، وأن يقبل الفتي أيادي أعمامه وأجداده علامة على التهذيب . وكان من ثوابت الأمة إلي عهد قريب جدا ذلك الإيمان الحار بالقومية العربية والوحدة ؟ الثوابت الوحيدة هي التطور دون القفز المصطنع . فإذا كنت تقصدين تحديدا المشهد الثقافي العربي ، وما يجرى في ساحته من تغيرات ، فإنها كلها عمليات أقرب إما إلي غسيل المخ ، أو التقليد ، أو اللهاث وراء الشكل ، وعبر كل ذلك يتخلى المبدع عن ذاته بكل عناصرها الماضية والحاضرة ، إنه يصبح صورة من الآخرين وليس ذاته ، وهو صورة مشوهة في الأغلب الأعم .

العلم من غير أخلاق لا ينفع

- أ . د. احمد زياد محبك : : العلم من غير أخلاق لا ينفع، والفن من غير قيمة لا يبقى، وأي دعوة إلى التجرد عن الدين والأخلاق والقيم والشعب والوطن والتاريخ لا تثبت ولا تبقى ولو تألقت إلى حين. وإذا لم ينتم الإنسان إلى أمته وشعبه ووطنه وتاريخه، وإذا لم يتمسك بالدين والأخلاق والقيم، ولم يناضل عن الحق، فما معنى وجوده؟ ومثل تلك الدعوات عابرة، وقد ظهرت من قبل في مراحل مختلفة من التاريخ، ولكنها زالت، وهي لا تؤثر إلا في ضعاف النفوس وطالبي الشهرة وسرعة الوصول.

ليست هناك ثوابت

- أ . د. فاروق مواسي : منطقي ومنطلقي أن ليست هناك ثوابت ، بل هناك متغير ...ولكن بأصول ، فالحياة تتطور ... لكن لا يعني ذلك أن أنسى كياني ولغتي ومذهبي ...حركة الفكر بركة أيضًا ....أم أن هناك من يريدنا أن نحرم حرية الفكر ...يبدو والله أن كلمة ( حرية ) تقض بعض المضاجع .

المبدع ليس واعظا

- أ . خديجة العامودي : من الصعب أن نطلب من مبدع أن يتحول إلى واعظ. أي أن يمسك في يده عصا رمزية ويقول للناس اسلكوا هذا الطريق أو ذاك. هذه مهمة الأنبياء وعلماء الدين. لكن حين يفعلها المبدع فعليه أن يختلف كثيرا عن غيره. فالثقافة في كل الأحوال ليست بوهيمية حمقاء أو ريشة في مهب الريح. إنها التزام بقضايا الناس وهمومهم تصاغ في قوالب إبداعية وتعاد إليهم مصاغة في ألوان باهرة.

الانحلال الأخلاقي في الأعمال الإبداعية، حسب وجهة نظري، ليس سوى نتيجة لضعف عام من طرف أولئك الذين يحاولون التميز أو الظهور عبر سلك نظرية "خالف تعرف"، فيسقطون في بئر التفاهة أو إخراج غرف نومهم إلى الشارع حتى يلفتوا إليهم الأنظار.

لكن المشكلة الأكبر هو أن يكون المثقف غير حامل لأية رسالة، أو يعيش في برج عاجي يرى من خلاله الناس صغارا فيرونه هم أيضا صغيرا. الإبداع لا يكون سوى من رحم المجتمع ومشاطرة جماعية لا يختلف فيها المثقف وعامل النظافة، الفرق فقط هو أن الأول يحول معاناته إلى شكل إبداعي، بينما الثاني يدفن كل شيء داخله أو يحوله إلى عنف ضد نفسه وضد المجتمع.

وعموما، فإن الذي لا يستطيع الكتابة عن نملة تجر حبة قمح نحو قريتها الصغيرة تحت الأرض، لا يجب أن يوهمنا بأنه كاتب ويتبجح بجرأة يمكن أن توجد أيضا في العوالم السفلى يثرثر بها الغوغاء.

وناقشت الندوة مفهوم الأخر ومساحات التوافق والتضاد معه وموقف الأساتذة الكرام من تلك المعضلة التي تواجه ثقافتنا العربية وسوف تزداد معها الهوة في عصر الرقمية والثورة المعلوماتية ، وطرح التساؤل في هذا الاتجاه على النحو الآتي :

ـ ماذا يعني لك الأخر و ما هي مسافات توافقك وتضادك معه في البعد الثقافي الحضاري .

وندرج إجابات ضيوفنا الأعزاء على النحو الأتي :

العدو العاقل خير من الصديق الجاهل

- أ . د . فاروق مواسي : سأجيب من خلال مقالة لي كيف أرى الآخر ... وقبل أن أترككم مع المقال القصير أود أن أؤكد على أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل ، والأجنبي الذي يقف معي في قضيتي أفضل من العربي المتقاعس بَـلْـهَ الخؤون .......والآن إلى الآخر
الآخر:

يكتسب الآخر مدلوله من خلال معنى ( الذات ) وهويتها ، وهاتان تقويان في حالة الانتماء ، وتطّرد قوة الانتماء بقدر معاداة النقيض الذي يصبح هو الآخر –
المعني ّ معنًى وموقفًا .
في مجتمعنا الفلسطيني حيث يؤلف بيننا الوطن وما يُكاد له فإن صانع الكيد هو ذلك
( الآخر ) ، لأنني في مواجهته وهو في مواجهتي .
صحيح أن هناك “ آخر " آخر - ذاك الذي لا يعادي ولا يناقض ، بل يراقب أو " يتفرج " ، فهذا يكتسب " آخريته " بسبب عدم انتمائه لمجموعتي ، وعلاقتي به قد لا تختلف عن علاقتي بفرد من مجموعة انتمائي .

لا يخفى أيضًا أن للهوية محاور مختلفة ، فعندما يستلزم التقسيم الديني ، فإن الآخر الذي أواجهه هو ذلك الذي يحاول نفيي أو إلغاء أسس نهضت عليها في عقيدتي .

ويمكن في التقسيم الاجتماعي الحاد - كما كان في أوج الشيوعية - أن يكون الآخر هو المعادي الطبقي .
إذن ، عندما تقوى الهوية يقوى مفهوم " الآخر " نقيضًا معاديًا لطموحاتها ، وهذا
" الآخر " هو المراد في المجابهة إلى درجة أنه يحتكر اسم ( الآخر ) وكأنه قصر عليه ، ويتضاءل مدلول الآخر - بمعنى كل ما هو غيري أو غير فئتي .

ملاحظة : ثمة علاقة موقفية بين مصطلح ( جوي ) لدى اليهود ، وهم من أوائل من رسخوا قانونية " الآخر " ، - وأحيانًا بنوع من الإنكار - وبين مصطلحنا الذي تردد مؤخرًا بصورة منهجية .

وتبعًا لذلك فالآخر الذي يجابهه الفلسطيني اليوم هو الصهيوني ، و هناك من ينحو – تعميمًا – اليهودي ( وليس المقصود بالضرورة المفهوم الديني ) ، وكذلك كل من دار في فلكه ممن يحاول أن يتنكر لوجود الفلسطيني وحقه على أرضه وفي وطنه .

من هو الآخر

- أ . احمد الخميسي : صراحة لا أدري بالضبط المقصود من مصطلح " الآخر " ؟ أعلم فقط أنه ورد إلينا في إطار جدول كامل من المصطلحات مثل صراع الحضارات أو حوارها ، وغير ذلك . وكلها مصطلحات أنيقة تخفي وراءها أشياء أخرى ، تصب في الأغلب في باب التمويه على حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي . أريد أن أعرف مقدما من هو الآخر ؟ هل هو اسم الملاطفة لإسرائيل ؟ فإن كان كذلك فإن علاقتي بهذا الآخر علاقة خصومة ، ليس لأنني أعشق الخصومة ، ولكن لأن ذلك " الآخر" هو الذي يجعلني أصطبح كل يوم بمشهد أطفالي القتلى في فلسطين . وإذا كان الآخر هو أمريكا فإن علاقتي به ستكون أيضا علاقة خصومة . من هو الآخر ؟ إن دمج كل الأشياء السيئة بالأشياء الحسنة في مصطلح واحد ، أمر يرمي فقط ، لتمرير السلعة السيئة مع السلعة الجيدة . وقد قام الرئيس أنور السادات بذلك ذات مرة حين طرح استفتاء من سؤالين معا : هل تقبل بمعاهدة كامب ديفيد ؟ ثم هل تقبل بالديمقراطية ؟ وكان لابد من النظر لكل جزء على حدة . ليس هناك " آخر " مطلقا وعاما ، هناك " آخر " محدد ، ومتعين ، في كل مرة ، وفي كل مرة سيكون موقفي منه مختلفا . أما عن البعد الثقافي فإن تاريخ منطقتنا كله يشهد بأننا تفاعلنا دائما مع كل الثقافات والحضارات .

منطقة قابلة للاستكشاف

- أ . اسماء الزهراني : الآخر يعني لي منطقة قابلة للاستكشاف أولا ، ثم الحوار لغرض البحث عن مناطق التقاء ، تشبع نهم المعرفة الذي فطر عليه الإنسان . الأصل هو الحوار وينتج الحوار خارطة تتوزع عليها مساحات الثقافة ، تقسمها حدود الثوابت إلى مناطق محايدة وأخرى مشتركة وأخرى متقاطعة يفصل بينها برزخ احترام خصوصية الآخر ورموزه الحضارية .

أعترف بالآخر

- أ . د. احمد زياد محبك : أعترف بالآخر، من أي شعب كان أو لون أو دين أو مذهب، ولو اختلفت معه، أو اختلف معي، وأحفظ حقوقه، وأدافع عنه، وأرتبط به، وأحس بوجودي من خلاله، وأتواصل معه، وأستفيد من خبرته وثقافته، وإذا أخطأ في حقي الفردي، أو أساء إليَّ شخصياً، أسامحه، ثم أنصح له، ثم أنتصف منه أمام القضاء، وإذا أساء إلى الأمة والتاريخ والدين والأخلاق فأنبّهه وأوجّهه وأصحح موقفه، وإذا اعتدى على أمتي وشعبي وتاريخي وثقافتي عملت مع الآخرين على رد اعتدائه وقاومته بكل ما نملك جميعاً من أشكال القوة والمقاومة.

الآخر هو الجحيم

- أ . خديجة العامودي : الذي قال بأن "الآخر هو الجحيم" لم يكن كلامه من قبيل الصدفة. فالآخر دائما هو مصدر تعاستنا وهمومنا وشقائنا، وربما يرى فينا الآخر الصفات نفسها. فنحن أيضا نمثل الآخر بالنسبة للآخر.
بالنسبة لنا كعرب فنحن نتمثل الآخر بالمعنى الحقيقي للكلمة. نحن الشعب الذي ننظر إلى المرآة فلا نرى فيها أنفسنا بل نرى فيها الآخر.

نرى فيها عدوا متربصا وأحقادا متجمعة وأسلحة تحشد لنا ورسامين كاريكاتوريين يجهدون أنفسهم ليل نهار كي يجعلوا من وجوهنا أكثر الوجوه إضحاكا في العالم، فالشاعر قال عنا إننا أمة ضحكت منها الأمم. لكن هذه الأمم التي تضحك منا لم تفعل شيئا كثيرا لكي تقترب منا. هي اكتفت بالضحك ونحن اكتفينا بكراهيتها. هي تقهقه ونحن نشتم.

من الصعب أن نتحدث عن توافق أو تضاد حضاري وثقافي في ظل جهل مطبق للآخر بنا. ففي هذه الحالة إما أن نقترب منه كثيرا حتى يبتلعنا، لأنه واقف في مكانه لا يتحرك، أو أن نقف نحن ثابتين لا نتحرك، وفي هذه الحالة أيضا سنفتح شهيته ويأتي إلينا لابتلاعنا.

لا مجال إذن للحديث عن توافق ثقافي حاليا لأن الآخر لا يريد ذلك، هو أرسل إلينا الأسلحة والدمار، ونحن أعطيناه دمنا.

وفي نهاية مطاف رحلة تواصلنا الثقافي مع أنغام حروف مبدعنا الضيوف الكرام ، فأننا نتقدم لهم بكل تحايا الشكر الماسي على ما أتحفوا به أمسيتنا الثقافية من ثمار خبراتهم العلية ، ونرجو ان نكون قد حققنا ما نصبو إلية من أهداف سامية في إقامة مثل تلك الأنشطة التواصلية ، لغاية الحفاظ على ثقافتنا وبث رسالة الوعي تجاه منظومة أفكارها ، وسلطنّا الضوء على قيمها الخالدة ، وضرورة الحفاظ عليها ، وإلى الملتقى في تواصل مستجد مع نخب ثقافية أخرى ، يستجد معها اللقاء ونستشرف معها آفاق ثقافتنا العربية المسافرة في ميادين إبداع لاتنتهي .

ختاما ملاحظات الدكتور فاروق

راقت لي جرأة د . أحمد الخميسي وهو يمسك الثور من قرنيه ، ويقول - " إن خريجي الجامعات في مصر لا يحسنون كتابة خطاب صغير دون أخطاء ..." ، ولكني أفضل أن يتبع مقولته بتحفظ ما ، كأن يقول : هناك الكثيرون ... ويمكنه أن يقول " معظم ... " أما التعميم فلا قِبلَ لنا به .

ويبدو أن التعميم ساقه أيضًا إلى التساؤل : " هل رأيت عملاً مبدعًا واحدًا كبيرًا بحجم تلك الدماء ؟ "
ونحن يا عزيزي لا نملك أدوات للمقايسة ، ولا ضرورة للمطابقة ، وأنت " بعظمة لسانك " تقول إن هناك أقلامًا وإبداعًا يستحق التقدير والإشادة

ثم ما تلبث يا أخي - أن تعمم :
" الإبداع الثقافي ابتعد عن الناشئة فلماذا نستغرب أن ينأى التكريم عن الإبداع ؟ ! " ا
إذن هذا تبرير يا صديقي ( أقول صديقي لأنني أتابعك وأعرفك كما تابعت والدك الحبيب ) ، ولا يمكن أن تكون قد قصدت التبرير ، فما الداعي إذن لهذا الربط ؟

وتبقى في التعميم إذ تشرح معنى ( الآخر ) فتلغي كل إسرائيلي أو أمريكي لأن سياسة العدوان طغت وبغت ، وتتجاهل أن هناك من بينهم يساريين وإنسانيين وفعالين جدًا أكثر من أهلنا وأخوتنا ، فلنحاول أن نجند هذه الطاقات ضد العدوان الغاشم وضد البربرية والهمجية في السلوك السياسي الأمريكي والإسرائيلي ...

أحببت صراحتك وأنت تقول " على أكتاف المواطنين جبال من الهموم الأخرى .... " ولكني تحفظت من انتهاج أسلوب التعميم الذي عمدت إليه في غمرة حماستك ....
واسلم لصديقك

أما الأستاذة أسماء فقد وقفت على قولها : " وكأن الإبداع والثوابت خطان متقاطعان يستحيل الموازنة بينهما ... " ،

وبعيدًا عن طروحات أدونيس فإن من نافلة القول إن التجديد وكسر الآلية ، وعدم السير على نفس الطريق، وابتداع مسارب وآفاق ، وخلق المعاني وسبل الأداء كلها تؤلف معنى الإبداع ، فعلي أن أكتب القصيدة أو القصة أو الرواية ليست على غرار سابقتها ( وإلا كانت نسخة ثانية ) ، فما قيل قد قيل وخطأ أن نظن أن ليس في الإمكان أبدع مما كان ، فلترك حكاية التقاطع والتوازي.... وعلى غرارها التناظر والتساوي والتطابق والتماثل والتجاور والتماس ، فكلها لا تفيد المبدع الحقيقي ، لأنه أولا يجب أن ينطلق دون أي عبء ، ولأنه ثانيًا لا يجعل المقدس شغله الشاغل ، بل ينتقي منه - عمليًا - ما يعينه على جدوى الحياة وتخطي صعابها ...

وقد أضحكتني الأخت خديجة العامودي وهي تقول : " وهؤلاء لن يقرأوا حتى لو حصلوا على الكتاب بالمجان ... " ، وقد كنت أشترط عندما يطلب أحد مني أن أهديه كتابًا من كتبي أن ينظر في الكتاب أولاً إن كان يعنيه ، فإن واصل طلبه أطلب منه أن يقسم بشرفه أنه سيقرأه ، ذلك لأنني أشك بشروعه في القراءة ، والنسخ لدي محدودة ، وأنا أبحث عن قارئ ...حتى فكرت مرة أن أدعو أي قارئ لكتبي أعثر عليه ( قراءة جدية ) أن أدعوه لتناول طعام الغداء
فمن أحب أن أكون له مدينًا بوجبة فليقرأني وليثبت لي !

ارتفاع الامية في العالم العربية ، عدم اقبال المواطنين العرب على شراء الكتب الثقافية ...

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى