الأربعاء ٥ شباط (فبراير) ٢٠٢٠
بقلم حياة محمود

ها هي تبكي الرجال يا أحمد

على الطَابقِ الخامسِ من سطح أحد البنايات السكنية في الداخل المحتل،و تحديداً في مدينة عكا الفلسطنية المحتلة،يجلس أحمد على حافةِ سَطحِ البناية رأسُه إلى الأعلى ينظُر إلى السماء لَعل قلبه يستطيعُ عِناقها،أو لَعل الهموم تطيرُ من صدرهِ إلى سماءِ الله الواسعة،وقَدمَيه تتدلى للأسفل يُحركها بِبطء إلى الأمام والخلف،مُستغرقاً في أحلام اليَقظة،يُفكر..ويُفكر،يا ترى هل يكفي المال الذي سيحصل عليه اليوم من العَمل؟ ،هل يكفي لسداد فاتورة الماء ،و الكهرباء،وشراء مستلزمات المنزل التي طلبتها والدته، وبينما هو غارقٌ في التفكير بالحسابات والمستلزمات صَرخ صديقه مروان من أسفل البناية قائلاً له:يا رجل ماذا تفعل عِندَك؟هيا تعال لتناول طعام الفطور مازال لدينا عمل كثير لهذا اليوم ، فنظرَ أحمد إلى الأسفل نظرة مليئة بالغضب وصرخ عليه قائلاً: لا أريد طعامك ..لن أكل..لن أتسمم، هيا اِنْصَرِف من وجهي. وبردِ فعلٍ غاضب من مروان ألقى رغيف الخبز الذي كان يحمله بيده على الأرض ورَكض مسرعاً إلى سطح الطًابق الخامس لبناية ما زالت قيد التَشيد و العِمران،وما أن وصل حافة السطح،خلف أحمد تماماً،راح يسحبه إلى الوراء بسرعة،ثم أنزله على أرضية السطح برطمةٍ واحدة،و بدأ يصرخ قائلاً:ماذا تريد مني لا أفهم؟ما هذه الحركات؟،ماذا بك يا رجل!؟!.نَهض أحمد من الأرضِ و أخذَ يزيلُ الغبار عن ملابسه،ويتحرك ببلادة وبرودٍ تام،وينظر يميناً و يساراً متجنباً النظر إلى صديقه مروان،ثمَّ سار باتجاه حافة السطح وأدار ظهره لصديقه،وبسخرية قال له:يا لك من رَجلٍ وَقح،وهل ما زلت تسأل؟.تقدم مروان نحو أحمد ،ثمَّ وضع يده على كتفه و أداره عنوةً باتجاهه و أخذ يصرخ عليه قائلاً:تعلم أني أكره هذه الحركات يا أحمد،اُنْظُر لي وأنت تتحدث،وتحدث كالرجال.أَبعَدَ أحمد يد مروان عن كتفه وتراجع للخلف قليلاً وقال له:ألم تستطع إغلاق فَمك؟لماذا أخجلتني أمامها؟،أحرجتني مروان.أظهرت لها كذبي.ذلك الشعور الذي وضعتني فيه كان مخزي، ألا يُداري الصديق سُوءَ صَديقه؟،ماذا تريد من فعلتك هذه؟،ثم أَدَارَ ظهره لمروان مجدداً و وضع يديه في جيوبِ معطفه،وأخذ ينظر إلى السماء ويقول:كم كنت أحمق في تلك اللحظة ،هل تتذكر؟ أوقفتها وقلت لها كيف حالك يا مِسك؟،أنت تعرف كيف كنت متوتر، وحين أجابت أنها بخير وأتبعت ذلك بسؤال :و أنت ماذا تفعل يا أحمد هل تعمل؟ أجبتها دون تردد كمن يحترف الكذب: أستاذ بديل،ونظرت إليك حتى أهرب من مباشرةِ النظر إليها ،ثم أنت ماذا فعلت يا مروان ماذا فعلت؟ ! .
يَضرب مروان كَفّيه ببعضهما البعض ويضحك بسخرية و يقول: يا أحمد يا أخي ،ياحبيبي ،ما هذا الهذيان ؟ ألا تعلم مِسك هذه أن التقديم لوزارة التربية و التعليم عبارة عن قوائم انتظار ؟،ألا تعلم عن البطالة التي يعيش بها البلد؟ألم نكن في جامعة واحدة و تخصص واحد؟،ألن تكتشف كذبتك السخيفة هذه ذات مرة؟،لماذا تكذب أنت؟ ما العيب بعملك عامل بناء في الداخل المحتل ؟،فيرد عليه أحمد:و هل كان لِزاماً عليك أن تدَّعي أنك على عجلةٍ من أمرك وتريد الذهاب ثم تقول لي : (لا تتأخر غداً يا أحمد كالعادة ،يقولون أن البوابة العسكرية ستكون مفتوحة عند الخامسة صباحاً)،أنا أقول لها أعمل أستاذ بديل و أنت ماذا تقول لي أمامها؟!ما فعلتَه ليس سوى نذالة يا مروان!،مروان يرد بسخرية:أنا أنقذتك من حبال الكذب الذي ليس له ضرورة يا صديقي،ألم تقل لي أنك معجب بها منذ كنا بالجامعة و تريد التقدم لِخطبَتِها؟،حسناً كذبت عليها هل ستكذب على أهلها أيضاً؟أحمد يلتفت إليه و يضرب صدره بيديه،ويدفعه للخلف ويصرخ قائلاً:كفاك فلسفة ومثاليات،لقد فضحتني أمامها وحسب ،وهل تعلم ماذا قالت لي بعد أن ذهبت ؟ ،مروان يمسكه من كتفيه بقوة محاولاً احتواء غضبه ويرد عليه :ماذا قالت؟،يبعد أحمد أيدي مروان عن كتفيه بغضب و يقول له: قالت لي بسخرية : (هل تكذب؟من يكذب يدخل النار يا أحمد) ،ثمَّ ضحكت وغادرت.تمنيت لو أن الأرض تنشق لتبتلعني من فرطِ الإحراج ،مروان يضحك قائلاً: كم أنت مندفع و عاطفي ،تناسى ،كأنها لم تقل يا رجل.أحمد بغضب: إخرَسْ و تبخر من أمامي، اليوم لا أريد رؤيتك.مروان يرد متبسماً:أحمد هل تغضب على صديقك من أجل فتاة ؟،هيا لنتصالح و ننهي هذا الخصام ما رأيك ؟،أحمد محدقاً بعينيه الغاضبة: لو رميت نفسك من هذا السطح لا أصالحك،فيضحك مروان بصوت مرتفع و يقول :بالله عليك لا تكن كأطفال المدارس،موقف وانتهى ،وذهبت الفتاة في سبيلها .أحمد يتحرك بغضب و توتر و يمشي على السطح ذهاياً و إياباً ،ثم َّ يخرج هاتفه المحمول من جيب معطفه و يفتحه و يقول لمروان انظر ماذا كتبت على صفحتها في (الفيسبوك).يأخذ مروان الهاتف من يد أحمد و يقرأ ما كتبته مِسك: (بالصدفة قابلت اليوم زملاء لي من الجامعة ،و كأنهم لا يمتلكون ذرة انتماء للوطن،لا أعلم ما قيمة الشهادات الجامعية ما دمتم ستذهبون لتسول لقمة العيش من أعدائِنا ،أحدهم كان يكذب ولا يعترف أنه يعمل في الداخل المحتل و الآخر يفضح كذبه ويقول متفاخراً أن البوابة العسكرية ستفتح للدخول من أجل العمل، هذا الداخل المحتل يا شباب فلسطين: يافا ،عكا ،حيفا،اللد،الرملة،الطيبة،الناصرة..،ماذا سأعد و أعد ،ما سُلب منا عليكم الدخول لتحريره وليس للعمل تحت أيدي من سرقوه، وكم هو مهين المرور عن معابر الإحتلال الإسرائيلي وتحمل الإكتظاظ و الإجرات الأمنية من أجل الحصول على الأموال ،ثمَّ دعونا نموت من الجوع والفقر والحرمان ولكن لا تفعلوا ذلك لا تعملوا لدى من سرقونا وحرمونا من بلادنا .ماذا أقول هذا حال شباب الوطن ولك الله يا وطني.) ،وما أن أنهى مروان القراءة ألقى الهاتف بغضب من أعلى البناية و أخذ يصرخ قائلاً:هل تقول لك الله يا وطن ! الله أكبر عليها..الله أكبر، ماذا تعرف هي عن السعي لطلب الرزق؟،أين تعيش هذه ؟أين تعيش؟ ثم يمشي بغضب باتجاه حافة السطح ويتبعه أحمد،ويضع يده على كتفه مربتاً عليه بشكل سريع ويقول : متى ستدفع سعر الهاتف الذي رَميته؟،مروان بوجه غاضب يحاول أن يداري ابتسامته من سؤال أحمد ثم َّيقول:هل نحن حقاً عبيد لدى الإحتلال ؟هل نحن نُهان كل يوم في سبيل لقمة العيش؟،هل العمل هنا خطأ وذل و مهانة ونحن لا ندرك ذلك؟.أحمد العاطفي المتأمل يرفع رأسه إلى السماء مُجَدداً ويَرمقُها بعيونه اللامعة،التي تحبس دمعاً و تداري حُزناً،و كأن السماء ملاذه الوحيد،أو حتى عناقه الدائم الذي يَحجب عنه جبروت هذه الحياة وببطء يقول لصديقه: هل شعرت الآن بغضبي؟،سَهلتَ عليها طريق إهانتنا ،و هل تدرك الآن سبب انزعاجي منك وكرهي لمباشرة النظر في وجهك؟،لقد فتحت لها الطريق لتشعل الوجع الذي نعيشه يومياً يا مروان،نحن بِنظرها أو حتى بنظرهم لسنا سوى عمال يركضون خلف المال،لا يقلق أحد كيف هو شعورنا و كيف الحال.. ما الذي جَبرنا على معايشة هذا الشيء المُر سوى تواجد الأكثر منه مَرارة و هو الفقر ،والبطالة ،و المسؤولية ،ألا يسألون أنفسهم من سَيُعيل عائلاتنا إن جلسنا عاطلين عن العمل منتظرين أن تُمطرَ السَماء ذهباً وفضة ؟،ومن يدفع فواتير الماء والكهرباء؟من يدفع مصاريف العلاج والتعليم؟ ، لا أعرف يا مروان هل صحيح عملنا هنا في الداخل المحتل أم خطأ،لكنني أعلم جيداً أننا نقاتل الموت لنعيش ليس إلا،ثمَّ إنني أسخط هذا اليوم الذي عشت فيه خيبات ظن متتالية بصديقي أولاً الذي كشف كذبتي الصغيرة بحجة المثالية والمبادىء والمنطق، ثمَّ بمِسك التي خيبت ظني بحُكمها المتسرع المليء بالفوقية و سوء الظن ،هل سبق و أن خيب أحدهم ظنك يا مروان ؟،هكذا تشعر و كأن أحدهم أخذك من عنان السماء إلى قاع الأرض،كأنه لا يكفي الوطن المسلوب،،والمعابر،والحواجز ،و البطالة،و الواسطة ،و المحسوبية،والفقر،بل و يأتي مَن حَولك و يضاعفون كمية الألم الذي تتجرعه و... . يُقاطعه مروان ويشدُه عُنوةً باتجاهه ثم يعانقُه بقوة ويقول له: كفى حساسية ،ونكد ،وهَم، وغم، يا رجل،ستجعلنا نبكي الآن، أعتذر يا صديقي أخطأت بحقك.أحمد باِبتسامةٍ خفيفة يفتعلها رُغم صدره المليء بتراكمات الحياة وثِقلها، يحاول ان يدير وجهه عن صديقه حتى يداري لمعان عيونه،أو يحبس دمعاً قد يخونه وينهمر في أي لحظة ،ثم يفتعل مَلامِحه الصَلبة ويقول له: وهل تبكي الرجال؟، مروان يُربت على كتفه بود و يقول له: لا تبكي الرجال يا أخي..لا تبكي ، أحمد قل لي هل تصافينا هكذا؟ . أحمد يضع يديه في جيوب معطفه ثم يدير ظهر لصديقه مقترباً من حافة السطح ثم ينظر إلى السماء كأنه يشعر باستمرار النظر إليها بشيء يجذبه نحوها لكنه لا يدري ما هذا الشيء،و كأن شيئاً هناك لهُ.مروان يتململ قائلاً : يا الله كم أنك تحب اتخاذ المواقف يا أحمد ! ،ألا تعلم أنني أكره هذه الحركات؟،أحمد مبتسماً:هيا سامحتك لا تقلق لكن لا تنسى عليك تعويضي عن الهاتف الذي ألقيت به بِأقرب وقت،مروان يتقدم نحو أحمد ضاحكاً و يقول له: حسناً بأقرب وقت لكن التفت اليَّ للحظة ، أحمد يلتفت ببطء ثم يبدا الإثنان بالضحك بشكلٍ مستمر،على ماذا يضحكان ولماذا،تلك لغة يفهمها الأصدقاء فقط. يقطع صوت ضحكاتهم صوت ٌمن الأسفل يقول:مروان،أحمد رئيس العمال يناديكم.أحمد لمروان :أعطني هاتفك سأتحدث مع أمي قبل أن ننزل ،مروان: حسناً خذ، أنا سأنزل لا تتأخر. خرج مروان مسرعاً بينما أحمد ينتظر والدته لتجيب على اتصاله،ثم صوتها الذي يريح قلبه يخرج من الهاتف : نعم يا بني، أحمد يا حبيبي متى ستعود اليوم ؟،أحمد مبتسماً بسعادة وطمأنينة :- أمي أنا ..ثم يرجع إلى الخلف ليسند ظهره على حافة جدارالسطح ،ولكن القدرتلقَّفه بدلاً من الجدار..سقط أحمد أرضاً،و كانت أمي كلمته الأخيرة ، هوى جسده إلى الأرض،وطارت روحه إلى السماء،وكان هذا السطح محطته الأخيرة في هذه الحياة،هكذا فجأة دون سابق إنذار ،لم يرمي بنفسه،ولم يكن بهذا الضعف رغم أنه كان يقاتل الموت ليعيش،قاتل للحصول على قوت يومه.شهد سطح الطابق الخامس لبناية في مدينة عكا المحتلة المشهد الأخير لحياة أحمد بطل حكايته،أحمد الصديق،أحمد الإنسان المليء بالمشاعر،أحمد الفلسطيني البسيط الذي يعمل في الداخل المحتل،وحتى هو أحمد الشهيد.
وصل مروان للأسفل و رأى العمال مجتمعين حول ما يجهله، أصواتهم تَفجعه فيزداد نبض قلبه كأنه سيخرج من مكانه هلعاً،أحدهم يقول: هل سقط؟، الآخر يقول:ربما انتحر لا حول ولا قوة إلا بالله،حتى جاء صوتٌ هز كيانه:هذا أحمد ربما دفعه أحدهم من الأعلى ،ركض مسرعاً يصرخ يا الله ..يا الله ..يا ناس ..أحمد..رطم نفسه على الأرض بقوة،أخذ جسد صديقه البارد إلى حضنه،و بكى بصوت مرتفع ،بكى بكل ما بداخله من فاجعة،بكى بحرقة من أعماقه التي هاجمها سواد القدر،بكى كلام صديقه الأخير،بكى سؤاله الأخير(وهل تبكي الرجال؟)،بكى عناقهم الأخير، بكى ضحكاتهم الأخيرة،بكى وأخذ يصرخ:ها هي تبكي الرجال يا أحمد...ها هي تبكي الرجال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى