السبت ١٣ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٣

وفاة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان

في وقت متأخر من ليل الجمعة توفيت الشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان (1931 - 2003) قد فارقت الحياة في إحدى المستشفيات الفلسطينية. وتعتبر فدوى طوقان من الشخصيات الثقافية الفلسطينية اللامعة، ومن شاعرات الأرض المحتلة التي طالما تابع العرب أشعارها التي "يتميز بجزالة غير متوقعة وصدق عاطفي" كما تقول سلمى خضراء الجيوسي عنها. وبهذه المناسبة الحزينة تنشر إيلاف مقتطفات من كتابها رحلة حبلية رحلة صعبة : سيرة ذاتية"." الصادر عن دار شروق في عمان عام 1995.

خرجت من ظلمات المجهول الى عالم غير مستعد لتقبلي. امي حاولت التخلص مني في الشهور الاولى من حملها بي. حاولت وكررت المحاولة. ولكنها فشلت. عشر مرات حملت امي. خمسة بنين اعطت الى الحياة وخمس بنات، ولكنها لم تحاولت الاجهاض قط الا حين جاء دوري. هذا ما كنت اسمعها ترويه منذ صغري.

كانت مرهقة متعبة من عمليات الحمل والولادة والرضاع. فقد كانت تعطي كل عامين او كل عامين ونصف العام مولوداً جديداً. يوم تزوجت كانت في الحادية عشر من عمرها، ويوم وضعت ابنها البكر كانت لم تتم الخامسة عشرة بعد. واستمرت هذه الارض السخية - كارض فلسطين - تعطي ابي غلتها من بنين وبنات بانتظام.

احمد - ابراهيم - بندر - فتايا - يوسف - رحمي.. كان هذا كافياً بالنسبة لامي، وان لها ان تستريح، لكنها حملت بالرقم السابع على كره. وحين ارادت التخلص من هذا الرقم السابع ظل متشبئاً في رحمها تشبث الشجر بالارض، وكانما يحمل في سر تكوينه روح الاصرار والتحدي المضاد. ولاول مرة في حياتهما الزوجية ينقطع ابي عن محادثة امي لبضعة ايام. فقد اغضبته محاولة الاجهاض. كان المال والبنون بالنسبة له زينة الحياة الدنيا، وكان يطمع بصبي خامس. لكني خيبت امله وتوقعه. اصبح لديه الان ثلاث بنات مع البنين الاربعة..وتبعني فيما بعد اديبة ثم نمر ثم حنان. فاستكملنا العدد (عشرة).

تظل ذكريات طفولتي قبل عهد المدرسة مشوشة، باهتة، متقطعة، فلا استطيع لم شعثها او تنظيم فوضاها. ولكن الذي اراه واذكره بوضوح من صور هذه المرحلة الهامة في حياة الانسان، وهي المرحلة التي يشرع الطفل خلالها في تمييز ذاته الاجتماعية هو اقبال اصدقاء ابي وعمي علي. وكذلك اصدقاء شقيقي احمد وابراهيم، بالاضافة الى اصحاب الدكاكين المجاورة. فهؤلاء جميعاً كانوا يضاحكونني ويمازحونني كلما التقيت باحدهم في ديوان العائلة او في السوق. فكنت احس معهم بانني شيئ ذو قيمة اكثر مما انا بين اهلي. وكذلك بعد التحاقي بالمدرسة. فقد جعلني تصرف المديرة والمعلمات اكون عن نفسي فكرة افضل.

لاتحمل ذاكرتي أية صورة لاول يوم دخلت فيه المدرسة. كما انها لا تحتفظ بذكرى المرحلة الاولية التي تعلمت فيها قراءة الحروف وكتابتها. ولكن الذي اذكره بوضوح هو استمتاعي دائماً بمحاولة قراءة أي شيئ مكتوب وقع عليه بصري. لم يكن في نابلس اكثر من مدرستين للبنات، (المدرسة الفاطمية) الغربية و(المدرسة العائشية) الشرقية. وكان اعلى صف هو الخامس الابتدائي.

في (المدرسة الفاطمية) تمكنت من العثور على بعض اجزاء من نفسي الضائعة. فقد اثبت هناك وجودي الذي لم استطع ان اثبته في البيت. اجبتني معلماتي واحببتهن، وكان منهن من يؤثرني بالتفات خاص. اذكر كيف كان يشتد خفقان قلبي كلما تحدثت معي معلمتي المفضلة (ست زهرة العمد) والتي احببتها كما احب واحدة من اهلي في تلك الايام. كانت جميلة وجها وقواماً، وكانت انيقة، شديدة الجاذبية.

كنت ارنو بشغف كبير وهي تشرح الدرس وتفسر لنا قطعة القراءة. او حين كانت تتلو علينا قطعة الملاء. فقد كنت اكتب الفقرة. ثم ارفع بصري في انتظار الفقرة التالية مسرورة بالنظر الى وجهها. وكانت تقف امام مقعدي الدراسي في الصف الاول الذي كان مخصصاً لاصغر تلميذات الصف سناً وحجماً. وحين كانت تضع اصابع يدها البيضاء على طرف مكتبي كنت احس برغبتي في لثمها. فاذا انحنت نحوي لتنظر في دفتري اخترقت احاسيسي رائحة عطر خفيفة كانت تنبعث دائماً منها. واتمنى لو بقيت بجانبي الى الابد. فجأة انقطعت عن المجيء الى المدرسة. فقد مرضت المعلمة المحبوبة. طال مرضها وطال غيابها، وعرفت الوحشة وذقت مرارة غياب الاحباب وثقل الانتظار. كانت تقطن مع عائلتها في بيت بعيد معزول في منطقة (بليبوس) في الجانب الغربي من جبل عيبال. كانت شقيقتها الكيرى معلمة الصف التمهيدي في المدرسة. وذهبت البها برفقة بعض زميلاتي نستاذنها في زيارة ست زهرة.

ودخلنا البيت الصامت بتهيب ونحن نكتم انفاسنا. وفي غرفتها تربعنا على مقعد ارضي امام سريرها. اخذت تمسح وجوهنا بعينيها الواهنتين وجهاً وجهاً. وحين صافحت عيناها وجهي ابتسمت لي. شعرت بقلبي يذوب حزناً. كنت منذ دخلنا اغالب البكاء في حلقي، اما الان فقد غلبت على امري، واسرعت فواريت وجهي خلف زميلاتي ورحت ابكي بصمت.

لا اذكر ان واحدة من معلماتي تركت في نفسي ذكرى جارحة او اثراً لمعاملة سيئة على مدى السنوات القليلة التي امضيتها في المدرسة. لقد اشبعت المدرسة الكثير من حاجاتي النفسية التي ظلت جائعة في البيت. اصبحت اتمتع بشخصية بارزة بين معلماتي وزميلاتي. وكان من دواعي سعادتي ان معلمة اللغة العربية بين معلماتي احياناً تلقي على مهمة تدريس التلميذات المتخلفات في الصف.

لقد اصبحت المدرسة احب الى من البيت والمكان الاكثر ملاءمة لي. وفي المدرسة عرفت مذاق الصداقة واحببته. كانت رفيقة مقعدي الدراسي تلميذة في مثل سني اسمها "عناية النابلسي" وكانت احب صديقاتي الى واقربهن الى نفسي. ولقد بلغ من شدة تالفنا ان ابتدعنا طريقة غريبة لتاكيد صداقتنا. فلجانا ذات يوم الى وخز ابهامينا. ولعقت هي قطرة الدم التي نفرت من اصبعي، كما لعقت قطرة الدم من اصبعها. وكان هذا توقيعاً على اخوة دم لا انفصام لها.

لم التق بعناية منذ ايام المدرسة. فقد تركت نابلس بعد زواجها في سن مبكرة. ولكن عناية تلك البنت الصغيرة لا تزال هناك، في زاوية دافئة من القلب، لم تغب عن مكانها ابداً. حين وصلت سن البلوغ، كنت قد تعافيت من حمى الملاريا وسعدت بنعمة العافية.
لفت نظري تفتح جسدي..خفت، وخجلت، واربكني نمو الصدر الذ تصبح الان ملحوظاً.فكنت اعمل على اخفاء هذا النمو. ورحت اراقب هذا الامر كله بحياء شديد كما لو كان ارتكاب ذنب مخجل استحق العقاب من اجله.

لدى وصولي تلك المرحلة من العمر لم اكن اعرف شيئاً عن الحب على الاطلاق، فلم يكن هذا الموضوع مما يتناوله افراد الاسرة على مسمع منا نحن الصغار. وجاء الربيع، وعرفت هذا الشيء المسمى حباً، والذي ظل يشرنق حول وجودي الى ما لا نهاية.
هنا جاء جواب السؤال الذي حرمته على امي، جاءني محمولاً على زهرة فل عبقت رائحتها وعلقت بجدران قلبي. لا ازال حتى اليوم احس وكأن يداً خفية تقذف بي الى ذلك الماضي او تقذف به الي كلما نفحتني زهرة فل بعطرها.

ورائي الان، وانا استحضر ذكرى تلك الحادثة، عشرات الاعوام، ولكن حدة الانفعالات التي يعثتها في نفسي، والدهشة التي تولدت من تلك الانفعالات هي من الاشياء التي لا تنسى ابداً. اكتشفت شيئاً جديداً في نفسي وفي العالم، شيئاً غريباً جداً. ووقفت مبهورة الانفاس امام دهشة الحب الاول.

امتلات الاعماق بعطر الفل الغامض العجيب، وحرك مشاعري شيء يستعصي على التفسير، وراح القلب يذوب تحت تاثير الاغاني المترعة بالعاطفية الشرقية الساخنة. منذ ذلك الحين ضربت اغاني محمد عبد الوهاب جذورها في قلبي وظل عندي سيد الغناء "تعالي نفن نفسينا غراماً" "منك ياهاجر دائي" "قلب بوادي الحمى خلفته رمقاً" "النبي حبيبك ما تحرمش الفؤاد منك" وغيرها... وغيرها..

كانت تلك الاغاني مؤثرات تعمل على تكثيف شعوري الغائم المبهم. فقد كانت هذه اول مرة احس فيها بدقات قلبي وتوائبه. كان يفوتني ادراك معاني الاغاني ادراكاً عقلياً. لكن مشاعري كانت تعب من الجو العاطفي للصوت وللاغنية فترتوي وتزداد كثافة وزخماً وتوجهاً.

فقدت شهيتي للطعام، ولاول مرة عرفت الارق الجميل المليء بالاخيلة والتصورات الهانئة، ولاول مرة عرفت كيف يغطي وجه انسان ما كل الوجوه الاخرى ويكتسح الوجود بكامله.

كان غلاماً في السادسة عشرة من العمر. ولم تتعد الحكاية حدود المتابعة اليومية في ذهابي وايابي. فما كان لمثلي ان تزوغ يميناً او شمالاً. كانت الطاعة من ابرز صفاتي. وكنت مسكونة دائماً بالخوف من اهلي. كان التواصل الوحيد الذي جرى لي مع الغلام هو زهرة فل ركض الي بها ذات يوم صبي صغير في (حارة العقبة ) وانا في طريقي الى بيت خالتي. ثم حلت اللعنة التي تضع النهاية لكل الاشياء الجميلة.

كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالامر لاخي يوسف ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة : (قولي الصدق)..وقلت الصدق لانجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الاخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الاثقال.

اصدر حكمه القاضي بالاقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي كما هددني بالقتل اذا انا تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتاديب الغلام.

قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلة، لا اكاد اصدق ما حدث.
ما اشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الاصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم.

كما ذكرت من قبل، كانت اسرة عمي منغلقة على نفسها. اذا تحدثوا همسوا، او اغلقوا الباب، فلم نكن نعرف قط ما يدور بينهم.

اما اسرة ابي فقد انعكست طبيعة امي عليها، فكانت امورنا جميعاً مكشوفة الوجه، صريحة مشاعة ملكيتها لاسرة عمي وعمتي. هناك التزمت والخفاء والسرية والصمت. وهنا الانفتاح والعلن والعفوية والضجيج.

فلو ان ما وقع لي كان قد وقع لابنة عمي شهيرة لما علم احد منا بالامر. بل كان يعالج بسرية وكتمان محكم. اما وقد حدثت القصة لي لم يكن هناك بد من قرع الطبول والاجراس بين عيون ومسامع كل فرد في الدار. حتى النساء المساعدات في الاعمال المنزلية.

حملت عمتي وافراد اسرة عمي منظارهم المكبر لينظروا من خلاله الى الحادثة الصبيانية البريئة فيعطوها حجماً اكبر من حجمها الحقيقي. وشرعوا يسلطون علي نظراتهم المتشككة، ويحملون عني افكاراً جائرة، ومن هذا المنطلق راحوا يتعاملون معي.

وانزرعت في نفسي الغظة الطرية فكرة سيئة عن هذه النفس، خلقت في عادة السير وانا مطأطئة الرأس لا أجرؤ على رفع عيني نحو وجوههم التي كانت تلقاني صباح مساء بالعبوس والكراهية. لقد شوهوني امام نفسي.

ولقد لفت نظر خالتي الطريقة غير الطبيعية التي صرت اتخذها وانا امشي او اجلس، واخذت، بحنوها المعهود، تطلب الي باستمرار ان ارفع راسي وامشي بقامة منتصبة.

عاد ابي ذات صباح الى البيت لبعض شانه وكنت اساعد امي في ترتيب اسرة النوم. وحين رآني سأل امي. "لماذا لا تذهب البنت الى المدرسة ؟" قالت : "تكثر في هذه الايام القصص حول البنات فمن الافضل وقد بلغت هذه السن ان تبقى في البيت."
قال ابي : "حسناً." وخرج!

كان احياناً اذا اراد ان يبلغني امراً يستعمل صيغة الغائب ولو كنت حاضرة بين عينيه. كان يقول لامي : قولي للبنت تفعل كذا وكذا.. قولي للبنت انها تكثر من شرب القهوة، فلا اراها الا وهي تحتسي القهوة ليلاً ونهاراً. وهكذا!

كان اشد ما عانيته حرماني من الذهاب الى المدرسة وانقطاعي عن الدراسة. كانت اختي اديبة تجلس في المساء لتحضير دروس اليوم التالي. تفتح حقيبة كتبها وتنشر دفاترها حولها. وتشرع في الدراسة وعمل التمارين المقررة.

وهما كنت اهرب الى فراشي لاخفي دموعي تحت الغطاء.
وبدأ يتكثف لدي الشعور الساحق بالظلم.

احياناً كنت ادخل المطبخ. واقف عند صفيحة (الكاز) وبيدي علبة الثقاب. لكني كنت اخاف الالم الجسماني ولا اطيق تحمله. وهكذا كنت اتصرف دون تنفيذ الامر، وانا افكر بطريقة اخرى تكون اقل عنفاً من الاحتراق بالنار.

كثيراً ما خطر لي تناول السم. ولكن من ياتيني به ؟ هذا بالاضافة الى كونه يسبب الاماً شديدة قبل الموت. وكان هذا كافياً لتحويل ذهني عنه.
كان الانتحار هو الشيء الوحيد الذي يمكنني ان امارس من خلاله حريتي الشخصية المستلبة. كنت اريد التعبير عن تمردي عليهم بالانتحار.. الانتحار هو الوسيلة الوحيدة، هو امكانيتي الوحيدة للانتقام من ظلم الاهل.

لن يستطيع يوسف او غيره من افراد الاسرة ان يصدر على حكماً بالحياة... ساتركهم مبلبلين متعذبين، نادمين. وهنا كنت اقف قليلاً، ماذا عن امي؟

كنت اشفق على امي، فقد كانت تقف بجانبي دائماً كلما وقع علي الظلم من احدهم. ولكنها بشخصيتها التي اضعفها القهر لم تكن لتستطيع ان تدفع عني امرأ مقضياً.
خلال هذه الشهور الصعبة ظل يتردد علي حلم بالذات. كنت اراني اركض في زقاق مظلم هرباً من عجوز يركض ورائي، تشي سحنته بروح التعدي والاذى.

ولكن جداراً مسدوداً كان يحول دوني ودون الهرب، فاتحول الى زقاق آخر لاجده مسدوداً كذلك، والعجوز يركض ورائي كوحش هائج وانا الهث رعباً وتعباً من الجري المستمر بدون توقف.

ثم استيقظ غارقة في العرق لاهثة الانفاس. وصرت انفر من النوم خوفاً من الاحلام الضاغطة.

اما من الناحية الاخرى، فقد توعدت على الانكفاء على النفس والغياب داخل الذات.
رحت اتحصن بالعزلة. كنت مع العائلة ولكن حضوري كان في الواقع غياباً الى ابعد حدود الغياب. كان لي عالمي الخاص الذي لا يمكنهم اقتحامه. ولقد ظل هذا العالم موصداً امامهم ولم اسمح لاحدهم باكتشافه.

اخذت تتعاظم قدرتي على الانفصال عن عالم الواقع والاستغراق في احلام اليقظة.. فمن خلال تلك الاحلام كنت انطلق خارج قضبان السجن واسوح في الشوارع وحدي. اسافر الى بلاد لا اعرفها، والتقي بغرباء يجبونني واحبهم.

كنت الغي دائماً وجود احد من اهلي خلال اسفاري الخيالية. فاهلي هم سجني الذي اريد ان افلت من ابوابه المغلقة.

لم تكن قدرتي على الانفصال من عالم الواقع شيئاً جديداً.فمنذ طفولتي كنت اوي الى شجرة في الدار وامضي اركز نظري على ابهام يدي اليسرى دون ان يطرف لي جفن. كنت اركز النظر باستغراق كبير حتى يصل الى درجة يصبح فيها ابهام يدي وبالتالي يدي كلها غريبة عني، خالية من كل دلالة او معنى، شيئاً لا علاقة لي به اطلاقاً، ثم اصبح انا نفسي غريبة عن نفسي، واظل اكرر في تفكيري الصامت هذا السؤال : من انا؟ من انا؟ واردد اسمي في تفكيري عدة مرات. ولكن اسمي كان يبدو لي غريباً عني ولا يدل على أي شيء.

وهنا كانت تنقطع صلتي بامسي وبنفسي وبكل ما حولي، اغرق في حالة غريبة جداً من اللاحضور واللاشيئية.

فاذا رفعت بصري عن ابهامي ونظرت حولي عدت الى نفسي والى العالم الخارجي. مغتبطة بامتلاكي القدرة على الخروج من نفسي بهذا الشكل الغامض ثم العودة اليها.

كانت العملية لعبة تسليني، وحين حدثت امي عنها حذرتني من العودة الى هذا الامر فقد يودي بي الى الجنون.

وافزعتني ملاحظة امي وتوقفت تماماً عن تركيز بصري على ابهام يدي اليسرى ورحلة الغياب الغريبة.

في تموز 1929 عاد اخي ابراهيم من بيروت يحمل شهادته من الجامعة الامريكية ببيروت ليمارس مهنة التعليم في (مدرسة النجاح الوطنية).
مع وجه ابراهيم اشرق وجه الله في حياتي.
كانت عاطفة حبي له قد تكونت من تجمع عدة انفعالات طفولية سعيدة كان هو مسببها وباعثها.

اول هدية تلقيتها في صغري كانت منه.

اول سفر من اسفار حياتي كان برفقته.

كان هو الوحيد الذي ملأ الفراغ النفسي الذي عانيته بعد فقدان عمي، والطفولة التي كانت تبحث عن اب اخر يحتضنها بصورة افضل واجمل وجدت الاب الضائع مع الهدية الاولى والقبلة الاولى التي رافقتها.

ان تلك الهدية بالذات، والتي كان قد احضرها الي من القدس ايام كان تلميذاً في مدرسة المطران، تلك الهدية التي كانت اول اسباب تعلقي بابراهيم ذلك التعلق الذي راح يتكثف فيما بعد بصورة قوية.

كان تعامله معي يعطيني انطباعاً بانه معني باسعادي واشاعة الفرح في قلبي، لا سيما حين كان يصطحبني في مشاويره الى الجانب الغربي من سفح جبل عيبال.

كان ياخذ مجلسه على واحدة من صخور الجيل الكلسية، ويسمح لي بالانطلاق بينما ينصرف هو الى التامل. اما انا فكنت امضي الى الشعاب القريبة. اقفز كالمغزى من صخرة الى صخرة. واتطلع حولي باحثة عن بقلة (الشمر) ذات الرائحة الزكية والتي كنت احب مذاق سيقانها الطويلة، المستديرة، الريانة، كما كنت الملم باقة من زهر قرن الغزال وشقائق النعمان والبابونج، وبين حين وآخر كان ابراهيم يلتفت ويوصيني بالا اوغل بعيداً عنه.

كان فرحي بتلك المغامرات الصغيرة يتميز بخلوه من توقع عقاب الاهل، فلقد كان الخوف ينغص علي دائماً افراحي الصغيرة، اما مع ابرهيم فقد كنت اشعر بالتحرر من كل المنغصات.

منذ صغري اعلن عن نفسه ميلي الفطري للشعر. كنت اجد متعة كبيرة في ترديد محفوظاتي المدرسية منه، واقف مملوءة بالانبهار والدهشة امام ما يقع عليه بصري من قصائد او مقطوعات مطبوعة في الكتب المدرسية او في الصحف التي كان يحضرها ابي واخوتي الى البيت، وذلك رغماً عن عجزي عن ادراك مضامينها.
كان هناك كتاب اسمه (الكشكول) يضم مجموعة من الطرائف والشعر والاخبار الادبية والتاريخية. وفي هذا الكتاب كان لي اول لقاء مع قصيدة (ايها الساقي اليك المشتكى).

وضعتني القصيدة او بالاحرى الموشح في دائرة سحرية غامضة، لعل منشاها موسيقاه الخارجية المنبثة من طبيعة الوزن، والمتميزة بتنوع القوافي، مع الالتزام بقافيتي الشطرين الاخيرين من كل مقطع، مما اكسب الموشح ايقاعاً يريح السمع ويهدهد النفس.

اما الكلمات فكان معظمها بالنسبة لي محملاً بمعان انفعالية نفسانية غير التي قصدها الشاعر.

كان السقاؤون في تلك الايام يزودون بيوت البلدة بالماء باستثناء بعض البيوت القليلة، لا سيما بيوت الاقطاع القديمة. والتي كان اصحابها يمتلكون حصصهم الخاصة بهم من مياه الينابيع العديدة في البلدة.

وكانت المياه تصل الى تلك البيوت بواسطة القنوات الفخارية تحت سطح الارض وتصب في البرك القائمة وسط ساحات البيوت الفسيحة.

وحين كنت ابدا بالقاء المطلع (ايها الساقي اليك المشتكى قد دعوناك وان لم تسمع) كانت كلمة الساقي تتخذ في ذهني معنى انفعالياً حاصاً، مقروناً بصورة السقاء الكهل الذي كان يزرد بيوت (حارة العقبة) بالماء ينقله اليها من (عين الكأس) شرقي البلدة.
كان مجيء السقاء الى منزل خالتي في (حارة العقبة) مبعث اثارة محببة لي، فمنذ يطأ بقدمه اول درجة من درجات السلم الخارجي المفضي الى الدار، كان صوته يرتفع بالكلمات المألوفة : ياساتر، يا الله" وذلك تنبيهاً للنسوة لكي يتوارين خلف الابواب.
كنت اركض الى السقاء واقف بجانبه عند الزير الكبير، ارقبه وهو يرفع القربة عن ظهره بيديه القويتين، ثم يسندها الى بطنه وقد جعل فوهتها المربوطة على فم الزير الواسع، وبعد ذلك يشرع بفك الرباط، فيندلق الماء العذب الفضي في الزير الذي لم يكن ليمتليء قبل ان يبتلع حمولة اربع قرب او اكثر.

كان الساقي الذي يخاطبه الشاعر يمثل دائماً في خيالي متقمصاً شخصية السقاء الكهل، سقاء (حارة العقبة). ولما كنت اجهل ما هو (الزق) في قوله : (جذب الزق اليه واتكأ) فقد استلزم الفعلان (جذب - واتكأ) اعطاء كلمة الزق عندي معنى الوسادة.
اما النديم الذي هام الشاعر في غرته، (ونديم همت في غرته) فكنت اتخيله ابن جارنا بائع حلاوة الطحينية، ذلك الفتى الاسمر الطويل النحيل الذي كان يحمل اسم نديم، وهكذا كان يعطي خيالي للكلمات صوراً ودلالات خاصة به وحده، وكنت اغتنم فرصة غياب ابي وابناء عمي وقت العصر فارتقى السلم الخارجي المكشوف المؤدي الى احد طوايق الدار العليا. واقف متجهة نحو الشجر المنتصب في صحن الدار، واشرع في القاء الموشح بصوت واثق مرتفع، مقلدة بذلك ابرهيم في القائه للشعر، واتخيل نفسي شاعرة تقرأ شعرها على الجمع المحتشد كما يفعل ابراهيم، واستغرق في تخيل الصورة حتى يكاد يصبح الخيال في احساسي حقيقة، فاذا انتهيت عدت الى الانشاد مرة ثانية، ثم ثالثة، ثم اربعة، وانا في حالة اشبه بالجذب الصوفي.
بعد ستة وعشرين عاماً، في عصر يوم من ايام حزيران 1955، وقفت في قاعة (وست) في الجامعة الامريكية في بيروت، لاواجه لاول مرة في حياتي الحشد الذي دعته الدائرة العربية في الجامعة للاستماع الى مختارات من شعري.

خلال الدقائق التي كان يقدمني فيها الاستاذ جبرائيل جبور، وبينما انا اجيل بصري في الوجوه امامي، مر بعيني شريط سريع قصير، رايتني فيه بمواجهة الشجر المنتصب في صحن الدار، القي على مسامعه القصيدة العزيزة: "ايها السافي اليك المشتكى قد دعوناك وان لم تسمع !" وابتسمت.

ربما بدت ابتسامتي في ذلك الحين وكأنها تحية للحاضرين، وما كنت في الحقيقة الا تحية لتلك البنت الخيالية البعيدة، الماخوذة بقصيدتها وبالحالة الشعرية الصوفية الغامضة التي كانت تعتريها عند القاء الموشح على شجر الدار. ثم تجاوزت مجرد انشاد الشعر الى محاولة كتابته. كان داخلي يمتليء احياناً بمشاعر غير واضحة، وبانفعالات مبهمة، خصوصاً اذا استمعت الى الموسيقى والغناء.

فهنا كنت اشعر بميل الى التعبير عن شيء ما، شيء احس به ولا افهمه. فاهرع الى قلم وورقة سرعان ما تمتليء بكلمات لا رابط بينها، ثم اذهب بالورقة المحملة بالالغاز الى ابراهيم، وارجوه بصوت متردد ان يقرأ ما كتبت (من شعر). ولم يكن ابراهيم يخيب رجائي، بل كان يقرأ الكلمات ويبتسم لي ويربت على كتفي، وانصرف انا دون ان اسمع كلمة تشجيع او تثبيط. ظلت الموسيقى حتى اليوم تشعرني بالصفاء الروحي، وتحرك في داخلي تلك الحالة الغامضة المصحوبة بالرغبة في كتابة الشعر.

ولقد التقيت في كتاب (العهد القديم) ببعض انبيائه الذين كانوا يستعينون بالموسيقى على تجلي الرب، فيهبطون من الاكمة، امامهم رباب ودف وعود، وهم يتنبأون فيحل عليهم روح الرب. كما التقيت باليشع الذي قال : الان فاتوني بعواد، فلما ضرب الاعواد كانت عليه يد الرب. اجل. ان الموسيقى تثير الوجدان، وتحرك الخيال، انها تجعلنا نحلم ونرى عوالم غير منظورة، تعج بالحيوية والحركة.

أي دور تلعبه الصدفة في حياتنا !

حادث تافه، او خبر عادي، او محض مصادفة تعترض طريق المرء، فيتغير معها مجرى الحياة، وتنعطف طريق السير انعطافة حادة قاطعة وتصبح الدنيا غير الدنيا والعالم غير العالم.

لو لم يعترض ذلك الغلام طريقي، ولو لم يحبسني اخي يوسف بين جدران الدار الهرمة، لاستمرت حياتي تسير في اتجاهها المألوف العادي، ولكنت واصلت دراستي في المدرسة العائشية حتى نهاية السنة الخامسة، وعندئذ ما كان ابراهيم ليفكر في ان يجعل مني تلميذة له.

كان قد علم من امي بسبب قعودي في البيت، لكنه وهو الانسان الواسع الافق، الحنون، العليم بدخائل النفس البشرية، نظر الى ذلك الامر نظرة سبقت الزمن خمسين سنة الى الامام. لم يتدخل، ولم يفرض ارادته على يوسف العنيف، لكنه راح يعاملني بالحب والحنو الغامر. وظلت تتجمع الامور الصغيرة لتصبح جسراً ينقلني من حال الى حال. كل ما كان منتظراً هو فقط الصدفة العابرة! ودق جرس الغيب ليعلن قدوم اللحظة، الصدفة

كان ابراهيم قد وصل لتوه لتناول طعام الغذاء، وشرع يتحدث الى امي بفرح -بينما هو يغسل يديه عن تلميذين من تلاميذه كانا قد جاءا اليه في الصباح بقصائد من نظمها، خالية من عيوب الوزن والقافية، وكم كان فخوراً ومسروراً وهو يتحدث عن الموضوع، وبعفوية مطلقة، وبصوتي الخافت الضعيف قلت : "نيالهم!" وتعني الكلمة بالفصحى : هنياً لهم.

نظر الي ابراهيم وصمت. ثم قال فجأة : سأعلمك نظم الشعر، هيا معي. كانت امي قد سكبت له الطعام، ولكنه ترك الغرفة. ولحقت به، وارتقينا معاً السلم المؤدي الى الطابق التالي حيث غرفته ومكتبته. وقف امام رفوف الكتب وراح ينقل عينينه فيها باحثاً عن كتاب معين. اما انا فكان قلبي يتواثب في صدري، وقد كتمت انفاسي اللاهثة. دقيقتان، واقبل علي وفي يده كنتب "الحماسة" لابي تمام. نظر في الفهرس ثم فتح الكتاب عند صفحة بالذات. قال : هذه القصيدة. ساقرؤها لك واقسرها بيتاً بيتاً ثم تنقلينها الى دفتر خاص وتحفظينها غيباً، لاسمعها منك هذا المساء عن ظهر قلب.وبدأ يقرأ:

" امرأة ترثي اخاها ":

طاف يبغي نجوة من هلاك فهلك

ليت شعري ضلة أي شيء قتلك

أي شيئ حسن لفتى لم يك لك

كل شيء قاتل حين تلقى اجلك

والمنايا رصد للفتى حيث سلك

شرح لي معنى الابيات، فشعرت بخيط رفيع من السوداوية يجز في قلبي. قال : لقد تعمدت ان اختار لك هذا الشعر لترى كيف كانت نساء العرب تكتب الشعر الجميل. ونزلنا الى غرفة الطعام وفي قلبي عالم جديد يضطرب بالانبهار والتوقع. في المساء اسمعته القصيدة غيباً دون خطأ او تلكؤ في تلاوتها. حين اويت الى فراشي ذلك المساء كنت احتضن بين ذراعي دفتراً ذا لون حشيشي باهت، وقلماً ازرق اللون، وعيداً من اعياد الشعور.

ها انا اعود الى الدفاتر والاقلام والدراسة والحفظ. هاانا اعود الى جنتي المفقودة. وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلالات بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء. خط التلميذة في الثالثة عشر من العمر الاسم- فدوى طوقان الصف - شطبت الكلمة وكتبت بدلاً مكنها "المعلم" : ابراهيم طوقان

الموضوع - تعلم الشعر

المدرسة - البيت

ولم تكن هذه بعيني كلمات، بل كانت شموساً واقماراً قبلها كانت حياتي واقفة لا تسير مع الزمن ولا اعرف ماذا افعل بها. اما الان فهاهي حياتي تتحرك، وهاهو ايقاعها يسرع. وهاانا اشعر بتجددي وبعودة الثقة بالنفس من جديد. ما اروع الخطوة الاولى، ما اجملها، ما اشد سحرها !

اصبجت خفيفة كالطائر. لم اعد مثقلة القلب بالهم والتعب النفسي. في لحظة واحدة انزاح جبل الهوان وابتلعه العدم. وامتدت مكانه في نفسي مساحات المستقبل شاسعة مضيئة، خضراء كمروج القمح في الربيع. ويالرهبة الخطوة الاولى.

ان قوى الشر، الظاهرة منها والخافية، لا تهادن ابداً وانها تقبع دائماً في زوايا الدروب متربصة بنا. مع الخطوة الاولى يبدأ العراك والصدام بين ارادة الحياة وقوى الهدم، سواء اكانت عشوائية ام مخططة ومرسومة سلفاً. قالت اختي (فتايا) لابي وهي تظن انها تزف بشرى مثيرة : هل تعلم ان ابراهيم شرع يعلم فدوى نظم الشعر ؟ اشاح ابي بيده، وواصل شرب القهوة المرة. كانت حركة يده حين اشاح بها تحمل كل معاني الاستخفاف والاستهانة. انكمش قلبي مع حركة يده. وتقلص.

انه لا يؤمن انني اصلح لشيء-قلت هذا بيني وبين نفسي - انه لا يحمل لي سوى شعور اللااكتراث، كأنني لا شيء، كأنني عدم وفراغ، كانني لا لزوم لوجودي اطلاقاً. وازدادت الفجوة النفسية بيني وبين ابي عمقاً واتساعاً.

كما بدا هذا الحدث في عيون عمتي وافراد اسرة عمي مثار سخرية بايء الامر. ثم تحولوا الى اعداء حقيقيين. يعملون على قطع الطريق دون مسيرتي الجديدة. وكان عليهم ان يتصرفوا حسب تكتيك خاص وذكي، فلم يكن من الهين اقناع ابراهيم بالعدول عما بدأه معي. فهو مستقل التفكير، صريح، جريء، وصعب الانقياد الى غير ما يؤمن به.

مضيت في المسيرة مع ابراهيم لستة ايام متتالية. فجأة توقف ابراهيم. ثلاثة ايام مرت دون ان يدعوني لاسمع له اخر قصيدة طلب الى حفظها وليختار لي قصيدة اخرى للحفظ. مع هذا الصمت المفاجيء عاد الشعور بالثقل الى قلبي، وبدأت كتفاي تتهدلان من جديد، وعاد ظهري يحدودب وانا امشي، كما في الايام التعيسة السابقة. كنت ذات طبيعة خجول، تعوزني الجرأة واقحام نفسي على الاخرين حتى لو كان ابراهيم، انتظرت حتى يقول هو شيئاً ما، وكان انتظاري على هم وقلق.
في صباح اليوم الرابع كنت قد قررت مبادرته بالسؤال، مستمدة بعض الجرأة من يقيني بمحبته الحقيقية لي ورفقه بي. وكعادتي كل صباح حملت اليه ابريق الماء الساخن لخلافته اليومية. وضعت الوعاء الصغير علىالمغسلة. ووقف هو امام مرآتها البيضوية الشكل متهيأ للقيام بعملية الحلاقة. بدأ يمرر الفرشاة والصابون على جانبي وجهه وعلى ذقنه. اما انا فوقفت بجانبه انظر اليه من خلال المرآة. وابذل مجهوداً صامتاً لابدا بالسؤال، حتى اعانني الله في النهاية وفك عقدة لساني. سالته يصوت مرتعش : هل غيرت رايك؟ هل كففت عن.. وانكسر صوتي وذاب، رغماً عني، في دمعتين. واحابني فوراً وقد اصبحت رغوة الصابون البيضاء تغطي نصف وجهه : كلا لم اغير رايي، ولكنني توقفت لاتاكد من صدق رغبتك في التعلم. سنواصل اليوم الدرس. هبطت الدرج بقامة منتصبة، وفتحت لي الدنيا ذراعيها من جديد. المستقبل ينتظرني، انه هناك، لا ريب فيه، ولا شك !

نقل الموضوع عن ايلاف ـ لبنان


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى