الخميس ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٥
بقلم سها جلال جودت

يمامة تسامح

ذو العينين الجاحظتين الغاضبتين الحانقتين وقف مذهولاً من هول الصدمة، الأطواق الحديدية تزنر معصم ساعديه، ويساق مثل بهيمة إلى قسم الشرطة.

تنوح الزوجة الثانية، تولول تارة، وتارة أخرى تضرب رأسها وتصيح : أمها هي السبب، خرب البيت وما عاد للدبور مكان ولا رائحة، كل هذا بسبب يمامة، ألا يحق له أن يؤدبها؟ كثيراً ما خالفته وخرجت من المدرسة منعطفة في طريقها نحو بيت أمها، قلت له: يا داحس دعنا نغادر البيت إلى مكان قصي عن مكان الأم.

لكنه رفض وبعناده المعروف به، البنت كانت تكذب، هي طفلة والأطفال يكذبون، أنا كنت أعاملها بأحسن مما أعامل أولادي، يا حرام خسروا الأب السند والوعد وراحت يمامة، آ قدرها تروح بس داحس ....... !.

وتصمت حروف الغيم المتكسر عن الكلام، تلبس السواد أم يمامة وتتمدد على السرير الحديدي قائلة: لن أنهض منه إلا وراء يمامة!

يفح ألمها وتنأى عن عالم الموجودات البشرية، تتصور يمامة رضيعة على صدرها، تهدهدها تارة وأخرى تلثم جبينها، يوم أخذ منها اليمامة خفت بريق العينين ولم ينطفئ، وصحبتها رجفة ظلت عالقة في جسدها كلما تذكرت صوت بكاء الرضيعة، أخذها عنوة ، قهراً ، تسلطاً ، وكان الأهل على استعداد بقبول التضحية، لا يهمهم أن تعيش يمامة على صدر أمها وبين أحضانها، كان همهم ألا تخرج أم يمامة من بيتها بلا خراج.

واجتمعت صديقات يمامة في المدرسة يبكون فراقها، ويحكون عن عذابها، زوجة أبيها كم عذبتها؟ كم حرمتها؟ كم ضربتها؟ فتكتب الصحف عنها وعن أسباب موتها.

بعض النساء يأكلن التفاح وبعضهن الآخر يأكلن العلقم، لا تموتي يا أمي، انهضي من سريرك، كان خيراً لي هذا الرحيل، انظري أنا هنا بين حوريات جميلات بياضهن يأخذ بألباب البصر، ما عدت مظلومة، خرجت من حياة كريهة إلى أخرى جميلة ناصعة، ألا ترين الهدوء الساكن في أعماق طفولتي التي نبتت على أصوات الصراخ والضجيج؟ صراخك يا أمي أحاول أن أنساه، عبثاً أفعل! الذي يسليني صوت التسابيح، ألا تسمعينها كيف تعلو تغطي كل مساحات القلق والتوتر وتمسح دموع الألم الفظيع عن كاهلي ؟ لو عرفت أن نهايتي ستكون في هذا الموطن لطلبته بنفسي، ليس ذنبي أن أبي لم يحبك! وليس ذنبك أن أهلك رفضوني، لقد قبلتني السماء بين الحوريات والشهداء والأجنة الذين ماتوا.

هنا دار نعيم وهناك حيث تسكنين دار جهنم، آه يا أمي لو تعلمين بماذا حدثنني عن زوجة أبي، استراح في خاطري أنها لن تنجو، ولن ينجو والدي، لكنني سأتدخل من أجله، سأعفو عن فعلته الكريهة، سأطلب من الله أن يسامحه، كان يربطني بجنزير حديدي ويضعني على بلاط الحمام بلا فراش أو غطاء بعد أن ينهك جسدي بالضرب، تمر أيام وأنا على حالي بلا طعام سوى رغيف خبز يابس وكأس ماء، وسمعت أم يمامة الكلام كله فضحكت، ضحكت حتى ظن أهلها أنها جنت فأسرعت نحوها أمها وضمتها إلى صدرها وهي تبكي، واحدة تضحك وأخرى تبكي، يمامة سامحت أبيها لكن القاضي لم يسامح داحس .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى