السبت ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم إسلام شمس الدين

2005... ماذا تخبئ لنا؟

ها هو (2004) يلملم أوراقه؛ بشَّرها ومُرّها وأحزانها وأتراحها؛ مخلفاً وراءه إرثاً متخماً بالجراح والإحباطات والانكسارات والهزائم، دون أن يترك لنا - بين سطوره - من الذكريات الطيبة، سوى حروفٍ قليلة تحجبها غيمات رمادية متراكمة.

يمضي (2004) دون أن ندرك إلام آل حالنا، ويجيء (2005) دون أن نعرف ماذا يخبئ لنا في عباءته وبين طيات أوراقه.

لم يكن (2004) متفرداً في سوداوية صفحاته؛ كما لم يكن متفردأ في مأساوية أحداثه، فلم يختلف في ذلك عن الأعوام السابقة، وربما لن يختلف كثيراً عن الأعوام القادمة.. إلا أنه انفرد بكونه العام الذي سلب منا آخر كِسْرَات الحلم، وأطفأ آخر شمعات الأمل، وأوصد آخر بابٍ قد يتسلل منه قبسٌ من نور، وقطع آخر خيوط الرجاء الواهم التي كنا نتشبث بها - دون مبرر- في أن يسود الخير والسلام والصفاء عالمنا المتغلغل قبحه حد التوحد.

علّمنا (2004) أن نزرع الأشواك بدلاً من الورود، وأن نزرع الموت بدلاً من فسائل النخيل، وأن نقتلع الجمال لنغرس الخراب والدمار، وأن نغتصب الطهر والبراءة لتولد العداوة والكراهية، وأن نتوقف عن البوح في حدائق الحب لنفسح للنوح مكاناً في الفضاءات المعتمة.

لقد استطاع (2004) بكل براعة أن ينزع آخر ما تبقى من المشاعر الإنسانية، وأن يحرمنا الحب؛ أن نجهر به ، أو نشعر به، أو نرنو إليه...

استطاع أن يطهر العالم من آخر فلول الحق والخير والعدل والحب والجمال والسلام والأمن والحرية، ليبدلها بالشر والظلم والطغيان و الكراهية و القبح..

لم يدع لنا (2004) مساحة أملٍ نبصر من خلالها غداً أفضل؛ أو نحلم أن يكون أفضل.

و مع كل انكسارات (2004) التي تذخر بها الصفحات، فإن أقساها على الإطلاق هو تلك الهزيمة النفسية التي ضربت بعنف جذورنا، واحتلت عقولنا و وجداننا، حتى أضحت جزءاً من تكويننا.. تلك الهزيمة التي تتضح جلية في حواراتنا وسلوكياتنا وتعاملاتنا مع النفس ومع الآخر ومع الأحداث... فرحنا نتخبط ؛ تلفنا الفوضى حولنا وداخلنا، تغلف العشوائية مفاهيمنا وأفكارنا وقراراتنا.. اختلت الموازين و تبدلت المقاييس، واختلط الصواب بالخطأ، وأعلنت العبثية نفسها حاكماً أوحداً لنا.

تزاحمت حولنا الخطوب وتأَلبت علينا الذئاب، فاكتفينا بالوقوف موقف المتفرج حينا، وإطلاق زفرات الأسى حيناً، والتردي في دروب الفوضى حيناً.

ما عاد يثيرنا انكسار، أو يحفزنا انتصار، أو يؤلمنا خزيٌ أو عار.

ما عادت الضربات توجعنا فتقوينا، ما عادت تميتنا أو تحيينا.

يسكننا الإحباط، و يتملكنا اليأس، ويقودنا التخاذل واللامبالاة.

آثرنا الهروب من مواجهة الحاضر الصعب إلى التحليق في سماء الماضي العاطر بأمجاد السابقين.

زدنا اغتراباً على اغترابنا، وعزلةً فوق عزلتنا، وفُرْقَةً تقسمنا فتقصمنا.

نثرنا الأحقاد والعداوات بيننا، فحصدنا الشتات والضياع والعجز والهوان.

هان علينا أمرنا، فهنا وهان أمرنا على العالمين.

فما أحوجنا الآن للمصارحة والمصالحة مع النفس، وما أحوجنا إلى شئ من التقارب والتآلف..
ما أحوجنا للمصافحة بقلوبنا قبل أيادينا، والتعاضد والتكاتف في مواجهة ما ينتظرنا في العام الجديد..

ما أحوجنا لغسل نفوسنا بماء الجمال، وعقولنا بماء الإبداع، وقلوبنا بماء المحبة والتسامح.

فهل من بقايا أملٍ شاردة؟؟

( 2005 )...

عذراً.. فكم وددنا لو نتمنى لك السعادة، إنما ليس في الصورة ما يبهج أو يدعو للتفاؤل؛ ألوانها داكنة وظلالها رمادية وزواياها مظلمة..

وبالرغم من هذا.. سنحاول ألا نفرط في التشاؤم؛ سنفتش عن بقاع ضوء مختبئة هنا أو هناك.. سنمارس تلك العادة الأزلية الساذجة التي لم يعد لها أي مبرر؛ ونتبادل الأمنيات الطيبة بأن يكون (2005) عاماً سعيداً، مرددين تلك المفردات التي شُطبت من قواميس عالمنا: السلام، الخير، الأمن، العدل، الحب، التسامح، الجمال، الأمل.

عزيزي القارئ..

"عـام سعيـــد"!!!


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى