الختان عبودية لا عبادة - الحلقة السابعة الختان والدين

، بقلم خالد المنتصر

الختان لم يذكر فى القرآن وجميع الأحاديث التى تناولته ضعيفة

من أسماء الله الحسنى الرحمن الرحيم، والدين هو الرحمة.. هو السكينة.. هو الحنو.. هو الأمان.. هو الكرامة.. هو الإنسانية. والختان من المؤكد أنه يتعارض مع الدين الحنيف لأنه إجراء شرير لا يعرف الرحمة، ويخلو من السكينة، وقلب من يجريه لا يعرف الحنو، تفقد معه بناتنا إحساس الأمان، وتنزع من كيانهن الكرامة، لأن من يأمرون به ويدعون إليه ضد الإنسانية.

أرجو قبل أن أخوض فى موضوع الختان من الناحية الدينية معتمداً على آراء رجال الدين المستنيرين والمفكرين الإسلاميين الذين يقرأون الواقع ويجددون فى الخطاب الدينى، أرجو من الجميع أن يقرأوا معى القرآن الكريم الذى لم يذكر الختان فى أى آية من آياته، لكى نتعرف على فلسفته فى التعامل مع الجسد البشرى واحترام حرمته، الجسد المقدس الذى كرمه الله سبحانه وتعالى، لنقترب من هذه الآيات ونتأمل:
- خلق كل شىء فقدره تقديراً (سورة الفرقان)
- أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً (سورة النور)
- فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله (الروم)
- الذى أحسن كل شىء خلقه (السجدة)
- لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم (التين)
- كل شىء خلقناه بقدر (القمر)
- وقال الشيطان لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرون خلق الله ومن يتخذ الشيطان من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً (النساء).

وقد علق المفكر الإسلامى د. محمد سليم العوا فى مقال بجريدة الشعب 18 /11/1994 على هذه الآية الأخيرة بقوله القرآن الكريم جعل من المعاصى قطع بعض الأعضاء ولو من الحيوان، بل هو مما توعد الشيطان أن يضل به بنى آدم فى أنعامهم وقرنه بتغيير خلق الله ، والختان للإناث بصورته التى يجرى بها فى مصر، وفى أجزاء أخرى من العالم الإسلامى، فيه تغيير لخلق الله، ومن قطع بعض الأعضاء المعصومة ما لا يخفى، وإذا كان هذا فى الحيوان من اضلال الشيطان فكيف يكون فى الإنسان؟. ويقول الشيخ عبد الرحمن النجار عن نفس المعنى البنت الصغيرة التى يريد أبواها أن يختناها لو كانت عندها قدرة على التعبير لصاحت فى وجههما: اتركانى ولا تعذبانى، والإسلام نهى عن التعذيب، والرسول قال: من أذى مسلماً فقد آذانى ومن أذانى فقد آذى الله. اتركانى لطبيعتى الأنثوية التى خلقنى الله عليها ولا تضرانى صحياً ونفسياً وإجتماعياً. والله تعالى يقول: لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم، إن هذا هو نداء الفطرة التى فطرنى الله عليها، واقتبست د. نوال السعداوى من جوهر الدين ما ساعدها على تكوين رأيها فى الختان بنفس المعنى الذى وصل إليه المفكران الإسلاميان السابقان وإن اختلفت الألفاظ، فهى تقول فى كتابها "المرأة والصراع النفسى": إن الدين بمعناه العام هو الصدق والمساواة والعدالة والحب والصحة لجميع الناس رجالا ونساء، ولا يمكن أن يكون هناك دين يدعو إلى المرض أو تشويه أجساد البنات وقطع بظورهن، وإذا كان الدين من عند الله فكيف يمكن للدين أن يأمر بقطع عضو فى الجسم خلقه الله. المفروض أن الله لا يخلق الأعضاء إعتباطا، ولا يمكن أن يخلق الله البظر فى جسد النساء ثم ينزل على الناس ديناً يأمرهم بقطع هذا البظر، فهذا تناقض خطير لا يقع فيه الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الله قد خلق البظر كعضو حساس للجنس وظيفته الأساسية والوحيدة هى الإحساس بلذة الجنس، فمعنى ذلك أن الله قد أباح للنساء اللذة الجنسية وأنها جزء من الصحة النفسية، وعلى هذا فإن المرأة التى تحرم من اللذة الجنسية تحرم جزء من الصحة النفسية، ولا يمكن أن تكتمل صحة المرأة النفسية بدون اكتمال لذتها الجنسية، وهكذا ومن إحساسنا ومعرفتنا بالمقاصد الكلية للدين وفهمنا المستنير لفلسفة القرآن نستطيع أن نصل إلى تأكيد بأن الختان يتعارض مع الدين ومع القرآن، وأيضا مع قواعد الشريعة التى تحكم الاجتهاد والتى لخصها د. شوقى الفنجرى فى كتابه عن الختان فى النقاط التالية:

- أنه لا يجوز أخذ أى تشريع أو قاعدة شرعية من حديث ضعيف لأن معنى الحديث الضعيف أنه قد يكون مكذوبا أو موضوعا لغرض ما.
- أنه إذا أختلف الرأى بين عالم الطب وعالم الدين فى قضية علمية أو طبية فإن رأى الطبيب هو الذى يؤخذ به لأنه أكثر فهماً ودراية فى تخصصه.
- فى الشريعة قاعدة تقول لا ضرر ولا ضرار، ومعنى ذلك أن أى مسألة يكون فيها ضرر للمسلمين حسب رأى أهل الاختصاص فعلى المشرع أن يتركها ويتجنبها.

نأتى بعد ذلك إلى السنة التى يعتمد مؤيدو الختان والمدافعون عنه عليها كسند لهم ودليل على قوة حجتهم، وسنقوم بالرد عليهم من خلال تفنيد رجال الدين لآرائهم وللأحاديث التى اعتمدوا عليها، ونثبت أن ما يدافعون عنه فى الحقيقة هو موقفهم الرجعى من المرأة و ارتباطهم بعادات وتقاليد زائفة وليس دفاعا عن الدين وجوهره وغاياته. ونبدأ أولا قبل الخوض فى الأحاديث وبيان صحتها بسؤال عقلى غاية فى البساطة، وهو هل ختن الرسول بناته؟‍، ولو كان قد فعل فإن المؤيدين سيكون لديهم الحق والدليل الدامغ. ولكن المدهش أن الإجابة هى بالنفى وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، وأن هذا السؤال البسيط لم يفكر فيه المؤيدون برغم بساطته وبديهيته. وقد أجاب الشيخ عبد الرحمن النجار عن هذا السؤال فى كتابه "موقف الإسلام" بقوله "والرسول كانت له أربع بنات ولم يؤثر فى سيرته أنهن أختتن". وقد آثرت أن أذكر هذا قبل الخوض فى تفاصيل الأحاديث لأقول أن السيرة تؤيدنى، وأننا سنخوض فى بحار عميقة من الجدل قد كفانا الرسول- صلى الله عليه وسلم جهد الخوض فيه بسيرته العطرة نفسها، ولكن علينا لكى نكمل البحث ونفحم مؤيدى الختان الذين غسلوا العقول، أن نعرض للأحاديث التى يعتمدون عليها أولا ثم نرد عليها من واقع اجتهادات رجال الدين المستنيرين.

- الحديث الأول هو "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء". وهذا الحديث منقول عن الحجاج بن أرطأة، ويقول القرطبى وبن حجر والحجاج ليس ممن يحتج به.

- الحديث الثانى والذى قيل بصيغ مختلفة من ضمنها "إذا ألتقى أو مس أو جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".

- الحديث الثالث وهو أشهرهم وهو الذى استخدمه مؤيدو الختان، ورواياته مع إمرأة تختن الجوارى، فى الرواية الأولى دون ذكر اسم امرأة أو مع ذكر اسم أم عطية وأم أيمن وأم طيبة، والرواية الثانية ذكر فيها اسم أم حبيبة وأم حبيب، وقد جاء فى سنن بن داود أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبى لا تنهكى فإن ذلك أحظى للرجل وأحب للبعل، وقد علق عليه أبو دواد فى سننه الجزء الخامس قائلا ليس بالقوى وقد روى مرسلاً، ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف، والرواية الثانية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليم وسلم لأم عطية إذا خفضت فأشمى ولا تنهكى فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج، وقد قال بن داود عن هذا الحديث حديث ختان المرأة روى من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة ولا يصح الاحتجاج بها. وهناك رواية ثانية المشهورة باسم رواية أم حبيبة وهى أكثر الروايات ترديداً فى مصر، وأشهر من ذكرها الشيخ الراحل جاد الحق فى فتواه عام 1994 ولكنه لم يذكر مصدرها وقد قال فى فتواه الغريبة وقتها وهى أن ترك الختان يوجب قتال تاركيه!، وكذلك ذكرها د.حامد الغوابى فى كتابه ختان البنات، والرواية تقول عندما هاجر النساء كانت فيهن أم حبيبة، وقد عرفت بختان الجوارى، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: يا أم حبيبة هل الذى كان فى يدك هو فى يدك اليوم؟، فقالت: نعم يا رسول الله، إلا أن يكون حراماً فتنهانى عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو حلال، فادن منى حتى أعلمك، فدنت منه، فقال: يا أم حبيبة، إذا أنت فعلت فلا تنهكى، فإنه أشرق للوجه وأحظى للزوج.

عرضنا للأحاديث التى تناولت الختان وتعليقات علماء الحديث والفقهاء القدامى عليها، ولكن ماذا قال فقهاء زماننا ومفكرى عصرنا الإسلاميين عن هذه الأحاديث؟.
بالنسبة للحديث الأول يقول سليم العوا: ليس فى هذا النص حجة لأنه نص ضعيف، مداره على راو لا يحتج بروايته، فكيف يؤخذ منه حكم شرعى بأن أمراً معيناً من السنة أو من المكرمات، وأقل أحوالها أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعى لا يثبت إلا بدليل صحيح، وحديث التقاء الختانين يقول عنه العوا لا حجة فى هذا الحديث الصحيح على ذلك، لأن اللفظ هنا جاء من باب تسمية الشيئيين باسم الأشهر منهما، أو باسم أحدهما على سبيل التغليب، ومن ذلك كلمات كثيرة فى صحيح اللغة العربية منها العمران (أبو بكر وعمر) والقمران (الشمس والقمر) والعشاءان (العشاء والمغرب).. إلخ. فلفظ الختانين لا دلالة فيه على مشروعية ختان الإناث، والحديث وارد فيما يوجب الغسل وليس وارداً فى أمر الختان أصلاً.

نأتى إلى أشهر الأحاديث وهو الحديث الأخير، والذى استخدم فى الرد على كل وزير صحة يتجرأ ويمنع الختان فتجلده الألسنة بأنه مارق عن الدين، فيبدأ فى التراجع، يقول عنه العوا حديث أم عطية بكل طرقه لا خير فيه ولا حجة تستفاد منه، ولو فرضنا صحته جدلاً، فإن التوجيه الوارد فيه لا يتضمن أمراً بختان البنات، وإنما يتضمن تحديد كيفية هذا الختان إن وقع، وسأحاول أنا تقريب المعنى الذى قصده د. العوا، وهو أننى لو أمرت مريضا عندى بأن يخفض السجائر التى يدخنها إلى خمس سجائر فقط بعد أن كان يدخن علبتين، فهل يعنى هذا أننى قد أمرت بتدخين السجائر وأدعو إليها؟، أم أننى أتماشى مع عرف سائد وأريد تخفيفه على مراحل!!، وعن هذا المعنى يقول أنور أحمد فى كتابه "آراء الدين": من يتدبر الحديث المنسوب إلى النبى يمكن أن يتصور أن النبى لم يرد أن يصادر عرفاً جرت عليه العرب، وعادة تأصلت فى نفوسهم، فأراد أن يخفف من غلوائها ويحد من أضرارها، فجرى حديثه للخاتنة بهذا التوجيه الكريم الرحيم، وعن حديث أم حبيبة فهو مكذوب أيضا عند العوا ويقول عنه هذا الحديث لا يوجد فى كتب السنة، وليس هناك ذكر فيها لامرأة بهذا الاسم كانت تقوم بهذا العمل، فكلامهم هذا لا حجة فيه، بل لا أصل له. ويقول الإمام شلتوت معلقاً على هذه الأحاديث جميعاً فى فتاويه الصادرة 1959 وقد خرجنا من استعراض المرويات فى مسألة الختان على أنه ليس فيها ما يصح أن يكون دليلا على السنة الفقهية فضلاً عن الوجود الفقهى، وهى النتيجة التى وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله: ليس فى الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع، وأن كلمة سنة التى جاءت فى بعض المرويات معناها إذا صحت الطريقة المألوفة عند القوم فى ذلك الوقت، ولم ترد الكلمة على لسان الرسول بمعناها الفقهى الذى عرفت به فيما بعد. والذى أراه أن حكم الشرع لا يخضع لنص منقول وإنما يخضع فى الذكر والأنثى لقاعدة شرعية عامة وهى أن إيلام الحى لا يجوز شرعاً إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذى يلحقه.

كذلك يؤكد الشيخ سيد سابق على نفس المعنى قائلا: الختان لا يجب على الأنثى ، وتركه لا يستوجب الإثم، ولم يأت فى كتاب الله ولا فى سنة رسوله عليه السلام ما يثبت أنه أمر لازم، وكل ما جاء عن رسول الله فى ذلك الأمر به ضعيف لم يصح منه شىء ولا يصح الإعتماد عليه، والواجب لا يكون واجبا إلا إذا كانت هناك آية قرآنية توجبه، أو حديث صح سنده ومصدره، أو إجماع من الأئمة، وهذا الأمر لم يرد فيه آية ولا حديث صحيح ولم يجمع عليه العلماء. وأيضا يقول الشيخ محمود خضر 1997 فى معرض رده على الشيخ جاد الحق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن كنت فاعلة يدل على أن الأمر من أوله لآخره مكروه، وأن الأفضل البعد عنه نهائيا. وأما فتوى الشيخ سيد طنطاوى رداً على طلب وزير الصحة السابق على عبد الفتاح 1994 فيقول فيها: عن ختان البنات لم يرد بشأنه حديث يحتج به، وإنما وردت أثار حكم المحققون من العلماء عليها بالضعف. وقد ذكر هذه الأحاديث جميعها الإمام الشوكانى فى كتابه "نيل الأوطار"، وحكم عليها بالضعف. وقال صاحب كتاب "عون المعبود فى شرح سنن أبى داود" بعد أن ذكر ما جاء فى الختان وحديث ختان المرأة روى من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة ومعلولة، مخدوشة لا يصح الاحتجاج بها، ويقول فى نهاية فتواه أما بالنسبة للنساء فلا يوجد نص شرعى صحيح يحتج به على ختانهن، والذى أراه أنه عادة انتشرت فى مصر من جيل إلى آخر. ومن الأدلة على أنها عادة ولا يوجد نص شرعى يدعو إليها، أننا نجد معظم الدول الإسلامية الزاخرة بالفقهاء قد تركت ختان النساء، ومن هذه الدول السعودية ومعها دول الخليج وكذلك دول اليمن والعراق وسوريا وشرق الأردن وفلسطين وليبيا والجزائر والمغرب وتونس.. إلخ. وقد اتفق معه فى الرأى د. سيد رزق الطويل عميد كلية الدراسات الإسلامية وقتها وأيد كلام د. طنطاوى ورفض فتوى جاد الحق قائلا: إننى أستغرب كلامه بمحاربة القرية التى لا تلتزم بالختان فمعنى ذلك أن علينا أن نحارب العالم كله ما عدا مصر والسودان!!. ومن العلماء غير المصريين الذى أدلوا بدلوهم فى القضية الشيخ عبد الغفار منصور مستشار الفقه الإسلامى فى مكة المكرمة فى بحثه الذى ألقاه فى مؤتمر السكان بالقاهرة، وقال إننا لا نعرف عادة الختان فى مكة لا قبل ميلاد الرسول ولا بعد بعثه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بإجراء الختان لبناته، وحتى يومنا هذا فإن عادة الختان غير معروفة فى مكة.

بعد كل هذه الآراء الدينية من رجال الدين وعلمائه ومفكرى هذا العصر الأجلاء وكلها تدين الختان، ألا تندهشون معى لماذا وبرغم كل هذا تظل هذه العادة الهمجية تغرس أنيابها فى رقبة المجتمع المصرى حتى تمص دماءه؟ ولماذا يسيطر الفكر الغوغائى على هذه الأسر والمجتمعات التى تحسب أن البنت عار مقيم، وقمعها واجب، وكبتها فضيلة، وبترها فريضة، ودموعها كذب، وألمها احتيال؟. نريد الإجابة بأن يقف المجتمع أمام المرآة ويرى تجاعيده بصراحة وقسوة، ويعترف بأن البنت لابد أن توضع فى مآقى العيون، وبدلاً من أن يرفع سكيناً ليجرح أحاسيسها ويغتال مشاعرها، يهديها ياسمينة لتطوق عنقها الجميل البرىء، ولتعرف بعدها أن الحياة تستحقق أن تعاش بدون دماء.


خالد المنتصر

الدكتور خالد المنتصر: كاتب مصري

من نفس المؤلف