الثلاثاء ٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٤
قصة قصيرة
بقلم نزار بهاء الدين الزين

الكـنز

جلس ممتاز بك في صدر الليوان و قد ارتدى قمبازه الصاية ( ملابس شامية تقليدية) و أخد يداعب مسبحته (الكهرمان) و كأنما يعد خرزاتها بينما انشغلت عيناه بتأمل البحرة الرخامية بمائها الدافق و صوتها الرخيم مضفيا شعورا بالراحة و الاسترخاء؛ ثم سرح فكره إلى الماضي السحيق يوم كان ضابطا في الجيش العثماني مسؤولا عن التموين في متصرفية جبل لبنان، كانت حقا أيام عزٍّ أين منها الآن – همست ذاته لذاته -.

اختلس نظرة إلى سيفه المعلق بقبضته الذهبية فتداعت للحال صور بذته العسكرية وأوسمته البراقة التي كانت تنتشر على صدره في المناسبات الرسمية و شركسيته السوداء ( نوع من القبعات) تزينها شارة رتبته المذهبة و عصاه القصيرة الملبسة بالجلد المزخرف؛ كانت حقا أيام عزٍّ أين منها الآن؟

وصل شريط الذكريات الآن إلى الدارة، كانت قصرا من طبقتين تطل إحدى شرفتيه الكبيرتين على وادي حمانا بصنوبراته الباسقة و غييماته العابثة التي كانت لا تكف عن الرقص على أنغام النسيم العليل، بينما تطل الأخرى على سكة القطار و من خلفها طريق العربات المؤدية إلى بيروت شرقا و دمشق غربا.

تخيل أنه يعيش تلك اللحظات؛ الدارة تعج بالخدم و العسكر و العربة ذات الحصانين و سائقها الأرنؤوطي ( الألباني) في انتظاره ليتوجه إلى مكتبه، و الخيرات تتدفق من كل صوب فقد كان يملك التصرف بأطنان من الأرزاق و اللوازم و يتحكم برقاب عشرات المقاولين و المنتفعين الذين ما كانوا ليكفوا عن تقديم الهدايا و الخدمات له أو لأفراد أسرته فتسربت إلى صندوقه الحديدي آلاف المجيديات ( نقود عثمانية) و مئات الليرات الذهبية؛ كانت حقا أيام عزٍّ أين منها الآن؟!

تجسد له الآن منظر الشيب و الشبان. ذكورا و اناثا، يمشون الهوينى على طول سكة القطار و ظهورهم محنية و عيونهم تبحث عن حبيبات القمح أو الشعير أو الذرة مما يتسرب من مقطورات قطار مر في الليل أو عند الصباح، كان سعيد الحظ منهم من يتمكن في آخر اليوم من التقاط حفنة يصنع منها رغيف ( صاج) يسد به رمق أطفاله.

أما هو- وعائلته - فقد كان يعيش عيشة أمراء ألف ليلة و ليلة، مما أوغر صدور الضباط الأتراك و خاصة بعد أن أصبح الضابط العربي الوحيد في صوفر – فقد تشتت الضباط العرب الآخرون ضمن خطة التتريك - فلما شعر أنه أصبح غريبا بينهم و أنه مراقب أوقف كل مظاهر البذخ و ابتدأ يستعد لما هو أسوأ، فاشترى بيتا جميلا في حي القيمرية في دمشق و أراض زراعية في غوطتيها الشرقية و الغربية ثم سجلها جميعا باسماء أهل بيته و اخوته و أخواته. كانت أياما عصيبة – همس لنفسه – و خاصة عندما ابتدأت محاكمات ( عاليه) و ما تبعها من اعدام لعدد كبير من السياسيين و المثقفين العرب بتهمة التآمر على السلطنة العثمانية؛ تذكر كيف أرسل أفراد أسرته إلى دمشق و مكث في صوفر لوحده مشدود الأعصاب؛ و لحسن حظه- و رضا الوالدين-؛ لم يفطنوا اليه الا متأخرين.

تذكر كيف استدعاه من ثم أحد المسؤولين في المحكمة العسكرية ببيروت موجها اليه تهمة استغلال مركزه - التي تحمل في طياتها عقوبة الاعدام.

ابتسم ممتاز بك ابتسامة عريضة عندما تذكر المحققين و كيف قاموا بتفتيش منزله شبرا شبرا و كيف حفروا حديقته فقلبوها رأسا على عقب بينما قام آخرون بتفتيش منزل العائلة في دمشق و سجله العقاري دون أن يتمكنوا من العثور على أي دليل يدينه، فكان أن أطلقوا سراحه بعد احالته على التقاعد المبكر.

لعنهم الله – همس لنفسه – فبقدر ما تجبروا و طغوا في آخر عهدهم بقدر ما كانت هزيمتهم سريعة.ثم تذكر اعلان المملكة التي لم تدم أكثر من سنة حين استجاب الملك فيصل الأول لإنذار الفرنسيين و كيف تمرد يوسف العظمة – جعله الله من أهل الجنة – فجمع ما استطاع جمعه من أفراد الجيش المسرح و خاض بهم معركة ميسلون غير المتكافئة.

القى – الآن – نظرة على الساعة المعلقة في الصالة فأدرك أن صلاة الجمعة حانت، ثم ما لبثت مجموعة من المؤذنين، أن ابتدأ بالأذان من مئذنة العروس القريبة و وفق طريقتهم الفريدة.

قام إلى البحرة فتوضأ بينما وقفت زوجته إلى جانبه حاملة له المنشفة ثم لتدعو له:- من زمزم سيدي، الله يتقبل -.

************

- 2-

- المهم كيف أحوالك... أختي أم سعيد؟

سألها الأستاد عبد الباقي، فهو ابن عمتها و شقيقها الرضعي و وضعها هذا سمح لها أن تستقبله سافرة، فأجابته متنهدة:

- سيئة للغاية يا أخي، انه يزداد بخلا و تقتيرا، أمر لم نعتد عليه سواء أنا أم الأولاد.

لا حول و لا قوة الا بالله؛ قالها أبو سمير متأسفا.

ثم أكملت شاكية:

- عيد الأضحى على الأبواب و يرفض أن يعطينا أي مبلغ يفرح الأولاد بملبس العيد فقد جرت على لسانه عبارة( ما معي).

- لعله فعلا معذور يا أختي أم سعيد؟!

- أنا أعرف أنه مليء، صحيح أنه بعثر الكثير من ماله على مشاريع فاشلة و لكن بقي لديه الكثير لا أعلم أين يخفيه، لقد نقبت في كل زاوية فلم أعثر على متليك ( أصغر فئة نقود عثمانية) و حتى لو فرضنا أنه مفلس فلديه أملاك فليبعها يا أخي ليفرج عن أولاده.

- أملاكه مسجلة بأسماء أقاربه و هم يتهربون من اعادتها اليه؛ لقد جاءني إلى المكتب ناويا مقاضاتهم الا أنه لا يملك أي سند و ليس لديه حتى شهود.

صمتت لحظة ثم قالت هامسة و قد دمعت عيناها:

- هل لديك مكان لسر؟

- سرك في( بير).. اختي أم سعيد.

- لقد بدأ يتغير مند أن تعرف على الشيخ أبو ابراهيم، يأتيه عصر كل يوم جمعة فيجلسا في القاعة حتى منتصف الليل و لا أحد يدري ما يفعلان.

- هؤلاء المشعوذون – لعنهم الله - اذا دخلوا بيتا خربوه. أجابها ثم سألها متعجبا:

- ألم تناقشيه بالأمر؟

- من يجرؤ؟ فقد حاول سعيد مرة الدخول إلى القاعة لحاجة فأشبعه والده ضربا.

- لا حول و لا قوة الا بالله ! ضرب كفا على كف و هو يقولها ثم أردف:

- يجب أن ينبهه أحد، دعيني أفعل.

- اياك ثم اياك، فسوف يحرمنا من رؤيتك و أنت تعلم أنه لم يبق لنا في هذه الدنيا سواك.

و بعد فترة صمت سألته خجلة:

هل بامكانك اقراضي بعض المال؟

- 3-

- هل تحب الفرجة على الشيخ ? سأل سعيد صديقه سمير، فأجابه ملهوفا:

- و لم لا؟ و لكن هل سيسمح والدك؟

( كان سعيد قد رجا خاله الرضعي أن يسمح لسمير بالبقاء في زيارته الليلة فسمح له بعد الحاح منه و من أمه)

- لا تخشى شيئا فلدي موقع آمن يمكّننا من مشاهدة كل شيء دون أن ينتبه الينا أحد.

- و لكن ما الذي يفعلونه وسط كل هذه الأسرار؟

- انهم يحضرون الجن ليرشدوا والدي إلى الكنز !

استبدت بسمير عاطفتان متناقضتان، الرعب الشديد و الفضول الأشد، و لكن الصبيين تسللا، ثم اندسا خلف مستودع خشبي للحبوب كان أبو سعيد قد أعد للجلسة عندما قرع الباب فهرع لاستقبال الشيخ أبو ابراهيم و أخذ سمير من ثم يصغي إلى كل ما يدور مسترقا النظر كلما تسنى له ذلك.

**********

- 4-

الشيخ:- قرأت الورد يا أبو سعيد؟

ممتاز بك:- أجل سبع مرات.

- أمتأكد أنك كنت متوضئا؟

- مؤكد شيخي !

- أخيرا استطعت إحضار البخور و العنبر، أما العنبر فبعد مشقة اذ أصبح على ما يبدو سلعة نادرة، يلزمني خمس و عشرون ليرة سورية أخرى لسداد بقية ثمنه.

- ذكرني بها آخر الجلسة ( تكرم عيونك شيخي)

همس سعيد باذن سمير: (( الشيخ أبو ابراهيم تكرم عيونه أما الفريخ سعيد فعمى بعيونه- ثم أضاف ساخرا - و ما نفع ( الشراطيط ) أجابني هازئا عندما أعلمته أنني بحاجة إلى ثياب جديدة))

قال أبو سعيد شاكيا:

- الأمر طال شيخي، أكثر من سنة حتى الآن !

- أعوذ بالله منك.... أعوذ بالله منك؛ أنت تفسد كل شيء باعتراضك، قل في الحال: - (( اللهم لا اعتراض))

- و لكن قلت أنهم سيحضرون اليوم، ألا زلت عند وعدك؟

هنا نهض الشيخ واقفا و هو يقول متظاهرا بالغضب الشديد:

- خذ لي طريق، أريد الانصراف، فأنا لا أحب المتعجلين، و كذلك هم (!!!)

فأمسك ممتاز بك بتلابيبه مقسما:

- عليّ الطلاق ما أنت متحرك من هذا المكان.

- إذاً تجمَّل بالصبر، ثم أضاف متسائلا:

- هل تجمّر الفحم؟

- أعتقد ذلك سأحضره في الحال.

**********

- 5-

الشيخ:- فلنقرأ معا الورد الثاني !

ثم أخذا يهمهمان بينما عبقت رائحة البخور؛ و فجأة صاح الشيخ بطريقة هستيرية:

- الآن.. الآن.. الآن !

ثم ألقى فوق الجمر مسحوقا فارتفع لسان من النار لثانية واحدة، كانت كفيلة بأن تدب الذعر في قلب سمير فصاح هلعا و فر من ثم هاربا ثم تبعه سعيد.

**********

- 6-

قامت القيامة، فقد خرج ممتاز بك و بيده عصا من الخيرزان و هو يصيح غاضبا: (( أين هذا الكلب سعيد، و الله لن أتركه قبل أن
أقطعه اربا، لقد أفسد كل شيء)).

كان سعيد ينفر من حجرة إلى أخرى ووالده يتبعه ثم لم يجد مناصا من الفرار خارج المنزل، إلا أن والده تبعه باصرار إلى أن استطاع الإمساك به على درجات الجامع الأموي و ابتدأ يجلده و هو يصيح:- (( لقد خربت بيتي يا ابن الحرام)) و كاد يقضي عليه لولا أن هب أبو محيي الدين الخضري و أبو حسن البقال و أبو عرب الزهوراتي فاستطاعوا إبعاده عنه بعد جهد؛ أما سمير الذي أثاره هذا المشهد فقد انسحب إلى بيته حاملا أسوأ ذكرى لأسوأ تجربة مرت في حياته.

***********

- 7 -

بعد أشهر توفي ممتاز بك حجازي، و بعد أقل من سنة و بناء على نصيحة شقيقها الرضعي؛ باعت أم سعيد البيت فاشترت بجزء من ثمنه بيتا صغيرا و تركت الباقي للإنفاق.

و بينما كان المالك الجديد يقوم بترميم البيت اكتشف تحت أخشاب أرضية القاعة حجرة صغيرة يمكن الهبوط اليها بسلم ذي بضع درجات، و هناك وجد صندوقا خشبيا كبيرا و آخر حديدي صغير، الأول وجد فيه مجموعة من الثياب العسكرية و الأوسمة و رزمة رسائل معنونة باسم اليوزباشي ممتاز حجازي، أما الصندوق الحديدي فلم يتمكن من فتحه سوى مختص.

كان في الصندوق بضع طاسات نحاسية فارغة عدا واحدة كانت مليئة بعملات عثمانية قديمة ( مجيديات، بيشليات و متاليك) و بضع رزم من النقود الورقية النمسوية الباطلة !.

بعد أن أفرغ الصندوق الخشبي من محتواه لا حظ أن القاع يمكن تحريكه ففعل و لدهشته الشديدة و فرحته الغامرة كانت هناك ثروة من الليرات الذهبية الرشادية و الإنكليزية يبدو أن صاحبها نسي أين خبأها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى