المكان في (ذاكرة) سلمان ناطور و(سفر على سفر)

، بقلم أمل جمال

بودي أن أبدأ هذه المداخلة بتحية الى الصديق سلمان ناطور، الكاتب المواظب والمعطاء والمبدع، وحلقة الوصل والضمير الحي. ها هو يضع بين أيدينا ليس كتاب فقط وإنما معضلةً نواجهها يوميًا ولكننا لا نعطيها الوقت الكافي من التفكير والتنقيب والمماحكة.

لقد طلع علينا بكتاب" ذاكرة" الذي أثار تفاعلات الوعي الفلسطيني في التاريخ الشخصي، والعام وبيّن أن الإنسان هو ذاكرته من جهة، ولكن أيضًا ما ينساه من جهة أخرى. فما نتذكّر هو ما لا ننسى وذلك يطرح أن هنالك أشياء ننساها،والنسيان ما هو إلا جزء لا يتجزأ من ما نحن والى أين نحن متجهون، فالذاكرة والنسيان ليسا عشوائيين، وإنما هما عمليتان مرتبطتان برباط جدي يكشفان ويغطيان، ويوّضحان ويغلفان ما تيسّر من تجربة الإنسان ولا يمكن للذاكرة أن تتواجد إلا بتواجد النسيان كما العكس. ومن المهم التنويه هنا الى أن الذاكرة هي تراكم للوعي وتشكل ما نعنيه عندما نتحدث عن خصوصية الإنسان ككائن ظرفي يعيش الزمن وفي الزمن في نفس الوقت. فالذاكرة تطرح أهمية الزمن ومحوريته في التواجد الإنساني. الذاكرة ليست مجردة وإنما مكونة من صور خيالية لها رائحة وطعم. فنحن نتذكر الأشياء والتجارب من خلال الروائح والصور، وهنا يكمن عطاء الكتابة التي يختص بها الكاتب سلمان ناطور، حيث أن كتاباته هي إستحضار للماضي وجعله حاضرًا من خلال الإيحاءات والتصورات والروائح والأطعمة. وما التأكيد على الزعتر والخبيزه والتين والصبر إلا إشباع مخيلة القارئ لكتبه بعبق هذه الأعشاب والفواكه وإثارة نزواته الفطرية التي تربطه بأرض وطنه وإستحضار المكان في الزمان برغم البعد القائم بين الماضي والحاضر وبين الوطن والغربة.

* ألقيت في الأمسية الثقافية احتفاء بسفر على سفر، دالية الكرمل، 30 حزيران 2008

بيّن كتاب"ذاكرة (صدر عن مركز بديل في بيت لحم، 2006)" أن التواجد الفلسطيني هو إنعكاس للذاكرة التي يعمّها الحنين،والشوق،والتوق إلى واقع نبض بالحياة والتجارب والذكريات التي تختلف عما هو عليه الواقع الفلسطيني اليوم. وذاكرة طرح المأزق الوجودي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني على جميع أجزائه، والذي يجمع بين اللاجئ وغير اللاجئ،والقروي، والمدني، والفلاح،والتاجر وبذلك يتمكن الكتاب من طرح تجربة فلسطينية خاصة برغم أنف عن التقسيمات الميكانيكية التي فرضت نفسها على هذا الشعب. فالذاكرة مرتبطة بالتجربة ومع أن التجربة الشخصية متباينة فإن التجربة الجماعية هي تجربة فقدان للوطن، فقدان للإحساس بالإنتماء للمكان المصاغ بالإرادة الذاتية وعلى شاكلة الثقافة الفطرية الفلسطينية المتميّزة بعفويتها وطبيعتها وعفتها.

والذاكرة التي يطرحها سلمان هي ذاكرة مجروحة ودامية منذ تم إغتصابها بواسطة محاولة إخراجها من التاريخ،والحيّز،والمس بعفة إستمراريّتها على مدار العصور. حاول الفكر والممارسة الصهيونيان محو التواجد الفلسطيني من ذاكرة الشعب، والأرض، والزمان،وصياغة المخيلة الجماعية الفلسطينية واليهودية والعالمية من جديد لتتماشى مع الواقع الذي بنته الحركة الصهيونية على أرض الواقع. ومع أن الخطة الصهيونية لم تنجح بكاملها، إلا أنها نجحت جزئيًا.

وها هو سلمان ناطور يلقي الضوء على جانب آخر للمأزق الوجودي الفلسطيني وهو مأزق المكان الذي إندثر نتيجة قسرية الحدود التي فرضت عليه وجعلت المكان "ما-كان" كفعل نفي يرفض الوجود الفلسطيني على الأرض ويدحض الإرتباط العفوي بين الشعب والوطن. فما هو المكان إن لم يكن مبنيًّا على كيان كتواجد وحضور وممارسة؟ فالمكان هو الكّون أي الكيان أي الوجود. والمكان الذي يضيئه سلمان في كتابه" سفر على سفر" يعطي الوجود معناه،ويضفي عليه مضامينه،ويبين أن لا وجود بلا مكان،ولكنّه يبيّن أيضًا أن ليس كل مكان مكانًا. فالمكان يأخذ معناه من الإنسان المتواجد في إطاره ومن هنا جدلية المكان والإنسان والذي يظهره الكاتب كتزاوج تفاعلي يغذي واحدهم الآخر جاعلا تضاريسه منقوشة في الآخر بحيث أن الفصل بينهما، خصوصًا إذا كان هذا الفصل قسريًا، يؤدي الى فقدان ميّزات وجودية لكون الواحد كائنًا أو مكانًا.

وكتاب سفر على سفر (صدر عن مؤسسة تامر في رام الله 2008) يطرح مأزق الفصل بين المكان والإنسان وحنين التآخي وشوق الإلتحام من جديد. وهو يفعل ذلك على مستويين لا بد من الإشارة إليهما:

المستوى الأول هو العلاقة بين المكان والحدود، فمن يحدد الآخر؟! المكان له حدود أم أن للحدود مكانًا؟
هل من الممكن أن نتحدث عن المكان بدون حدود أو عن الحدود دون مكان؟!

هذا التساؤل له جواب إيجابي في كتاب سلمان ناطور الجديد" سفر على سفر". السؤال والجواب ما هما إلا نتاج تجربة إنسانية يوصفها سلمان بلغته اليومية البسيطة والقروية الفلاحية. فهو يطرح جدلية المكان والحدود بشكل يخرج عن المألوف مبيّنًا أن التجربة الفلسطينية ما هي إلا برهان للتغلّب على الإرتباط العضوي بين المكان والحدود من جهه،والمأزق النابع عن هذا الفصل العضوي من جهة أخرى. فالنكبة الفلسطينية حوّلت كل مكان الى مكان بالمعنى التواجدي، وأدّت إلى تجاوز حدود الأماكن جميعًا. فالفلسطيني يعيش كفلسطيني في نابلس،وفي يافا،وفي مخيم تل الزعتر،وفي لندن،وفي باريس، متجاوزًا الجانب المسافاتي ومتواصلاً بواسطة الذاكرة والتذكّر بجوانبهم المادية. ولكن وفي نفس الوقت أدّت النكبة إلى فرض حدود جديدة في كل مكان وخاصةً في نفسية الإنسان الفلسطيني المقهور الذي إنتزعت عنه هوية المكان قسرًا جاعلةً تضاريس وعيه معلمةً بعلامات الإنتظار على حواجز الوجود. ويقول سلمان في هذا السياق مبينًا مأزق الإغتراب وفقدان السيطرة على حضور الذات في البعد الزمني للتواجد:

"عند الحاجز وقف شرطي وجنديان وكثيرون من حرس الحدود

هذه هي الإشارة الأولى إلى أنني مقبل على مغامرة المغادرة

توقفت عند ضوء أحمر وشرطي يعتمر قبعة خضراء

قرأ الاسم في بطاقة الهوية وجواز السفر فتغيرت وتبدلت ملامح وجهه

بدأ التحقيق الأوّلي من أين وإلى أين لماذا كيف أين حقائبك

الرجل ذو القبعة الخضراء ينفذ التعليمات بحذافيرها

يتأكد من أنني عربي أولا ولا أهدّد سلامة أحد ولا أمن الدولة العظمى ولا أحمل الأسرار ورسائل العشاق
عليه أن يكون واثقًا أيضًا من أنني لن أدخل إلى الطائرة إلا وقد إنهارت أعصابي

تمامًا فألقي بجسدي المنهك على المقعد ولا أحرك ساكنًا وأنتظر المضيفة لتأتي وتبلّ ريقي بعصير أو بجرعة ماء". (ص 7)

المستوى الثاني الذي يطرحه كتاب" سفر على سفر" بكل ما يتعلق بالعلاقة الجدلية المركبة بين المكان والحدود يلقى جوابه في الإرتباط والعلاقة بين الكتاب الحالي وكتابه السابق "ذاكرة". فالذاكرة ما هي إلا نوع من السفر. هي الفاعل القادر على تجاوز حدود المكان القسري والإرتقاء فوق تضاريس المكان بالمعنى المادي والتواصل معه من فوق الحواجز الجغرافية والزمنية. والذاكرة تصيغ الحدود من جديد وتحوّلها الى إيلاستية تتقلّب وتتغيّر بالرغم من إرادة القاهر الذي يحاول فرضها على أرض الواقع ولكنه يبقى عاجزًا عن خرطها في المخيّلة والخيال والشوق والحنين وخصوصًا الإرادة.

والكتابان "ذاكرة" و"سفر على سفر" يظهران الآليات المبدعة للذاكرة،وتحوّل الفلسطيني في الداخل الى حلقة وصل للذاكرة والتدكّر من جهة،وللآلية الأقوى في وضع حد لتغيّر تام ومطلق لتضاريس المكان وفرض حدود جديدة تعرفه بحسب ذاكرة قسرية أخرى.

سلمان ناطور يعيد صياغة معنى العلاقة بين الذاكرة والمكان كما يعيد صياغة معنى العلاقة بين المكان والحدود، وبذلك يعكس محاولات لإختراق التاريخ وعدم الإنصياع للقوى الفاعلة فيه وخصوصًا مقاومة النسيان والإحتجاج على حدود المكان. وها هو يذهب إلى بيسان، ملقيًا نظرة على أحوالها بعد سنين من التغيير المبرمج لمعالمها، لكي يستطيع وصفها لأصدقائه في الغربة وليمكنهم من تجاوز الحدود الجغرافية والتواصل مع الوطن برغم أنف المستعمر.

يأتي كل هذا مع ذاكرةٍ حاول التاريخ الآخر – التاريخ الصهيوني - صياغتها بحسب مصالحه ورؤيته ولكن الكتب المذكورة ما هي إلا برهان على عدم نجاح هذا المشروع،وعلى قوة اللّحمة الفلسطينية بين مختلف المجموعات والطوائف والأماكن بالرغم من قسوة الظروف. ولا شك بأن لسلمان ناطور القسط الكبير في معارضة قسوى الواقع وصياغة البدائل الإنسانية له. وكتبه ما هي إلا برهان على أن الوعي الإنساني قادر أن يتجاوز حدود المكان بالمعنى الجغرافي، وتحويل المكان الى حيز لا يخضع لحدود الجغرافيا وإنما يفرض نفسه بواسطة الذاكرة والخيال والمخيّلة متحديًا وقع التاريخ القسري المفروض على الوطن الذي يصوره سلمان بأبسط جوانبه وأروع صوره. بالتالي فهو يحمي الوطن في ذاكرة ووعي وقلب اللاجئ الممنوع من زيارة الوطن. من هنا أتت مقولتي بأن سلمان ناطور يبيّن في كتابيه الآخيرين أنه جسر مديد يحدد معالم الشعب الفلسطيني من خلال خلق التواصل بين أجزائه مبينًا أن البعد والقربى ليسا مصطلحين جغرافيين وإنما مسألة تعود لعمليتي التذكّر والذكرى اللتين تسافران في فضاء التواجد لتؤكدا التواصل والتشابه والتجربة المشتركة لأبناء شعب تحاول رياح التاريخ أن تفرض الحواجز في أرضه وفي مخيلته. وكتابا سلمان ناطور هما خيوط الترابط والتواصل والأهم من ذلك هما الرعشة التي تدق وجدان كل فلسطيني عند سماع إسم "فلسطين" بغض النظر عن مكان التواجد بالمعنى الجغرافي أو بمعنى الوعي السياسي.