الجمعة ١ نيسان (أبريل) ٢٠٠٥
قصة قصيرة
بقلم سهيل كيوان

لِمن ترنّ الهواتف!

 تحمل ( زهرة ) سماعة الهاتف، تنتحي جانبا، تخرج الى الشرفة مبتعدة عن سمع شقيقها، لم يعرف من هذا الذي تهاتفه، ولكن النظرات الأبلغ من الكلمات أخبرته بالحقيقة فنبّهها " هكذا تجرحين كرامتك وسمعتك ، فمن يعرف ما يتحدث به هذا الوغد لأصدقائه وما قد يدّعيه!" ضايقها بأن يوصف صاحب الصوت الرقيق بأنّه "وغد" وأنكرت قائلة " أنا لا أتحدث ألا مع صديقاتي " ولكن حساب الهاتف المتضخّم جعله يطلب كشفا شهريا بالمكالمات،فوجد أن حصتيهما متساويتان ورغم ذلك قطع خط الهاتف بغضب، ثم توجّه الى من حملته وهناً على وهن صارخاً بوجهها " لقد فشلت بتربية ابنتك ، وأحذّرك بأن هذا قد يؤدي الى عاقبة سوء"!

فقالت أمه التي لم تفاجئْها ثورتُه" لقد نما شارباك وصرت رجلاً ، ولهذا سأحكي لك قصة " أصغى لمن أرضعته حولين كاملين فقالت " عندما سقطت بلدنا بيد اليهود ، نهبوا محتويات بيوتنا ومتاجرنا وجمعوها على البيادر كغنائم ، وهناك بين أكوام العفش كانت مرآتي التي أحببتها ، وكان في قريتنا شاب يصاب بالدوار اذا ما رآني، غافَل حارس الأملاك المنهوبة المسلّح ، تسلل مخاطرا بنفسه وسحب المرآة ثم لحق بأسرتي قاطعاً الوديان والجبال كي يعيدها لي وهو يردد بفرح لكل من يسأله "هذه مرآةُ خديجة وسأعيدها لها"الى ان وصل المكان الذي لجأنا اليه ، تقدم مني بخفة غزال وقدّمها لي وكأنها مفاتيح كنوز سليمان،ألآ أن شقيقي صدّه بكشرةٍ وبحقد" من قال لك أننا نريد المرآة منك! وسحبها بعنف من يديه ثم حطّمها على صخرة وهو يقول "لا تُرني وجهك بعد اليوم وأِلاّ جعلتك طعاماً للوحوش "!غاب الشاب مفتت القلب مهاناً ولكنه رافقني في كل مكان انتقلنا اليه لأنه سكن في قلبي وكلما نظرت في مرآة رأيت وجهه، تتبع اخباري وتتبعت اخباره أرسل لي سلامات كثيرة وأرسلت له ، تسلل مخاطراً بحياته في ساعات منع التجول ، دخل منطقة عسكرية مغلقة فقط كي يسلّمني رسالة فيها بضع كلمات ، كان يفاجئني في الليالي الحالكة فيزقزق مثل بلبل ، أدلّي له خيطاً من شباك كوخنا الطيني ، يتحسسه في الظلام ، يربط فيه رسالته فأسحبها أقرأها عشرات المرات حتى اغفو ، في آخر رسائله قال أنّه سيخطبني ، وهكذا تزوجنا وأنجبنا تسعة ابناء وبنات وعشنا الحياة بحلوها ومُرّها حتى يوم رحيله ، أنه والدك"

جميل جدا ان يسمع الأنسان عن رسائل أمه وأبيه قال (مهنّا) ساخراً!
بعد ايام زارالبلدة شاب يعلق كاميرا ضخمة على كتفه ، سأل عن بيت (مهنا) الى أن وصل وعرّف بنفسه قائلاً " أنا مخرج سينمائي وقد جئت لتسجيل فيلم وثائقي عن القرى المهجّرة والحاضرين الغائبين"!
عندما سمعت أم مهناهذا انفرجت أساريرها وصافحت الشاب وهي تجسّه بنظراتها الكاشفة للصدور ، وأبدت حماسا للحديث أمام الكاميرا ، هكذا حكت قصة تشرد اسرتها مرة أخرى وطبعاً لم تنس حكاية المرآة.
أما زهرة فبعد أن اعدت لهم القهوة والضيافة فقد خرجت الى ساحة الدار تلبية لنداء الغسّالة الأوتوماتيك ، فأخرجت منها الثياب المعصورة وبدأت بنشرها. أنهى الغريب الزيارة ولكن اثناء خروجه وعندما مر بجانب زهرة توقف ساترا وجهه بحبل الغسيل وهامساً " من الغباء الأعتقاد أن قطع الهاتف يطفئ نار الحب ! لقد اشتعلت في صدري ولم أحتملها فجئت "! سمع مهنّا كلام الشاب فغلى الدم في عروقه ! داهمته أفكار سوداء ، فكر أن يضربها ضربا مبرّحا! أن يشوّه وجهها الجميل حتى لا يلتفت اليها أحد !ولحق بالشاب غاضباً ، وبحجر كسر زجاج الكاميرا! ثم عاد الى شقيقته غاضبا ومهددا" ستندمين على فعلتك يا زهرة "!

في تلك الليلة لم ينم ، كانت كلمات الغريب دمامل في قلبه، يسترجع نظراته وابتسامة شقيقته فتنغرز اشواك في عينيه ، ماذا سيقول الناس اذا عرفوا أنه خُدع وأن شاباً يعشق شقيقته دخل البيت رغماً عنه ! بلا شك سيقولون أنه نذل وجبان ، مر كثير من الشبان في مخيلته بشفاههم المعوجّة سخرية ، كيف ينقذ كرامته التي هُدرت! هل يذهب الى فراشها الآن ويخنقها بيديه! تقلب وتقلب! لماذا حدث هذا معه بالذات ! هل هو الوحيد الذي وقع في هذا المأزق ! كثيراً ما سمع تذمُّر الأهالي من الهاتف الذي تحول الى عبء مالي ، جميعهم تحدثوا عن مهاتفات ذكور في العائلة وبشيء من الغبطة والتباهي ، لم يسمع احداً يعترف أن ابنته أو شقيقته تتصل بشاب! اذاً من هن الفتيات اللاتي يتحدثن مع هذا الجيش من الشبان! بالتأكيد أنهن يعشن معكم وفي بيوتكم ولسن من كوكب آخر! وشعر براحة وهو يقول لنفسه " ابتسموا واستهزئوا كما تشاؤون فلا عصمة لأحد في الحب ! ثم لماذا يحاول تجاهل نفسه ! فهو يتصل بفتاة لها نصف دزينة من الأشقاء أحدهم صاحب مكانة اجتماعية رفيعة في البلدة وهي تتصل به!استعاد احاديثه معها وأحاديثها معه! مشاعر رقيقة وجميلة وكلمات حيية ليس أِلا ، أكثر من نصف المكالمات كانت معها بالذات والبقية موزعة على شقيقته وأمّه وأمور الحياة اليومية ! لم يغف الا قبيل الفجر ولفترة قصيرة ، استيقظ وهو عازم على أمر قرر تنفيذه بسرعة! فاجأ شقيقته ب" صباح الخير " ثم لفت انتباهها " لماذا لم تسقي حوض الزهور منذ أيام ! وخرج ! أما هي فطيلة الليل حاولت تخيّل شكل أنتقامه ، تستعيد قصصاً مرعبة سمعتها من الناس أو قرأتها في الصحف ولكنها لا تلبث ان تستبعد ذلك فهي تعرف طيبته جيداً ! بعد يومين من العلاقة المرتبكة بين التوتر والحياء والمسامحة رن الهاتف بعد صمت! نظرت زهرة الى الجهاز العائد الى الحياة ولكنها لم تقترب منه، عاد مرة أخرى ليرن ويرن ويرن!التقت عيناهما المتسائلتان وتدخلت والدتهما من بعيد " لمن يرن الهاتف ! لماذا لا تردان!"

قال مهنا _ ما بك ! ردي وسلّمي على ( المخرج السينمائي) ولكن قولي له : لا حاجة للدخول من الشبابيك ولا للتنكر مثل قصص الأيام السالفة ، فالأبواب مفتوحة لأستقباله وليكن كل شيء واضحاً ونظيفاً!

رفعت السماعة ولكن قبل ان يبتعد نادته بصوت ذابل وفيه مرح : انه لك..انها تطلبك .. عاد وأخذ السماعة...نعم نعم كان الهاتف مقطوعا ليومين..لأسباب تقنية فقط ! خرجت زهرة الى الشرفة متيحة له اتمام مكالمته بحريّة، ومنتظرة دورها، فقد هاجها شوق لصوت حبيبها..
آذار 2005


مشاركة منتدى

  • حببت هذا النص كثيرا لان لغته سهلة وغير معقدة
    جميلة قصة المرآة ولكن ليس من السهل هذا التحول الذي اصاب الشقيق ربما كان بحاجة لموقف اشد حتى يغير افكاره التقليدية الشرقية فالرجل هو الرجل وهو يعرف انه لحبيبته اشقاء ولكنه لا يقبل ان يكون لشقيقته حبيب
    ببساطة هذا فقط ما اخذته على القصة وهو ان الموقف الذي حول راي الاخ لم يكن مقنعا
    على العموم شكرا لكم

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى