السبت ٢٤ نيسان (أبريل) ٢٠١٠
بقلم عز الدين جلاوجي

الأَمِيرُ شَهْرَيَار

ذَاتَ صَباح..
مِن زَمانٍ مَضى وبَاد ..
رتَّلَ الجدُّ وَصاياهُ على مَسامِعِ الأحفَاد..
قالَ:
- هيَ ذي نَخلَتُكم سَامِقة..
تَمدُّ جُذورَها الدَّافِقة..
في أَعماقِ القُلوبِ البَاردَة..
تَهزِمُ الهَجيرَ والقَحطَ في أَرواحِكم..
تَملأُ الشُّقوقَ في نُفوسِكُم..
اِحفظُوها..
تَحفَظوا عَهدَكم..
الدِّفءُ في شَمسِ الشُّروق..
إليها اِفتَحوا كلَّ الأبْوابِ..
وانتظِروها كلَّ صَباح..
على التِّلالِ والرَّوابي..
لا تَفتحوا للغَرْب إلاّ النَّوافِذ..
لا تَزِيدوا عليها..
شمسُ الغَرْب باردَة..
شمسُ الغَرْبِ إلى أُفولٍ واندِثار..
شمسُ الغَرْبِ إلى حَمَإٍ وانكسَار..
شمسُ الغَرْبِ وراءَها خفافيشُ اللَّيل..
وراءَها صراصيرُ الظلام..
وراءَها الثُّبورُ والويْل..
علَّقَ الجدُّ الكَبير..
وَصاياهُ في عرَاجينِ النَّخيل..
فغدَتْ أَحلى مِنَ الرَّطب..
في حَناجرِ الصِّغار..
وماتَ الجدُّ.. مَساءَ ذاك النَّهار..
كفَّنهُ الأحفادُ بالسَّعف الأخضَر..
وفرَّقوهُ في حناجرِ الأطيار..
وأَقسَموا جميعاً.. أنْ يحفَظوا الوصيَّة.. فَلا تَنهار..
 
2
وَكانَ للجدِّ حَفيد..
عاشَ في بلادِ الغُرباء..
لمْ يَرضعْ مِن صَدرِ النَّخلة الحاني..
لم تَضمَّهُ إلى صَدرها الدَّاني..
لم يرتَوِ من شمسِ الشُّروق..
عادَ حينَ غادرَ الشَّيخ وغاب..
فاعْتلى عَرشَ القرية..
دونَ عناءٍ أو عذاب..
وغيَّر سبيلَ الأوّلين..
فأبدَلَ بالقُلوبِ الكِلاب..
وبِدفْء العُيون.. السُّيوفَ والحِراب..
وأشاعَ في الجَميع..
ثائرٍ ومُطيع..
أنَّ قيمةَ الشَّيء من المظْهر..
وأنَّ الظاهِرَ أوْلى من الجَوهر..
فسمَّى نفسَهُ الأميرَ شهريار..
وسمَّى القريةَ إمَارة..
لأنَّ ذاك أوْلى بالتَّعظيم..
والتَّقديرِ والتَّكريم..
في نُفوسِ الأعداءِ والأصْدقاء..
دائماً وأبداً..
 
3
تغيَّرَ وجْهُ السَّماء..
واكْفَهرَّ بالسُّحبِ القاتِمة..
انْتفشَتْ جَدائلُ الشَّمس..
واحْترقَت..
فغدَتْ شمسُ الشُّروق..
عَجوزاً مريضةً شَمطاء..
أعْضاؤُها تَرتَجف..
على عُكّازة صفراء..
فمُها مَغارةٌ سَوداء..
سقطتْ كلُّ دَعائمِها المنخُورة..
لَزِم الجميعُ البُيوت..
خوفاً مِن بطشِ الطَّاغوت..
ولم يبقَ في ساحاتِ القَرية..
إلاَّ الدَّرويش..
يحرُسُ النَّخلة..
خَشيةَ أنْ تَموت..
ضمَّها إلى حِضنِه الدَّافئ.. ناجاها:
أُمَّاه أنا اليتيمُ..
لا أُمَّ لي سِواك..
ما لي أرى ظَفائرَك محلُولة ؟
ما لي أرى أجْفانَك مكسُورة ؟
ما للعراجينِ العَسْجديةِ يبِسَت ؟
ما لأنْوارِ وَجهِك المُتلأْلئةِ انْطفأت ؟
مَن يضمُّني إلى صدرِه أُمَّاه ؟
مَن يُداعبُني ؟
مَن يُهدهِدني ؟
مَن يمسحُ عن جَبيني الحُزن والآه ؟
ما للسَّماء اسْودَّت فوقَ قريتي ؟
إنَّها تُرعِد..
لكِ الله أُمّاه !
ماتَ الَّذي كان يحْمِيك..
مِن شرايينِه كان يُرويك..
مِن فُؤاده كان يَسقيك..
ماتَ أمَّاه..
وضلَّ الجميعُ وتاه..
ذبُلتْ أزهارُ شِفاهِنا..
ماتَت عصافيرُ عُيوننا..
جفَّت ينابيعُ قُلوبِنا..
تكسَّرتْ أصابِعنا..
يا ستَّار.. يا ستَّار..
أمطرَتْ غيومُ السَّماء..
أمطرَتْ جراداً يلتَهم الأنحاء..
جراداً أصْفر..
جراداً أحْمر..
جراداً أشْقر..
جراداً مِن كلِّ الأشْكال..
ما أشْرسَه.. ما أخْطر..
 
4
لم يُجْدِ قهرُ شهريارَ نفعًا..
لم يُكسِبه في قُلوب النَّاس رِفعا..
أحسَّ بالضّيق والاختِناق..
فانْزوَى في قصْره..
يُمارسُ شهوةَ الاحتِراق..
وهو إذْ ذاك..
زفَّ إليهِ القائدُ الأمين..
خبراً أثلَجَ الصَّدر والعَين..
قالَ:
سيِّدي..
يا أُغرودةً في حناجرِ الطُّيور!..
يا شذًى مِن تُويجاتِ الزُّهور!..
يا سَيفَنا في وجْهِ الشُّرور!..
يا أعدَلَ العُمَرين!..
وأشجَع العَنترين!..
وأغْلى الأحْمرين!..
أزفُّ إِلَى قَلبِك المكْلوم..
خبراً يُزيلُ عنْكَ الكَرب..
والغمَّ والهُموم..
حكَّ شهريارُ كَرشَه الكَبير..
بإصْبعِه الصَّغير..
وقالَ بصوْته المبْحوح..
- ماخلْفَكَ.. يا كَلبيَ الأَمين ؟
قالَ القائدُ السَّمين:
- جاءكُم من أَقصى الشُّقْرِ..
رسولُهم يَسْعى..
يبغِي رضاكُم.. يبغِي لَديكُم الرِّفعا..
وعجَّلَ بإدخالِ السَّفير..
فأجلسَاهُ على عرشِ الأمير..
وقالَ مِمَّا قال:
- أيُّها الأَمير.. أهلُك أمامَك..
والزَّمانُ وراءَك..
وليسَ لك وَاللهِ إلاَّ نحن..
لِتحفظَ التَّاج المرصَّع..
والعرشَ المُريح..
مِن كلِّ كيدٍ وريح..
السرُّ في تعاستِك.. يا شهريار..
زوجتُك منبعُ الأشْرار..
طلٍّقها تَزلُ عنك الظُّلمات..
وتَغز دارَكَ الأنْوار..
هلْ تُدرك لماذا؟ لأنَّها ابْنةَ النَّخيل..
لا تنالُ حُلوها.. إلاَّ بالارْتِقاء..
والارْتقاءُ فيه كَربٌ وبَلاء..
أبدِلها بشَقراوية..
مفروشةٍ كبطِّيخةٍ ناضجةٍ صفْراء..
ثمَّ أقِم لِنفسِك قصراً..
يَليقُ بالكِرام..
مِن المرْمر والرُّخام..
وامْنعْ عن هؤُلاء الهَمج..
شمسَ الشُّروق..
لهيبُها يُهيِّج العُروق..
خيرٌ لهم شمسُ الغُروب..
فُتورُها يُهدٍّئُ الأعصابَ والقُلوب..
 
5
تصرُّفاتُ شهريارَ الجديدَة..
زادتْ مِن غضبِ الرَّعية..
فأرسلَ قائدَه الهُمام..
لِيشرحَ بالتَّفصيلِ والتَّمام..
مَزايا ما أقْدم علَيه أميرُهم الحَكيم..
سارَ القائدُ الكَبير..
وخلفَه أشِدَّاء..
يسيلُ الموتُ مِن سُيوفهم الرَّعناء..
لأنَّ شَهريار..
علَّمهُ حِكمةً مِن ذَهب..
مفادُها: أنَّ الرَّعية تُبطرُها النِّعمةُ واللُّطف..
ولا يُربِّيها إلاَّ التَّجويعُ والسَّيف..
وقالَ مما قال:
أنَّ زواجَ الأَمير..
فيه خيرٌ كَثير..
سَتغزوكُم الخيرَات..
واليُمنُ والبرَكات..
أحمرُ الشِّفاه والخُدود..
وحاضِنات النُّهود..
والدَّخائنُ الفاخِرة..
وربْطاتُ العُنقِ الزَّاهرة..
وأطْنانٌ مِن الموزِ اللَّذيذ..
والنظَّاراتُ الملوَّنة..
والتُبّاناتُ المُزخرفة..
ومجلاَّتُ فنِّ ممارسةِ الجنْس..
والحلْوى مِن كلِّ الأَذْواق..
وقال أيضاً مما قال:
أنَّ حرمَ الأَمير..
علَيها الصَّلاةُ والسَّلام..
حاملٌ في شَهرها الأخِير..
وسيهلُّ إلى الوُجود..
وليُّ العهدِ بعد أيَّام..
والسرُّ في هذا الاختِصار..
يعودُ إلى بَركة الشُّقرِ الأخْيار..
وهدفُ موْلانا شَهريار..
تحسينُ الجنْس في هذي الدِّيار..
غَدا حُكمُ شهريار..
شيخاً طاعِنا..
تَرتجفُ ساقاهُ الصَّفراوان..
تُحاصرهُ سُخرياتُ العُيون..
ووَتْوتاتُ[1] الشِّفاه..
وقرَّرَ أنْ يضربَ بقبضَةٍ مِن حَديد..
كلَّ سوسٍ يَنخِرُ العرْشَ المجيد..
وكانتْ تَقاريرُ المُخبرينَ الأوْفياء..
تصلُه كلَّ صَباح ومَساء..
عن كلِّ همْسٍ..
عن كلِّ لمْسٍ..
عن كلِّ تنهيدَةٍ وزَفرة..
عن كلِّ أسًى وحسْرة..
قال أحدُ المُخبرين..
ذاتَ يومٍ في تقريرِه الخطير:
- طفلٌ سيِّدي..
قَطفَ زهرةً مِن حديقتِكم الفَيحاء..
وقال ثانٍ:
- كلبٌ سيِّدي..
- قطفَ زهرةً مِن حديقتِنا الفَيحاء ؟
- بلْ بالَ على سُورها المنيع
- جريمةٌ لا نغفِرها لهذا الكلبِ الوَضيع
- وغازلَ كلبتَكم العزيزَة سيِّدي
- كلبٌ قَرويٌّ مجعَّد الشَّعر..
يُغازلُ كَلبتي..
وهي مِن أرْقى أَنواعِ الكِلاب..
تقرأُ الكِتاب..
وتأكلُ ما لذَّ وطاب..
وتشرَبُ العسلَ المصفَّى.. والماءَ الرُّضاب..
وتشهدُ كلَّ اجْتماعاتي دونَ غِياب؟
وقال ثالثٌ:
- نملةٌ سيِّدي
- نملةٌ قطفَتْ زهرةً مِن حديقتي ؟
بالتْ على سورِ حديقتي ؟
غازلتْ كَلبتي ؟
ماذا فعَلت؟
قلْ كِدتُ ألفظُ رِئتي..
- سرقَتْ حبَّةَ خَرْدل.. مِن حديقتكُم العصْماء.
ارتجفتْ عينُ الأَمير.. وقال هائجاً كالبَعير:
- يا لَلْبلاء !..
يا لَقِلَّة الحياء !..
تَعضُّ هذهِ الحَقيرة..
يداً امتدَّت إليها بالفضلِ والنَّعماء ؟
وحكمَ الأميرُ في الحال..
بعقْله الحَصيف..
أحكاماً أرحمُ مِن الضَّرب بالسَّيف..
اقْطِفوا للطِّفل عَيْنيه..
لينمُوَ حبُّ الجمالِ لدَيه..
واقْطعوا للكلبِ الأسْنان والأضْراس..
ليعرِفَ قيمةَ بناتِ المُلوك..
مِن بَنات النَّاس..
أمَّا النَّملةُ الحَقيرة..
فقودُوها إليَّ ذَليلة..
ستَنالُ شرفَ الشَّنق بخيطٍ مِن صبَّار..
في رحابِ حَديقتي..
لتكونَ عبرةً لكلِّ الأشْرار..
وبعدَ أنْ نظرَ شهريارُ العَظيم..
في شُؤون الرَّعيَّة..
وحكمَ في أمورِهم بالعدلِ والسَّوية..
أحسَّ بالإرهاق والتَّعب..
فَدعا الجَواريَ والقِيان..
مِن مُغنّياتٍ.. وراقِصاتٍ.. وعازفاتِ ألحان..
 
6
 
6
حينَ نامَ شهريارُ..
وغطّاهُ أزيزُ الشَّخير..
تسلَّلَ كَابوسٌ مُريع..
إلى مَضجَعه الوَديع..
رأى النَّخلةَ مزهوَّةً إلى عِنان السَّماء..
يانِعةً خضْراء..
عراجينُها عسْجدية..
كأنَّها ذهبٌ مُذاب..
ترْمي برَطْبها فلذاتِ الأكْباد..
سالَ لُعابُه..
مدَّ إليها البَصر..
تحرَّكت رِجلاه..
يَبغي إليها الاقْتراب..
تحرَّكتْ جُذوعُها مِن تحتِ التُّراب..
كأرجلِ أُخطبوطٍ مُدبّبة..
التفّتْ حَوله..
تحرَّكَ ذات اليمين..
وذاتَ الشِّمال..
استغاثَ بالأصْهار..
تصبّبَ منه العَرق..
أحسَّ بالاختِناقِ والانصِهار..
قام مِن الكابوسِ الرَّهيب..
نادى جُنده الأوفِياء..
وسارَ أمامَهم حانِقاً.. إلى النَّخلةِ العصْماء..
كان الكَون ظَلاما..
وكان القَمر.. شيخاً أمْردا..
مُنتفخَ العَينين أَرمدا..
حين وصَلَها غاضِبا..
وجدَ عِندها الدَّرويشَ راهِبا..
فأشهرَ في وجْههِ الحُسام.. وقال:
قدْ جمعَتني بكَ الأيَّام..
لا شيْءَ يُشفي مِنكَ الغَليل..
غيرُ قَطعِ رأسكَ الثَّقيل..
وفرْمِ عِظامِك.. وسحْقِ قَلبكَ العَليل..
اسْتدارَ الدَّرويشُ بِثبات.. وقال:
اسْمعْ يا أنتَ..
يا مَن نَحَتَّ مِن جُمجمَتي عَرشاً وجلسْتَ..
واتَّخذْتَ من ساعديَّ..
واتخذتَّ مِن ساقيَّ..
أقداماً لِعرشكَ وجلسْت..
لَستَ سيِّدي..
عُيونُك لا تُخيفني..
شبيهةٌ هي.. بعيونِ القِطط..
وصوتُك الَّذي تَخاله..
يشكُّ فُؤادي.. كالسَّهم..
يُشبه دَويُّه.. دويَّ الضَرط..
شاربكَ الكثُّ الغليظُ..
يذكّرُني.. بما كنّا نرسمُ.. تحت أُنوفِنا.. بأقلامِ الرّصاص..
وبأصابعِ الفحمِ..
ثمَّ ندوسهُ بالممْحاة.. أو بقطرة ماءٍ..
وكرشُكَ المنتفخةُ..
كبالونٍ يعبثُ به الأطْفال..
ليسَ فيها دمي كما تعتقِد..
ليس فيها كِبْريائي.. كما تعتقِد..
هذه أُبَيرة بيَدي..
دعْني أَغرزها فيك..
في كرشِك المُنتفخة..
لنْ يخرجَ منها سِوى.. ريحٍ منْتنة..
أنتَ.. يــا سيّـ ... ئتي..
يــا سَوأتي..
 
7
 
وانْدفعَ الأوفِياء..
يُشهِرونَ السُّيوفَ والحِراب..
في وجْه درويشٍ أَعْزل..
لا يَملكُ غيرَ قلبٍ مُولَّه..
وضفيرة مِن شمسِ الشُّروق..
طَرحوه أرْضاً.. وداسوهُ بالأقْدام..
ظلَّ يَصيح.. للنَّخلةِ ربٌّ يحْميها..
للنَّخلةِ ربٌّ يحْميها..
غدتْ حبَّاتُ الرَّطب.. حجارةً مِن سجِّيل..
جمعَتها طُيورٌ أَبابيل..
حلَّقتْ بها في الفضَاء..
ثمَّ رمَتها على رُؤوسِ الأغْبياء..
فجعَلتهم عصفاً مأْكولا..
ومُسِخ شَهريار.. قِرْزِيراً1 لهُ خُوار..

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى