عاشق الخط العربى حامد العويضى:

الخط العربى جزء من الهوية العربية

، بقلم أشرف شهاب

عاشق للخط العربى منذ صباه المبكر، والمتابعون لمسيرته الفنية، ولرحلته مع الخط العربى يصفونها بأنها علاقة عشق صوفى. وفى كل حرف يمكن أن نلمح هذه العلاقة التى تبرز فى لوحاته التى تبدو وكأنها قطع من الفن التشكيلى.

-ديوان العرب: نود أولا أن تعطينا فكرة عن نشأتك، وبداية علاقتك بالخط العربى.
- العويضى: ككل أطفال قريتى بدأت منذ سن مبكرة حفظ القرآن الكريم فى "كُتاب قرية قوص". وهى قرية تقع فى صعيد مصر بمحافظة قنا. ومن طبيعة المنطقة المحيطة بنا بدأت ألتقط خاماتى وأدواتى الأولى التى عملت بها. فكنت أحصل على سيقان الذرة لصنع الريشة، ومن النباتات المتنوعة صنعت أحبارى. وأذكر أن كل مقتنياتى الخاصة فى تلك الفترة لم تكن تزيد عن مجموعة من الأغلفة وعبوات المنتجات الغذائية التى كانت تأتينا مع التجار القادمين من البلاد الأخرى. وكنت أعتبر هذه المقتنيات كنزا أغوص فى خطوطه، وأتعلم منه أساليب الخط، لكى أستعيد تلك الأساليب فى الكتابة على جدران المنازل للحجاج العائدين من الحج، كما كانت عادة المصريين فى ذلك الوقت.

-ديوان العرب: وكيف انتقلت للقاهرة؟
- العويضى: مضت سنوات الدراسة بهدوء حتى حانت لحظة دخولى للجامعة. وهنا كان لابد من انتقالى للقاهرة أو "أم الدنيا" كما يطلق عليها أهلنا. والتحقت بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وتخرجت منها متخصصا فى الإخراج الصحفى عام 1984. وعلى التوازى من دراستى لم أهمل هواية الخط فالتحقت بمدرسة الخط العربى، وحصلت على الدبلوم بتفوق على مستوى الجمهورية عام 1982، وهكذا جمعت بين الموهبة والدراسة.

-ديوان العرب: وبعد التخرج؟
- العويضى: التحقت للعمل بمؤسسة الأهالى ثم الأهرام التى أعمل بها منذ عام 1995 مخرجا صحفيا، ومصمما لمطبوعاتها.

-ديوان العرب: ألا تعتقد أن عمل حامد العويضى الصحفى يمكن أن يؤثر على موهبة حامد العويضى الفنان؟
- العويضى: لا.. فالإنسان فى النهاية يعكس أسلوبه فى أى عمل يتقنه. وأنا أعتقد أننى أحقق التكامل بين الجوانب الفنية المختلفة فى شخصيتى. وهناك تماس وتلاحم مستمر، ودائم بين عملى الصحفى والفنى.

-ديوان العرب: ألا تخشى من الكومبيوتر، وتطبيقاته بعد أن ظهر كمنافس قوى للخطاطين؟
- العويضى: الكثير من الفنانين فى مجال الخط العربى أخذوا موقفا صارما من الكومبيوتر. واتهموا الكومبيوتر بأنه العدو الأول للخط العربى. ولكننى على النقيض من ذلك، أعتقد أن الكومبيوتر لم يأت للقضاء على موهبة الخط. وبالتالى سعيت للاستفادة منه. وأنا أنظر للكومبيوتر كأداة متطورة يمكنها أن تساعدنى على إخراج عملى الفنى بشكل أفضل. وبالطبع أنت تعلم أن شخصية الفنان فى خطه تبقى ميزة أساسية. ومن المهم أن يتقن الفنان التعامل مع جهاز الكومبيوتر، ويكون على دراية تامة بطبيعة الخطوط، والمسافات بينها، وعلاقتها بالمسافات، والسطور.

-ديوان العرب: ولكن البعض ينظرون إلى الخط العربى على أنه كلاسيكية عفا عليها الزمن.
- العويضى: للأسف، البعض من النقاد، وبعض فنانى الحداثة ينظرون للخط العربى نظرة دونية، ويتجاهلون قيمته فى صنع لوحاتهم هم أساسا.

-ديوان العرب: ولماذا يتخذ الفنانون أو النقاد مثل هذا الموقف؟
- العويضى: البعض منهم يشعر بانسحاق أمام الثقافة الغربية. وهم يعتقدون أن التمسك بالخط العربى هو أحد مظاهر الرجعية، ويرون أن التخلى عن الخط العربى، وعن اللغة العربية هما من أسباب اللحاق بالتطور الغربى، وبالحضارة الحديثة والثقافة العالمية. ونسى هؤلاء أن الصينيين واليابانيين وغيرهم لم يحققوا ما هم فيه الآن إلا بتمسكهم بتراثهم الفنى، وبقيمهم الجمالية. كما أنهم يقيمون المعارض المتتالية للخطين، ولا ينظرون للخط كمجرد حلقة فى سلسلة ثقافتهم الخاصة، بل كجزء من الثقافة الإنسانية بشكل عام. وهو نفس ما أعتقده أنا أن الخط العربى هو جزء من الهوية العربية التى لا يمكن إغفالها ضمن التراث الإنسانى العام أيضا.

-ديوان العرب: إذن كيف يمكن أن يتفاعل الفنان مع التقنيات الحديثة، ويتقبلها؟
- العويضى: على سبيل المثال لم أتخوف على الإطلاق من الكومبيوتر بل اقتحمته، ووصل الأمر إلى درجة أننى صممت خطا جديدا يمكن استخدامه على الكومبيوتر. وهذا الخط اسمه "حامد". وقريبا جدا سأنتهى من تصميم خط آخر باسم "العويضى". وذلك بعد أن لاحظت أن خطوط الكومبيوتر لا تتبع المنهج الجمالى الصحيح فى الكتابة العربية. وعلمت أن المصممين يتحججون بأن الخطوط العربية تواجه مشكلة الكتابة، والتنسيق بسبب كونها متصلة. ولذلك بنوا قواعدهم على الخطوط اللاتينية. ولكننى دخلت المجال، وتعاونت مع شركة صخر لإدخال بعض الخطوط العربية إلى برامجها. والحمد لله نجحت فى ذلك. وهكذا ترى أننى أدافع عن الخط العربى فى وسط ساحة ملتهبة، وممتلئة بالمتغيرات الحديثة فى مجال العلوم والتكنولوجيا.

-ديوان العرب: هل صحيح أنك تنوى التقدم بمذكرة للمسئولين المصريين للحفاظ على التراث الثقافى للخط العربى فى مصر؟
- العويضى: نعم. والسبب فى هذا أننى لاحظت أن هناك عمليات سطو واسعة النطاق على اللافتات القديمة المعلقة بأسماء شوارع القاهرة، حيث يستبدلها التجار بلوحات أخرى حديثة، ويقومون بتهريب اللوحات القديمة للخارج باعتبارها لوحات أثرية بعد أن مر عليها أكثر من مائة عام. واللوحات القديمة تعتبر كنزا تراثيا حيث أمر بتصميمها الخديوى توفيق، وقام بتنفيذ التصميم الفنان المبدع محمد بك جعفر، وتم تنفيذها فى ألمانيا بخط الثلث باللون الأبيض على خلفيات مطلية بالمينا الأزرق.

-ديوان العرب: وما هى آخر منجزات العويضى الفنية؟
- العويضى: انتهيت من لوحة عن الانتفاضة الفلسطينية عن قصيدة للشاعر محمود درويش، عن الشهيد محمد الدرة.

-ديوان العرب: وما هو حلمك بالنسبة للخط العربى؟
- العويضى: حلم العمر بالنسبة لى أن يوفقنى الله لكتابة المصحف الشريف بخط اليد وبرؤية معاصرة، وبسيطة. فالمصاحف الموجودة حاليا مكتوبة بالخطوط الفاطمية، والمغربية والفارسية. ونحن بحاجة لكتابة المصحف بخط جديد يتناسب مع روح العصر، ويتواءم مع متطلباته، ويمكن نسبته للعصر الذى نعيشه.

-ديوان العرب: وما الذى يمنعك من تحقيق حلمك؟
- العويضى: لا شيء سوى الإمكانيات المادية والفنية اللازمة لإنجاز المشروع. وفى حال توافرها سأبدأ العمل على الفور.


أشرف شهاب

نائب رئيس تحرير ديوان العرب ومراسلها في القاهرة_ متخصص فى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

من نفس المؤلف