يا ليل الصب متى غده الحصري القيرواني

ياليل الصب متى غده أقيام الساعة موعدهُ؟
رقد السُّمَّارُ وأرّقهُ أسفٌ للبين يردِّدُّهُ
فبكاه النّجم ورق لهُ مما يرعاه ويرصدهُ
كلفٌ بغزالٍ ذي هيفٍ خوف الواشين يشرِّدهُ
نصبت عيناي له شركاً في النوم فعزّ تصيدهُ
وكفى عجباً أني قنصٌ للسِّرب سباني أغيدهُ
ينضو من مقلته سيفاً وكأن نعاساً يغمدهُ
فيريق دم العشاق به والويل لمن يتقلَّدهُ
كلا لا ذنب لمن قتلت عيناه ولم تقتل يدهُ
يا من جحدت عيناه دمي وعلى خدَّيهِ تورُّدهُ
خداك قد اعترفا بدمي فعلام جفونك تجحدهُ..؟
إنّي لأعيذك من قتلي وأظنك لا تتعمدهُ
بالله هب المشتاق كرىً فلعلَّ خيالك يسعدهُ
ما ضرَّك لا داويت ضنى صبٍّ يدنيك وتبعدهُ
لم يبقِ هواك له رمقاً فليبكِ عليه عُوَّدُهُ
وغداً يقضي أو بعد غدٍ هل من نظرٍ يتزودهُ ..؟
يا أهل الشوق لنا شرقٌ بالدمع يفيض مورّدهٌ
ما أحلى الوصل وأعذبه لولا الأيام تنكدهُ
بالبين وبالهجران فيا لفؤادي كيف تجلُّدهُ

ممن عارض هذه القصيدة من المتقدمين نجم الدين القمراوي إذ يقول:

قد مل مريضك عوده
ورثى لأسيرك حسدهُ
لم يبقِ جفاك سوى نفسٍ
زفرات الشوق تصّعدهُ
هاروت يعنعن فمن السحـ
ـرِ إلى عينيك ويسندهُ
وإذا أغمدت اللحظ فتكـ
ـت فكيف وأنت تجردهُ
كم سهَّل خدك وجه رضاً
والحاجب منك يعقدهُ
ما أشرك فيك القلب فَلِمَ
في نار الهجر تُخلِّدهُ
 
وهذه صورة ثانية لناصح الدين الأرجاني إذ يقول :
 
هل أنت بطولك مسعدهُ
يا ليل فصبحك موعدهُ
لا كان قصير الليل فتىً
ميعاد منيته غدهُ
في صدري من كلفٍ بكُمُ
جند للشوق يجنّدهُ
أعليل اللحظ وعلته
منها المتألم عوَّدهُ؟
عيناك لسفك دمي جنتا
فالصدغ علام تجعدهُ
ودمي لا يحسن محمله
في الناس فلم تتقلدهُ
لم أنس برامة موقفنا
والشمل أظلّ تبددهُ
رشأُ قد أفلت من شركي
والبين غدا يتصيدهُ
سرّبٌ قد عنَّ بذي سلمٍ
وغدا بفؤادي أغيدهُ
وتطاول يتبعهم نظراً
صبٌّ قد طال تبلدهُ
حرّان القلب متيمه
حيران الطرف مسهّدهُ

وأبرع من عارضها من الشعراء المعاصرين فخر مصر والشرق أمير الشعراء أحمد شوقي إذ يقول :

مُضناك جفاه مرقدهُ
وبكاه ورحمَّ عوَّدُهُ
حيران القلب معذبهُ
مقروح الجفن مسّهدهُ
أودى حُرقاً إلا رمقاً
يبقيه عليك وتنفدهُ
يستهوي الورق تأوههُ
ويذيب الصخر تنهدهُ
ويناجي النجم ويتبعهُ
ويقيم الليل ويقعدهُ
ويعلّم كلّ مطوقةٍ
شجناً في الدوح ترددهُ
كم مدّ لطيفك من شركٍ
وتأدّب لا يتصيدهُ
فعساك بغمض مسْعفهُ
ولعل خيالك مُسْعدهُ
 
قد ودّ جمالك أو قبساً
حوراء الخلد وأمردُهُ
وتمنّت كلّ مقطِّعتةٍ
يدها لو تبعث تشهدهُ
جحدت عيناك زكيّ دمي
أكذلك خدك يجحدهُ
قد عزّ شهودي إذ رمتا
فأشرت لخدك أشهدهُ
وهممت بجيدك أشركهُ
فأبى واستكبر أصيدهُ
وهززت قوامك أعطفهُ
فنبا وتمنّع أملدهُ
سببٌ لرضاك أُمهدهُ
مابال الخصر يعقِّدهُ
بيني وبينك في الحي ما
 
لا يقدر واشٍ يفسِدُهُ
مابال العاذل يفتح لي
باب السلوان وأوصدُهُ
 
ناقوس القلب يدقّ لهُ
وحنايا الأضلع معبُدهُ
حسَّادي فيه أعذرهم
وأحقُّ بعذري حُسَّدُهُ

ومن الذين عارضوا قصيدة الحصري أيضاً

ابن الأنبار، واسماعيل الزبيري اليماني، شمس الدين الحسيني، اسماعيل صبري، نسيب أرسلان، وغيرهم وغيرهم لايتسع المقام هنا لذكر قصائدهم