ذكرى مرور ربع قرن على وفاة إمـيـل تــوما

، بقلم محمد خليل

ولد إميل توما في 16/3/1919 لعائلة فلسطينية موسرة في مدينة حيفا وتوفي في 27/8/1985 في المستشفى المركزي في العاصمة الهنغارية بودابست بسبب مرض عضال ألم به، وقد نقل جثمانه إلى حيفا مسقط رأسه ودفن فيها. والده جبرائيل حنا توما ووالدته ماري حبيب خوري. زوجته حايا توما وهي فنانة وناشطة في السلام والديمقراطية، توفيت في 15/6/2009 عن عمر ناهز 78 عاما ودفنت في مقبرة الروم الأرثوذكس في كفار سمير بمدينة حيفا، إلى جانب زوجها ورفيق دربها.
 تلقى إميل توما تعليمه الابتدائي في مدرسة الطائفة الأرثوذكسية في حيفا، انتقل بعدها إلى مدينة القدس لتلقي تعليمه الثانوي في مدرسة "المطران جوبات" التبشيرية الإنجليزية الداخلية، التي كانت تعرف، وقتذاك، بكلية صهيون نظرا لوقوعها على جبل صهيون. لكنه توقف عن الدراسة ولم يتسن له إتمام تعليمه الثانوي مع اندلاع الثورة في فلسطين عام 1936. تأثر إميل توما بالمد الثوري للحركة الوطنية الفلسطينية، وبمعلم اللغة العربية في تلك المدرسة ؛ الأديب التقدمي والماركسي اللبناني رئيف خوري الذي يعد زارع بذرة الاشتراكية والشيوعية في فلسطين آنذاك وزميله الصحافي الشيوعي عبد الله بندك. في عام 1937 سافر توما إلى بريطانيا سعيا في طلب العلم، حيث التحق بكلية الحقوق في جامعة "كمبريدج"، لكن دراسته توقفت، مرة أخرى، في عام 1939 بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية. يقول صديقه ورفيق دربه زاهي كركبي "قال لي مرة: كما تعلم درست في مدرسة صهيون وفي جامعة كمبريدج، ولكني لا احمل أية شهادة. فدراستي في صهيون توقفت بسبب الثورة، وفي كمبريدج توقفت دراستي بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية"!

 في أواسط عام 1965 التحق بمعهد الاستشراق في موسكو للدراسات العليا، حيث
نال عام 1968 شهادة الدكتوراة من قسم التاريخ في المعهد تقديرا لرسالته "مسيرة الشعوب العربية ومشاكل الوحدة العربية".

مع نهاية عام 1939 انضم إميل توما إلى صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني السري حيث قام بالاشتراك مع رفيقي دربه ؛ توفيق طوبي وبولس فرح بتأسيس نادي "شعاع الأمل" في حيفا، الذي ما لبث أن تحول إلى مقر لعمال شركات الزيوت وعمال المعسكرات في المدينة. كما ساهم إميل توما في تأسيس "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب" الذي أصبح لاحقا النواة لتأسيس "مؤتمر العمال العرب".

 في خطوة رائدة، وبفضل جهود إميل توما ومشاركة رفيقي دربه توفيق طوبي وإميل حبيبي وآخرين، أصدر "اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب" العدد الأول من جريدة "الإتحاد" الأسبوعية، حينذاك، في 14 أيار 1944، حيث كان إميل توما صاحبها الرسمي ومحررها المسئول، ومنذ العام 1949 بدأ يعمل في هيئة تحرير الجريدة. فيما بعد أصبحت "الإتحاد" جريدة يومية ما زالت تصدر إلى اليوم في مدينة حيفا. كما ساهم توما عام 1943 مع عدد من رفاقه ومن بينهم توفيق طوبي وإميل حبيبي أيضا في تأسيس "عصبة التحرر الوطني" حيث تم انتخابه أمينا عاما للعصبة. في 6 تموز 1947 عقد إميل توما مؤتمرا صحافيا في القدس تحدث فيه عن ظروف نشأة عصبة التحرر الوطني في المجتمع العربي، كما عرض البرنامج السياسي والبرنامج الاجتماعي الاقتصادي لعصبة التحرر وسياستها الخارجية، ودورها في المجتمع. ومن مواقفه الوطنية رفضه مشروع إقامة "الدولة اليهودية" في فلسطين بوصفه مشروعا إمبرياليا سعى إليه الاستعمار "الأنجلو – أمريكي" لضرب حركة التحرر العربية في المنطقة، فيما بعد عرف البيان الذي أعلنه إميل توما في مؤتمره الصحفي بـ "وثيقة إميل توما". وقد عُرف عن إميل توما أنه كان من بين المعارضين لقرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر في 29/11/1947 عن الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. مع وقوع النكبة عام 1948، غادر إميل توما فلسطين مع من غادر من أبناء شعبه اللاجئين إلى لبنان حيث سجن هناك في معسكر للاعتقال بمدينة بعلبك مدة ثلاثة أشهر مع عدد من أصدقائه الوطنيين التقدميين مثل: الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، والمحامي حنا نقارة، وذلك بسبب نشاطهم بين الجماهير الفلسطينية اللاجئة في لبنان، من أجل عودتها إلى أرض الوطن، عاد بعدها إلى حيفا مسقط رأسه. وكان من الطبيعي أن ينخرط في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي التأم في مؤتمر الوحدة في تشرين الأول عام 1948. لكنه لم يُقدَّم لمدة طويلة في صفوف الحزب (حتى انقسام 1965) بسبب موقفه المعارض لقرار التقسيم، كما يبدو. وعن بعض ما حدث في ذلك المؤتمر يقول صديقه ورفيق دربه زاهي كركبي:

"وطُلب من إميل أن يقدم انتقادا ذاتيا لمعارضته قرار التقسيم، ومع أنه قدم الانتقاد الذاتي المطلوب إلا أنه حُرم من أن يكون عضوا في قيادة الحزب. واستمر هذا المنع حتى عام 1965 أي 15 عاما. ولم ينتخب إميل للجنة المركزية للحزب إلا بعد الانقسام عام 1965. لقد كان قرار إبعاد إميل عن القيادة هذه السنوات الطويلة، في رأيي، قرارا ظالما غير واقعي"! في العام 1981 بدأ إميل توما التحضير لعقد المؤتمر القطري الأول للجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، الذي كان من المقرر عقده في مدينة الناصرة، لكن المؤتمر لم يعقد بسبب قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية التعسفي، آنذاك، مناحيم بيغن، استخدام أنظمة الطوارئ وإصداره مرسوما يمنع بموجبه عقد المؤتمر ويعلنه، مع جميع مواده السياسية والتنظيمية، خارج القانون.

مثّل إميل توما الحزب الشيوعي الإسرائيلي في عدد من مؤتمرات الأحزاب الشيوعية والعلمية والسياسية في العالم. يعد إميل توما مفكرا أيديولوجيا ومؤرخا وسياسيا من الدرجة الأولى. ساهم إميل توما كمفكر ومؤرخ وكاتب سياسي في قيادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وفي لجنة الدفاع عن الأرض، كذلك في الدفاع عن الجماهير العربية المتبقية في الوطن، وفي الحفاظ على هويتها الفلسطينية والتمسك بها، من خلال عمله في صحيفة "الاتحاد" ومجلة "الجديد". كما دافع عن الثقافة العربية في مرحلة حاول فيها الاحتلال الإسرائيلي طمس الهوية والثقافة العربية ونشر العدمية القومية.

وقد حفرت على ضريحه الكلمات الآتية "لقد أحببت شعبي حباً ملك عليّ مشاعري وآمنت بأخوّة الشعوب إيمانا عميقا لا تحفّظ فيه"!

مـؤلفاتـه

ألف إميل توما خمسة عشر كتاباً، وكتب مئات المقالات في الأدب والنقد الأدبي والسياسة والتاريخ والحضارة، أما كتبه فهي:

1-العرب والتطور التاريخي في الشرق الأوسط، دار "الاتحاد"، حيفا، 1960.

2- ثورة 23 تموز في عقدها الأول، دار "الاتحاد"، حيفا، 1962.

3-جذور القضية الفلسطينية، حيفا، 1968.

4-السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، مطبعة "الاتحاد"، حيفا، 1973.

5-يوميات شعب، (30 عاما على "الاتحاد")، عربسك، حيفا، 1973.

6-ستون عاما على الحركة القومية العربية الفلسطينية، البيادر، القدس، 1978.

7-الحركات الاجتماعية في الإسلام، منشورات صلاح الدين، القدس، 1979.

8-العملية الثورية في الإسلام، دار الفارابي، بيروت، 1981.

9-طريق الجماهير العربية الكفاحي في إسرائيل، أبو سلمى، 1982.

10- فلسطين في العهد العثماني، الفجر، القدس، 1983.

11- الحركة القومية العربية والقضية الفلسطينية، الأسوار، عكا، 1984.

12- تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث، الأسوار، عكا، 1985.

13- الصهيونية المعاصرة، الأسوار، عكا، 1985.

14- منظمة التحرير الفلسطينية، دار "الاتحاد"، حيفا، 1986.

15- مختارات في النقد الأدبي، دار "الاتحاد"، حيفا، 1993.

وقد صدرت الأعمال الكاملة في 5 مجلدات عن معهد إميل توما للأبحاث بمدينة حيفا عام 1995.
يمكن القول إن إميل توما قد جعل جل مؤلفاته وكتاباته في خدمة القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ترجمت مؤلفاته إلى عدة لغات عالمية من بينها: الروسية والألمانية. كما ترجم بعضها إلى العبرية. ولو تأملنا هذا التكوين الإبداعي لدى إميل توما، لوجدناه تكوينا متنوعا وفي مجالات متعددة، ابتداءً من الكتابة في الأدب والنقد الأدبي والثقافة والتاريخ والسياسة. ولعل من أهم ما يميز كتابات إميل توما، دأبه على بعث الأمل وروح التفاؤل، ونشر الخير، والثقة انتصارا لصالح الإنسان وأهداف الطبقة العاملة كما يدعو إلى تغيير الواقع الاجتماعي، أو إلى إصلاحه وتحسينه في أقل تقدير.

له متابعات نقدية حول الأدب الفلسطيني المحلي لاسيما ما صدر منه بعيد النكبة في مجال الشعر والقصة والرواية والمسرح والسينما وغيرها. وقد كتبها في ضوء المنهج الواقعي الاشتراكي، وإن كان يبدي، من حين لآخر، بعض التساهل والمرونة في المقاييس النقدية، كما يؤكد ذلك هو نفسه بقوله "لم نحاول في دراسة هذه القصص استخدام المقاييس النقدية التي يستخدمها النقاد في العالم العربي أو في العالم الرحب. كذلك، لم نحاول مناقشتها على ضوء المدارس الأدبية المتصارعة.. فلم نستخدم الواقعية.. أو الواقعية الاشتراكية في تقويمها أو الحكم عليها". كما تأثرت متابعات إميل توما النقدية، فضلاً عن الواقعية الاشتراكية بالمنهج التاريخي. يتعرف القارئ عبر مقالاته تلك على مراحل تطور المدرسة الواقعية في الأدب والثقافة. يقول توما مما يقوله عن الأدب الفلسطيني المحلي من خلال ما كتبه في مجموعة من المقالات عنوانها "الشعر العربي الثوري": "مثل الأدب في كل مكان انقسم الأدب العربي... إلى أدب ثوري ملتزم، صبّت فيه جداول متباينة من حيث وعي أصحابها وجمالية إنتاجهم.. وأدب التزم أصحابه بالولاء للبلاط.. وأدب غير ملتزم تنوع فيه مدى الضياع والتجرد والهيام" (الجديد، عدد1، ص7، 1965)! وإن كان من الواضح أنه يحصر كلامه في المضمون.

يركز توما في كتاباته على المضمون أو الموقف، انطلاقا من إيمانه بأن وظيفة النص الأدبي تكمن في المضمون والموقف أولاً وقبل كل شيء. وعليه فإنه يناقش في كتاباته النقدية النص الأدبي من جهة مضمونه ومغزاه وأبعاده السياسية، وقد أوضح ذلك هو نفسه، من خلال كتابته التطبيقية في النقد الأدبي في مقالته على مجموعة محمد علي طه القصصية "لكي تشرق الشمس" (مع مجموعة لكي تشرق الشمس الجديد، العدد3، آذار 1964). من هنا، تجد أن اهتمامه ينصب بالدرجة الأولى على المضمون، حتى إنه لا يكاد يذكر الشكل إلا عرضا.

يشار إلى أن إميل توما اهتم بالمدرسة الواقعية والنظرية الاشتراكية، ولم يول سائر المدارس الأدبية والنقدية أي اهتمام تقريباً، ودعوته الدائمة إلى أدب ملتزم يرتقي إلى مستوى الأحداث وتحدياتها. أما قيمة الأدب، في منظوره، فإنها تتقرر موضوعيا يليها سائر الاعتبارات الأخرى. كما يشدد على ضرورة التزام الكاتب ووقوفه إلى جانب قضايا شعبه وهمومه، والإنسان بالمطلق، كذلك إلى جانب قوى الخير والحرية والإنسانية، في كل مكان وزمان، مؤكدا العروة الوثقى بين الأدب والمجتمع من خلال تناوله لموضوعات عصره وقضاياه. وفي منظوره أن الأدب انعكاس لموقف الأديب الفكري من واقع الحياة في المجتمع. وقد تمثّل الالتزام الأدبي تجاوبا مع شعار "الأدب الملتزم" على الساحة الأدبية العربية مع صدور مجلة الآداب البيروتية سنة 1953 لصاحبها سهيل إدريس، كما طوره الفيلسوف الفرنسي سارتر في مقابل "أدب البرج العاجي"، الذي ينأى بنفسه عن هموم المرحلة، وإن كان قد أخرج الشعر من نطاق الالتزام وحصره في فن النثر. إلا أنه ما لبث أن تراجع عن موقفه هذا وعاد وأدخل الشعر في نطاق مبدأ الالتزام وقد طور سارتر رؤيته تلك بكتابه "ما الأدب؟". وقد يكون توما نهج هذا التوجه بفعل ظروف موضوعية، وأخرى مرحلية قسرية، فرضت شروطا خاصة على مسيرة الحركة الأدبية المحلية، التي كان من أهمها تداخل السياسي بالأدبي والأدبي بالسياسي.

*البحث عة هوية فلسطينية محلية

ويلحظ المتابع أن هاجس البحث عن الهوية المحلية ما انفك يلازمه في كتاباته النقدية مثال ذلك مقالته (قصص بدون هوية، الجديد، العدد7 تموز/آب 1969) التي تعد من أهم مقالاته التي كتبها في النقد الأدبي تحت الاسم المستعار "ابن خلدون"، وهي مما يسترعي الانتباه وتجدر الإشارة إليها. تناول من خلالها المجموعة القصصية "البئر المسحورة وقصص أخرى" وقد اتسمت تلك المقالة بأنها أكثر حدة وجرأة وعمقاً من سابقاتها. كذلك، سخر فيها وفنّد ما ورد في مقدمة المجموعة من مزاعم بأن أحد العوامل التي شجعت على نشوء الأدب الفلسطيني المحلي، هو نشاط كتّاب العربية وشعراؤها ممن قدموا إلى فلسطين من يهود العراق في الخمسينات. يقول "من المضحك لا المبكي – على اعتبار أن شر البلية ما يضحك – أن يدخل الاستعلاء القومي بهذا الشكل الصبياني عند تقويم الأدب العربي... وكأن "رسالة التمدين" الإسرائيلية شملت لا "إيصال التراكتور" إلى القرية العربية فحسب بل بعث الأدب العربي من جديد" كما أخذ عليهم ابتعادهم عن الواقع!

وقد أفصح إميل توما عن منهجه في النقد الأدبي مركزا على ميزتي الصدق والجرأة وتقديمهما على ما عداهما حيث يقول "إنني أنتسب إلى طينة من النقاد يقيسون الأدب بصدقه وجرأته.. وإذا فقد عمل فني الميزتين فقد مقومات الأدب"!

ما يُعرف عن إميل توما، في نقده الأدبي، أنه مسكون بهاجس الواقعية والواقعية (الجديدة) الاشتراكية تحديدا، فهو لا يزن إلا بميزانها، ولا يقيس إلا بمقياسها. وإذا كان يغلب عليه استعراض سريع ومقتضب للمضمون، فإنه لا يفرد أكثر من بضع جمل للكلام في الشكل، دون أن يأتي على ذكر النواحي الفنية.

ينظر توما إلى الأدب على أنه وليد رؤية صاحبه الأيديولوجية، وأن للظروف الموضوعية والأوضاع المادية دورا حاسما في بلورة تلك الأيديولوجية التي تنتج الأدب في كل مجتمع، كما يرى أن للعوامل الاجتماعية والاقتصادية دورا أساسيا في تشكيل المجتمع، وتأثيرا كبيرا في الفن. يركز بحثه في كتاباته على موقف الأديب من المجتمع وعلى المضمون الاجتماعي لما يكتب. ويلحظ القارئ على نقده وتحليله ودراسته لنص أدبي ما أنه يبحث عن قيم ترقى بالقارئ إلى مستوى الواقع الذي يعيش بين ظهرانيه انتصارا لقيم الحق والحقيقة والخير في وجه الباطل والشر والظلم مع مراعاته للظروف الموضوعية والمحلية التي تنشأ فيها الظاهرة الأدبية وكل أثر أدبي. يشار أيضا في السياق ذاته إلى أنه كان دائما حريصا في كتاباته من خلال تحليل الأفكار والمواقف على شحذ وعي القارئ، وفي الوقت نفسه ينطلق من هدف أن الإنسان في المركز، ولعل ارتكاز النقد لديه على نزعة إنسانية خالصة، من أهم ما يقدمه في طروحاته النقدية. ذلك ما يلحظه المتتبع لكتاباته بالذات في الأدب العربي الفلسطيني المحلي.

كما يؤكد أن أي نص أدبي، مهما بلغت صياغته اللغوية من فنية أو جمالية لا قيمة له إلا بما يحويه من مضمون ؛ جوهر النص الثمين. والمضمون يجب أن يعكس، بالدرجة الأولى، الواقع بما يحويه من تجارب ومعاناة وتأملات ويلامس الإنسان الساكن فيه. وقد يؤخذ على هذا النقد الأدبي، الواقعي الاشتراكي، كثرة الاهتمام والتركيز على المضمون لاسيما لجهة الصراع الطبقي، دون الالتفات إلى سائر القيم الشكلية والفنية الأخرى، وبطبيعة الحال أن يأتي ذلك على حساب جمالية النص وفنيته وقيمه الأخرى.
إميل توما علم بارز من أعلام الذاكرة الثقافية والوطنية للجزء المتبقي من أبناء الشعب العربي الفلسطيني في وطنه، له أياد بيضاء على مسيرة الحركة الأدبية والثقافية المحلية، لما قدمه من إسهامات جُلّى من مؤلفات ومقالات في مختلف مجالات الكتابة الأدبية والثقافية والتاريخية والسياسية. وتكشف كتاباته، لاسيما الدراسات منها، عن عمق نظرته إلى الأمور وأصالة تجربته فيها، مما جعل لها الأثر البالغ في صيانة الهوية والحفاظ عليها وعلى البقاء في البلاد، في وجه أدوات القمع والتشريد والحصار، وقد بدأ الكتابة منذ زمن مبكر وفي أحلك الظروف والمواجهة. كان إميل توما يواصل نشاطه بحيوية واجتهاد في مكتبه المتواضع نهارا، ويشارك في عقد الندوات الأدبية والثقافية واللقاءات والاجتماعات السياسية ليلا. ما يؤكد على أنه لم يقتصر اهتمامه على مجال البحث والكتابة، وإنما له نشاط واسع في المجال السياسي أيضا، لذلك أمكن القول: يعد إميل توما رائدا في الحقل الإبداعي في مجالي الأدب والنقد الأدبي تماما مثلما يعد مؤرخا وموجها في نشاطه الاجتماعي والسياسي

*في التأريخ

أصدر معهد إميل توما للأبحاث السياسية والاجتماعية في حيفا الأعمال الكاملة لإميل توما في أربعة أجزاء.

كذلك، كتابه "مسيرة الشعوب العربية" الذي يسجل تاريخ مسيرة الشعوب العربية منذ بدء الاحتلال العثماني للأقطار العربية إلى تاريخ هذا الإصدار. لم يهمل الكاتب في كتابه هذا أي نضال أو حركة للتحرر من الاحتلال العثماني إلا ذكرها، كما يستعرض الحركات والنضال ضد الاستعمار البــريطاني والفرنسي للدول العربية.

خص إميل توما القضية الفلسطينية بأربعة مؤلفات هي: "جذور القضية الفلسطينية" و "60 عاماً على الحركة القومية العربية الفلسطينية" و "منظمة التحرير الفلسطينية" و "الحركة القومية العربية والقضية الفلسطينية"، لهذا أطلق بعضهم عليه لقب: مؤرخ القضية.

يحلل إميل توما في مؤلفه "جذور القضية الفلسطينية" الحركة الصهيونية فكرا وممارسة، كحركة عنصرية رجعية خادمة للاستعمار، تقوم عقيدتها على الاستيلاء على كل فلسطين وعلى تشريد الشعب العربي الفلسطيني من وطنه.
 
* تـومـا والثقافـة العربيـة

لا شك في أن الأحداث المتعاقبة قبل النكبة وبعدها كان لها أكبر الأثر في تكوين حياة إميل توما الثقافية والفكرية، كمثقف فلسطيني ذاق على جلده النكبة وأهوالها بما في ذلك تشريد شعبه وضياع الوطن. واكب إميل توما مسيرة حياة الجزء المتبقي من الشعب العربي الفلسطيني على أرض وطنه، منذ بداية تشكلها مباشرة عقب النكبة عام 1948، فقدم إسهاما كبيرا في الدفاع عن الهوية الفلسطينية، والتمسك بها من خلال عمله في صحيفة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" كما دافع عن الثقافة العربية في مرحلة حاول فيها الاحتلال الإسرائيلي طمس الهوية والثقافة العربية ونشر العدمية القومية. وأدت كل من "الاتحاد" و"الجديد" دوراً مهمًا في هذا المجال، وفي نمو كوكبة من الشعراء والكتاب الوطنيين الذين ابتعدوا عن كل تعصب قومي، وكانوا يعبــرون في كتاباتهم عن مشاعر شعبهم وهمومه وآماله. يعتمد إميل توما في تحليله للأحداث في كتاباته التاريخية لاسيما عن الحركات الاجتماعية على المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، في ضوء الفلسفة الماركسية والصراع الطبقي. وتعد تلك النظريات أو المناهج من المؤثرات الأساسية التي ساهمت في تكوين فكره النقدي والثقافي على السواء.

ويلحظ المتتبع لكتابات توما أنه كان يركز فيها على علاقة الأدب بالمجتمع من منظور الواقعية الجديدة، والواقعية الاشتراكية، التي تهتدي بالنظرية المادية الجدلية في تفسير الأدب، وإيمانها بدور الإنسان الفرد، والطبقة العاملة، البروليتاريا، في المجتمع. وأن يكون الفن مرآة صادقة تعكس روح الجماهير والقيم الاجتماعية، فإذا ابتعد عنها ابتعد عن الصدق. وفي الوقت ذاته ينظر إلى الأدب كونه عاملاً من عوامل الكفاح من أجل تحرير الشعوب والتزام قضاياها، فإن ما يعنيه أو يهمه بالدرجة الأولى هو سعيه نحو تغير شامل في سبيل حياة أفضل وأجمل، للفرد والمجتمع على السواء.

ويعمد توما في منهجه وطريقته إلى تتبع عوامل التأثر والتأثير، ومن ثم تحليل أسباب
القضية المطروحة ونتائجها على بساط البحث، بما ينسجم مع فكره الاجتماعي والنقدي والثقافي.

(طرعان)
 
* مصادر الدراسة

* أبو حمد، عرفان: أعلام من أرض السلام، جامعة حيفا، حيفا، 1979.

* خليل، محمد: النقد الأدبي داخل فلسطين 48 في نصف قرن، طبعة جديدة، دار الهدى للطباعة والنشر كريم

2001، كفر قرع.

* غنايم، محمود: الجديد في نصف قرن، مسرد ببليوغرافي، مركز دراسات الأدب العربي، بيت بيرل و دار الهدى، كفر قرع، 2004.

* فرهود، كمال قاسم: موسوعة أعلام الأدب العربي في العصر الحديث، ط3، مج1، مكتبة كل شيء، حيفا، 1998.

* موريه، شموئيل و عباسي محمود: تراجم وآثار في الأدب العربي في إسرائيل 1948-1986، ط3، دار الشرق، شفاعمرو، 1987.

* الجديد، العدد3، حيفا، آذار 1964.

* الجديد، العدد7، حيفا، تموز/آب 1969.


محمد خليل

الدكتور محمد خليل: ناقد وباحث أدبي فلسطيني

من نفس المؤلف