الاثنين ١٤ شباط (فبراير) ٢٠١١
بقلم ندى يزوغ

الحداثة والضمير المستتر

تتعدَّد مجموعة من التشجيعات والنداءات في الصحف والمجلات، وفي كثير من المنابر الثقافية، لتدعو إلى ضرورة المطالعة والقراءة والتسلح بالحمولات المعرفية، التي لا بد أن تتعدَّد وتتبنّى نكهات كثيرة، نداءات شرعية وجميلة، ولكنني أتساءل عن مدى وعي الكثيرين من الذين لا يقرؤون لمدى أهمية ثقافة ناجعة في ظل عوزهم وإملاقهم، فكيف لمواطن بسيط لم يحقق شبعاً مادياً أن يفكر في امتطاء صهوة شبع معنوي، لن يصبح بعرفه سوى بذخ لا فائدة منه.

من هذا المنطق فالإنسان بالفطرة إذا جاعت معدته، فأبواب عقله تنغلق وتنتقل كل مؤشرات تفكيره نحو اتجاهات قد تصل أحيانا إلى ضيق في الرؤيا، وقد تتوسع إلى ممارسة انحرافات عند البعض، تتراوح حدتها حسب نسبة الجوع/العوز وزمنه.

هذا المواطن، عندما تسأله عن سبب ابتعاده عن ممارسة طقوس القراءة الناضجة، تأتي ردة فعله قاسية تجاه نفسه أولاً، لأنه يتقمص شخصية المتبرم، المظلوم والمقهور الذي لا حاجة له لاقتناء نجوم لم تحك أثوابها له، أو لأنها ليست على مقاسه، وأنت أيها السائل ستصبح أمامه عدوا لذودا فتحت جرحا لا يبرأ أبداً، فهو في لحظة واحدة يستطيع أن يختصر لك النهايات المبكية، مثلا لأولئك الذين تبنوا حمل لواء العلم والثقافة والتنوير على عاتقهم، فما جنوا سوى خسارات أمام برلمانهم.

كيف لك أن تزحزح قناعات متحجرة؟!، وكيف لك أن تقنعها أن الجهل بالحقوق والواجبات؟!، هو الذي يجعل شرذمة من السفهاء متحمسين ومصرين على استثمار واستغلال هذا التهور لصالحهم، ولممارسة كل أنواع السرقات دون أن يتركوا بصمة أو أثراً لجرائمهم النكراء، لا لشيء، فقط!، لأن القانون لا يحمي المغفلين الجبناء، الذين دوماً يتحمَّلون أوزار وتبعات غبائهم.

للأسف، بات المجتمع ناقداً لاذعاً ينتقد نقداً غير بنَّاء، فقط!، نقداً من أجل النقد، فهو ينتقد كل التغييرات الحاصلة بمحيطه حتى تلك التي تسرَّبت بين أوراق وحسابات عديمي الضمير، لإنقاذهم من أي طغيان، مثلا: الانتقادات اللاّذعة التي واجهتها مدونة السير الجديدة، مع العلم أنها من المبادرات الجميلة التي عرفتها بلادي في الألفية الثالثة، لذلك أرى أن المجتمع قد اختلطت عليه أوراق القرارات المتعدَّدة والبراقة، التي تنزل عليه كالصاعقة كمنهج "بيداغوجيا الإدماج" بميدان التعليم (كتكوينات رجال التعليم المتكرِّرة بنهاية سنة ألفين وعشرة)، التي دامت أسابيع متوالية!، فأرهقت جميع الأطراف المعنية إلا المفتشين والقائمين على تخطيط برامجها، التي كانت مواضيعها تتراوح بين: "كيفية محاربة الهدر المدرسي"، و"الإعلام والتوجيه". هذا على سبيل المثال لا الجرد، هكذا لم يعد المواطن في بعض الأحيان يفرق بين الصالح والطالح.

بلد كالمغرب لابد أن يسير نحو خطى الحداثة العالمية دون تماطل، وإلا أصيب بشلل لا مثيل له، ولا بد أن يتأقلم ويندمج مع تنوّع صيحات التكنولوجيا التي تبحث عن أسواق تروِّج فيها سلعها، فالمنافسة الاقتصادية هو غول السوق الذي لا يكترث للمتخلفين أو للجاهلين أو للحيارى، وهذا أضحى مألوفاً في ظل النظام العالمي الجديد، ولا رجعة عنه، ولا حاجة لنا بأسئلة كلاسيكية عن مدى قدرتنا على اللحاق بركب قطار العولمة المتسارع إعلامياً واقتصادياً.

للأسف، قطارنا الاقتصادي في ظل تخلفنا الفكري يشبه فكرة القطار السريع الذي سيهديه المسؤولون للمواطنين -ككل التفاتة ناتجة عن نية صافية أو غير صافية- تنويهاً لهم بمدى أهمية الوقت بحياتهم ومدى وزن الدقائق والثواني في سيرورة يومهم.

طبعاً، أصحاب الهدية الأوائل لم ينتبهوا! إلى مدى حاجة الركب إلى صعود السلالم من أول درجة، وليس من الأعلى، فقد اختلطت على المواطنين المفاهيم، فباتوا يغرسون في غير وقت الغرس، ويبنون دون أساسات صلبة، ويحتفلون بالكماليات وبأفراح الآخرين، ويرقصون لإنجازاتهم، وبالمقابل يكرم بعضنا بعضاً بجنازات الفشل والسهو، بل وصل الأمر لدرجة جهل ونسيان أو تناسي احتياجاتنا، ونقط ضعفنا ونواقصنا، والتذكير بها أضحى يعتبره البعض موضوعات تصلح أن تكون تعبيراً وإنشاء يدرس لتلاميذ هذا العصر.
لقد أضحت الأقنعة ناجعة في إخفاء معالم الضعف بكل صوره، ولن تزول إلا بنفض غبار اللامبالاة، وإقصاء فيروس عدم الإحساس بالمسؤولية.

لذا، ستكون أول خطوة نخطوها - كيفما كان وضعنا، أو مركزنا، أو دورنا في هذا البلد الجميل- هو طرح سؤال واحد على ذواتنا: هل نحن نملك ضميراً حياً، أم أضحى الضمير مستتراً في محل رفع مسؤولية ما باتت نائمة، وبالتالي كان أثره فعّالا لإبادة قيم نبيلة وإنسانية.

علماً بأنه يشترط لطرح هذا السؤال أن نكون أمام مرآة واضحة دون خدوش، وأن نكون وحدنا في مواجهة الضمير الحي دون رفقة أحد، ويكون يوم الطرح مشمساً، وحالة المزاج على ما يرام، فالعامل النفسي مشروع، لا يمكن تجاهله، لكي تتحقق الشفافية اللازمة مع ذواتنا، فنبتعد عن التنميق والمغالاة والمباهاة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى