الاثنين ١٤ آذار (مارس) ٢٠١١
بقلم ندى يزوغ

نبض حائر

غادرني نبضي، لأن مجسَّاته تستشعر حالاتي، ولم تكن أنفاسي تقرأ ما بقلبي، لا وضوح، ولا مؤشرات، ولا مزدلفات، لأنني كنت خارج حدود الأرض، وكأن العالم من حولي فراغ!، إلا من ورقٍ أبيض، يستفزّ بوحي، وينشره على حبال الذاكرة.

أعلم، أن مساحات اليابسة تخجل من حكرِ الماء!، ويذبل في البرد من الشمس دفئها، وكذا في فصل الشتاء!، وخيار الإنس يراهن على (نكران لمعروف، أو إحسان لوفاء).
بوحي كان لي، فاستعذبت السراب، ولذة الغوص في مراياه، فالكحل الجميل يأخذ لون الغراب، وقلبي المرهف.. منْ ذا الذي يستحق خفقانه، وتحاياه.

لم أك أبداً عطشى، لا، ولا غضبى من النجوم، فأنا لا أقرّر حاكم اليوم أكون، أو غداً محكوم!، فالسراب يحمل لي أخباراً زائفة فوق التراب، كنت فقط!، مندهشة! من هول الغرق!، ومن رعدٍ في سمائي، ومن برقْ!، أقاوم الزجاج، وفي الماء أنا لا ملح ولا أجاج.

أعود للدهشة، من ضجة الألم المرير حين يصرخ بي!، فأغفو، وأنا المتيقِّظة عند الجدول، أعقد صفقة مع خلواتي!، وأعّد حين الصلاة ركعاتي، ثم أعود من صفحة الكون إلى عوالم خيالاتي!، غير منكسرة، فطالما عاودتني طقوسها، فأمارس طغيان الأزرق الذي يسبح في السماء، أمشي وأنا المتعثِّرة، كسائلٍ يعج شقاء، وقد حطَّ كثافته الثقيلة فوق غيماتي صروحاً من عناء.
أدرك أن القلب الشغوف لا يقبل أن نحمِّل على النفس ظروفها، حينها!، ساورني حلم لا يعترف بالأشكال الهندسية، ولا بمعادلات المنطق، أو حين يمشي الطين على طين!، فالطفل المدلّل يزداد دلاله حين ينطق، وحين يتحرَّك في صلابة، أو في لين. لا بأس!، فالحلم قلادة المتفائلين، وهو ضيف اللحظة المباغته -أيضاً- حين تجلٍ. فمهما اضطربت الروح لا بد لها أن تستكين.
سأقطف محصول اللحظة!، إذْ بإمكاني التحايل على أفعى حيرتي، أجتنب بعقلانيتي البطيئة لدغاتها، ثم أبكي من جرح ماكر لا يعرف للصلح عنوان، صلد هو وأنكى، لكنه!، هيّن أمام كيد أنثى!.

أتجمَّل -الآن- مع هدهد حيلتي، أقاسمه نبأ سريرتي، فأنا - ما زلت- أجهلها حين حلم بات يعبأ عطره في قارورتي.

مضيت أفتِّش عن حلي همساتي، وتربَّعت بها فوق عروش حواء، وتجاهلت زلازلاً يسكن أعماقي، ما رفعت راية بيضاء، وما استسلمت أبداً للشقاء!، ولكن!، أنين الحلم كان أقوى منّي، فقرع أجراسه يعلن أني عروس الأرض.

وحدي كنت أرى الجو صحواً، وأشم عبير الكون، وكأن نوَّراً يبلسم لحظاتي، ويفترش أزاهيري، ويرتِّب تموّجات أفكاري التي تسبح في غيابه!، لقد كان يسامرني، ويقبّل معي جبين الصباح، بلغة ترسمني ابتسامة تكحّل بها فلاح، نادته الأرض، فراح يحمل لها الفأس.

كنا معاً وقت بعثرة خيوط الليل، وكلما دنى الفجر أرى حشرجات ليل منهزم غير مبال بانكساراته الاخيرة!. عظيمة الصبر أنا، وهو شديد البأس.

نعم، كان معي بأول اشراقة، فتلاشى مع الصبح، وهمّت أشباح الكآبة تراودني.
منْ ذا الذي لا يفنى، أو من العذاب مستبعد!. كلنا في العيش نرسم حين ننام وجه السعد، فيزول مع اليقظة كل وعد، لكننا نتقي غضباً ابتلع غشاش الحِلم فينا، ومع الطيف سافر، ولم يعد.

أحزاني حين الترويض تصبح جامحة، وتتغلّغل بين قسمات وجهي!، من خدٍ إلى خد، لا أدري إن كنت أستطيع تجاهل في الأسبوع يوم الأحد، أو أن ارتدي ثوب العتمة الأمد، فمجالها المشحون بالخوف مؤقّت، لأن الليل العاتي بظلامه ينقشع حين شروق، وجروحه الساميات مع الصبح الباكر تأتي ودود، وتتكوّم عند النافذة المشرعة للضوء والبعوض، تنشد الطيران إلى "اللامكان"!.
يا خبز الريف في التنور، رائحة القمح أنتَ والنور، مهلاً عليّ!، كن صبور، فالصدر دونكَ فارغ كالبئر ينتظر المطر عبور، عنقوده يشرب منكَ، وحين يرتوي يثور.

يا غصن الشجرة التي شهدت ملحماتنا الحور، ردّه لي رداً جميلاً، لعلّي أجده أمامي ضاحك السن منصور.

كلما أغمضت عينيَّ أجده يتكئ على حافة لغزٍ قلته له، وحين يفكِّك أسوار اللغز مغرور،
أباغته بنظراتي مسلوبة العقل، دون شعور.

كم استنشقتهُ، ورحت أقاسمني مع العصافير، أتعلّق بأجنتحتها وحوله أطوف، وأدور، ثم ركضتُ دون أن أعي كنه العبق في باحة الدار، أو في الطابور!.

أبحث عنّي، عن وردتي في يده، عن ورقتي في جيبه!، لكنه، لبس السفر، وامتطى جواد الغياب، والمسافات بيننا تبلع قناديل العتاب.

تبعثرتُ كأوراق الخريف!، فأصابع قدماي تخلّلها عرق الارتباك. أيهما أرحم علّي (ليلٌ حاضرٌ به، أم نهارٌ يحفل بذكراه!)، لا مجال للهرب إلا إليه، فالمنطق هنا يكون عجزاً!، إذْ المضمار كله مرماه.

تماسكت.. استجمع قوة تُطهرني من الكسل، وفي أعماقي بئر من تعب، ودموع وبلل.
هربت بثوبي الأبيض، وحلّقت بعيداً، وتركت تحت الشمس دموعي، وأعلم أنها لن تجف!.
كتمت آهة كانت تتنفّس بي!، قطعة سكر في قلبي وعقلي له، ومرارة تكسو لساني كانت أيضاً له.

أقاطع همساتي، ولم أشأ أن أفعل مع لهفتي المسنودة على حائط وصل بنيته له.
لا يهم!، إذْ كل شيئ يتساوى عند الانكسار!.

سمعت أصواتاً من بعيد.. تبيعني وتستبيحني علناً!، ولا مجال للغضب في حضرة الوجع! اجتاح الصدمة وتجتاحني، وفي الاجتياح العاتي لا شيء مباح.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى