الخميس ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٥
بقلم ليلى بورصاص

عندما يحب القلب...

الإهداء: إلى النور الذي ملأ حياتي فأحال ظلامها ضياءا... وصقيعها دفئا لطيفا... فأضحت تتراقص بنوره ألوانا...

... جلست على كرسي الانتظار في محطة القطار...

وعدها أن يأتي اليوم... وطلب إليها أن تنتظر قدومه في قطار الساعة الرابعة مساء يوم الأربعاء... اتجهت إلى المحطة منذ الصباح لم تستطع الانتظار حتى المساء... كم اشتاقت له... تساءلت منذ متى بدأت تحبه؟... بل ومنذ متى أصبحت تحب؟... مثل كل هؤلاء البشر الذين يحبون؟... لم تعرف في حياتها معنى الحب... ذلك الشعور الغريب الذي يجعل كل أجزاء الجسم ترتعش بإحساسه... انه الذي يجعل نبضات القلب تسمع من بعيد...

انه الذي يخطف النوم من جفون المتيمين... انه الذي يرسم ابتسامة دائمة على شفاه المحبين... انه الذي يجعل الإنسان يحس انه يطير كالفراشات... وينشر السعادة في كل مكان... ويجعله يسمع موسيقى سماوية تعزف على أوتار الحياة فتقلبها من جرداء خالية إلى جنة ساحرة... تساءلت كيف استطاعت أن تحب؟... بل كيف تمكنت من الحياة دون حب حتى الآن؟... فعلا انقلبت حياتها انقلابا عجيبا... أحست لها طعما حلوا... انه من دفع بها إلى هذه الحياة الجميلة التي أحبتها كثيرا... لا زال الوقت مبكرا كثيرا على موعد القطار... لا بأس إنها لا تحس مللا في انتظاره... لديها ذكريات جميلة كثيرة تلوكها كالحلوى ... وتقضي باسترجاعها الوقت الطويل... إنها تذكر أول مرة قال لها كلمة احبك... ابتسمت و أحست دماءها تجري بقوة في عروقها... خشيت أن ينتبه الناس إلى ما طرا عليها من تغيير مفاجئ... لكنها اكتشفت أن كل واحد منهم لاه عنها في أموره... عادت إلى عالمها الجميل الذي تملكه هي... عادت إليه سعيدة جذلة... متى قالها لها؟... إنها تذكر… قالها ذات صباح... على الساعة العاشرة بالضبط... قالها لها باللغة الإنجليزية... أحست أن دوارا قد أصابها... و أنها لم تسمع جيدا... فطلبت إليه أن يعيد ما قاله...
- سألها: ألم تسمعي أم لم تفهمي؟
- أجابت: أخاف أن يكون ما سمعته خطا...
فأعاد على مسمعها الكلمة مرات ومرات... في هذه اللحظة فقط علمت لماذا ينتحر أناس من اجل الحب... ولماذا يفضله البعض الآخر على المال... ولماذا يجن آخرون بسببه... عرفت معنى قصص روميو و جولييت... وقيس و ليلى... وجميل و بثينة... عرفت معنى دموع صديقاتها عندما يتألمن لفراق أحبائهن... عرفت لماذا يتغنى به الناس ويقدسونه... فعلا هذه المعاني لا تعلم في المدارس... و لا توجد في كتب... بل يجب أن تحس... أعادها إلى الواقع صوت صفارة قطار الساعة الثانية...

يا الهي! لا زال عليها الانتظار ساعتين أخريين... لا ضير مادامت ستلقاه بعدها... إنها على استعداد لأن تنتظره مدى الحياة... إنها تتذكر كل كلمة قالها لها... كل حرف همس به... إنها لا تضيع أي شيء... و كأنها تخزنها وتحتفظ بها حتى تستمتع باسترجاعها حين تشتاق إليه... وما أكثر ما تشتاق له... فهو دائم الغياب... بسبب مسؤولياته... إنها تستعجب كيف تجد في هذا الاشتياق والعذاب ألما لذيذا أو لذة أليمة... لطالما وصفت المحبين بالأغبياء... وهاهي تمارس طقوسهم الآن... قطعت عليها حبل أفكارها صفارة قطار الساعة الرابعة... رأته من هناك... ينقص سرعته استعدادا للتوقف... أحست برغبة شديدة في احتضانه... انه يحمل بين ضلوعه الحديدية من تحب...

انه يحمل من يهوى قلبها البرئ... توقف القطار... وبدا المسافرون ينزلون أفواجا أفواجا... تسارعت دقات قلبها... إنها تقلب في الوجوه بحثا عنه... إنها لا تضيع أي وجه... و أخيرا خرج آخر مسافر من القطار... واخذ يستعد للانطلاق من جديد إلى محطة أخرى... انقبض قلبها... أسرعت إلى مراقب المحطة... تترجاه أن ينتظر فحبيبها لم ينزل بعد... لابد أن يكون هناك خطا ما... – آسف يا سيدتي لا بد للقطار أن يغادر في موعده... قد يكون من تنتظرين لم يأت في هذا القطار... أرادت أن تخبره انه وعدها... وانه ليس من النوع الذي يعد ولا يفي بوعده... لكنها تراجعت...- انتظري قد يأت في قطار السادسة... صحيح معه حق... لابد أن يكون قد أخره طارئ ما ففضل المجيء في قطار السادسة... طبعا انه سيأتي... ومادام قد ضيع هذا القطار فسيأتي في القطار الذي يليه... طمأنت نفسها بهذه الكلمات وعادت إلى التفاؤل والابتسام... رغم ما تسرب إلى حنايا نفسها من قلق... ليترسب في أعماق يقينها... بأنه قد لا يأت... شعرت بالجزع لهذه الفكرة... أن لا يأت... ولكنه وعدها... سيفعل المستحيل ليأتي... فهو يعلم أنها تنتظره... خامرتها شكوك... و أصبحت ضحية لطعنات الظنون و الهواجس و الأفكار... لم يعد للانتظار أية لذة... ضاعت بين زوايا القلق و الإضراب والخوف... انتبهت لصافرة قطار السادسة... مثلما تمنت قدومه بسرعة... ودت أن لا يصل... خوفا من أن لا يكون فيه... بدا المسافرون بالنزول... عاد قلبها ينبض بقوة من جديد حتى خالته سيخرج من صدرها... بحثت في الوجوه بدقة شديدة... انتظرت حتى نزول آخر مسافر...
أغلقت الأبواب... و استعد القطار للمغادرة... عادت إلى الكرسي تجر أذيال الخيبة... قلبها لم يعد ينبض الآن... لقد توقف... مجيئه أصبح ضربا من خيال... أحست قواها تخور... جاءها مراقب المحطة:- ماذا تنتظرين يا ابنتي... هذا آخر قطار في برنامج اليوم... ماذا آخر قطار؟ يا لسخف الأقدار... يجب أن تغادري قبل أن يخلو المكان من الناس... فالجو شتاء والظلام يهبط بسرعة... يا ليت الظلام يكتنفها بسرمديته... بسكونه... بوحشيته المكتومة... أرادت أن تقف... خانتها ساقاها... كل جسدها لم يعد يستجيب لأوامرها... لقد تمرد عنها... حاربته... ووقفت... وسرعان ما سقطت على الأرض... أسرع المراقب وساعدها على الوقوف...- ما بك يا ابنتي هل استدعي الإسعاف؟- لا يا عم... سأحاول المسير لوحدي... جرت جسدها متكأة على الحائط في محاولة للمسير... التفتت إلى المحطة الخالية من البشر وابتسمت... سأعود إليك يوما... و سيأتي من انتظر... وألقاه فيك...


مشاركة منتدى

  • عندما قرات هذه القصة احسست ان كاتبتها تقصدني او تتكلم عني او انها لسان حالي فكانما تصف ماحدث معي لم اكن اؤمن بان القصص والروايات يمكن ان تتحدث عن ما لا نستطيع قوله عن انفسنا كنت اخالها تتكلم عن عوالم الاحلام واللامرئيات لكن بعد قراءتي لقصتك احس فعلا انني انا من يسرد قصته تصوير رومانسي رائع اشكر زميلي احمد حسن عبد الله الذي ارشدني لمجلة ديوان العرب حتى تمكنت من قراءة هذه القصة الجميلة واتمنى لصاحبتها المزيد من النجاح والتالق . امنية مصر

  • احببتي ... فشعرتي ... فكتبتي ... فتألقتي ... فأبدعتي.
    فقرأت ... فأعجبت ... فهنيت.
    محمد سلطان

    • انت تعلم يا سلطان ان رايك يعطي القصة نوعا من المصداقية فان انت قلت فيها هذا فهي هكذا فعلا اشكرك يا اخي المصري واتمنى لك النجاح في دراستك على فكرة ما اخبار الامتحانات اختك في الجزائر ليلى بورصاص

  • ليس عندي ما أقوله ....فقط أريد أن أقول لك أن ....أسلوبك رائع ....ليس به أي تكلف....هذا كل ما عندي؟!
    محمود ابراهيم
    مصر

  • تأخرت قاصداً من ناحية و غير قاصد من ناحية أخرى في مداخلتي الأكيدة تفاعلاً مع "قلب" ليلى بورصاص "عندما يحب". و تأخري غير المقصود ليس من حقي أن أزعج القاريء به كونه يتعلق بإرتباطي و إنشغالي، أما المقصود في التأخير فلكي أكون موضوعياً أو قريباً من الموضوعية عندما أعطي نفسي الفرصة الكاملة في تذوق و فهم و التفاعل بكل حيوية مع نص إبداعي بقيمة و أهمية "عندما يحب القلب" مرات و مرات و في أوقات متفاوتة حتى أيقنت أن قصة كهذه لا يمكن إلا أن تكون مؤثرة و بكل ما فيها من واقعية بسيطة و خيال راق و تصوير خلاق يضاهي نظيره في نص أطول من هذا النص.

    فصدقية الموضوع و واقعيته تتملك القاريء منذ الإهداء، فـ"النور" و" الدفء" و "إرتعاش الجسم" و "ما يجعل نبضات القلب تسمع من بعيد" و "ما يخطف النوم" و "ما يجعل الإنسان يطير كالفراشة و ينشر السعادة في كل مكان" و "ما يقلب الحياة من جرداء خالية إلى جنة ساحرة" بــ"إجماع الأطباء و المختصين و الخبراء" هي من أعراض إصابة القلب بفيروس الحب و بكتيريا الغرام و هي هنا إصابة بالغة.

    تميزت قصة ليلى بورصاص بإستحضارها محطة القطار، و المعروفة برمزيتها للقاء بمن تنتظره، كما أن محطة القطار تحمل مدلولا خاصا في أغلب الثقافات العربية و غيرها من حيث هي الوسيلة التي يتنقل بواسطتها كل أو أغلب فئات المجتمع، هذا يعني أن أناسا كثيرة و ليس نخبوية ستتأثر بواقعية القصة. فمن يقرأ هذه القصة بالتأكيد، يخالجه شك بأنه المقصود بهذه القصة فهو في الغالب مر محطة القطار سواء كان منتظِراً (بكسر الظاء) أو منتظَراً (بفتح الظاء).

    براعة ليلى بورصاص في دقة تشخيصها لحالة الإنتظار التي يمر بها من ينتظرا حبيباً يوما كاملاً ففي كل مرة يقترب بها القطار من المحطة ثم ثم في وقوفه و نزول ركابه ثم تبقى بأمل، الذي تعيشه في كل رحلة حتى يخرج آخر مسافر فتعيشنا بالأمل إلى الرحلة التي تليها ثم التي تليها حتى إذا ما انتهت رحلات القطار كلها في ذلك اليوم، و حل الظلام و إنهار جسد بطلتنا و خارت قواها لكثرة إحباطها و جاءها مراقب المحطة يريد مساعدتها، تبقى إيضا تعيش الأمل. الأمل بلقاء فارسها الذي بسببه تكبدت كل هذه المصاعب

    "عندما يحب القلب" منهج جديد تقدمه ليلى بورصاص لم تقدمه من قبل. إن صح لنا القول بأن "عندما يحب القلب " تدشن مرحلة جديدة من كتابة قصة الحب، و هي بلا شك منعطف مهم في مسيرة ليلى القصصية. فمع أن موضوعات ليلى السابقة إرتبطت بالنضال و الحقوق و مقاومة الظلم و الوطني و القومي و الإنساني و هذه موضوعات مهمة و يتداخل أيضا معها و فيها الحب و الوجداني في بعض الأحيان إلا أن هذه المرة الأولى التي تكتب ليلى عن الحب، أو يكتب الحب ليلى موضوعا كاملاً...

    صادق الود و التقدير

    عبداللطيف الضويحي

    • ... عجز قلمي وشل لساني امام ماتفضلت بقوله وكتابته لاادري ان كنت استحق كل هذا الاطراء... لكن ما هو مؤكد انك قد مددت قصتي بروح ... جعلتها تحيا بعد الجماد... اتعرف معنى الحياة اكيد انك تعرفه... قصتي و ان كنت اعتبرها ما جاد به قلمي... تعبير قد يكون لمعنى خيالي او واقعي موجود او غير موجود... لكنك رايت فيها جوانب خفية ربما لم تستطع كاتبتها نفسها رؤيتها... اشكرك على كل شيء على منح الحياة لقصة في الحياة... اشكرك لانك في كل مرة تجعلني اثق في نفسي وفيما اكتب اكثر فاكثر... اشكرك لانني اخذت من وقتك الثمين جدا دقائق يمر فيها نظرك بحروفي ...فيراها... ثم يحولها الى عقلك الباطن فتجود عليها بالنقد... اعرف انك تحب الحلويات الجزائرية كثيرا... فمثلما لم تبخل علي لا بنقدك ولا بوقتك فلن ابخل عليك بها... واستهديك اجمل حلويات موجودة في الجزائر كلها ... لكن لدي سؤال هل انت طبيب ام ناقد ام الاثنين معا فالفيروسات والبكتيريا موجودة في المخابر الطبية... اشكرك كثيرا وعسى ان لا احرم من نقدك لي ولما اكتبه... ليليا بورصاص قالمة الجزائر

  • لا اقدر على تعبير ما بداخلى من فخر لهذا المقال واتمنى ان ترسلى لى موقع النشر الذى تستخدمية لاطلع على كل مقالاتك لانها تعبر عما بداخل الانسان ........... التوقيع
    مصرى محب
    ahmed_es33@yahoo.com

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى