الخميس ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٥
بقلم محمود البدوي

التفاحــة

ذات ليلة من ليالى السبت كنت أسير وحدى فى شارع جنزا .. ذلك الشارع المتألق بمدينة طوكيو دون وجهة معينة .. ودون رغبة .

وأخذت أستعرض واجهات المحلات التجارية بأنوارها الزاهية .. وأرقب المارة فى زيهم المختلف الأشكال وفى أناقتهم البالغة .

وكان منظر النساء فى لباس الكومينو يستهوى النفس ويأخذ بمجامع القلب . ورأيت فتاة يابانية فى زى أوروبى تقف على ناصية تحت مصباح أزرق وقفة رائعة ونظرها يتجه إلى بالون كبير مضىء يدور فوق إحدى السطوح !
ورأيت شابا على بعد امتار منها يلتقط لها صورة .

فوقفت أتأملها .. كانت الفتاة رائعة الحسن حقا ومن نوع جديد شديد الإثارة . لم تكن تسرف فى زينتها ككل اليابانيات .. بل كانت متأنقة فى جمال طبيعى وفتنة فى العينين الذابلتين وفى الشعر الأسود الشديد اللمعان وكانت تسريحتها يابانية جميلة ووجهها أبيض نضيرا ..

وكانت ترتدى جونلة وصديرا من الصوف البنى .. ينسجم انسجاما رائعا على جسمها الرشيق .. ووقفت أتأملها والمصور يلتقط لها الصورة ثم حركت قدميها الصغيرتين ومضت فى الشارع وحمل المصور آلته ومضى وراءها ..

ولما خرجت من هذا الشارع الكبير إلى الشوارع الجانبية الضيقة المتألقة فى الليل الحالم .. رأيت هذه الفتاة تقف نفس الوقفة للتصوير .

ثم رأيتها مرة ثالثة فى مكان آخر ، ولما وقفت أرقبها هذه المرة رمقتنى وابتسمت كانت تتصور أننى أتبعها عامدا .. مع أن لقاءنا فى كل هذه المرات.. كان من قبيل المصادفة البحتة وتركتها فى زحمة الناس وأنا مأخوذ بسحر جمالها ..
ومضيت أتجول فى المدينة الضخمة حتى أحسست بالتعب وجذبتنى قهوة صغيرة على الطريق فدخلتها لأستريح وسرنى الهدوء الذى لمسته فيها والموسيقى الخفيفة التى تنبعث من الجرامافون . وكان سقفها وأرضها وسلمها الداخلى من الخشب المزخرف المطعم . وعلى الحوائط رسومات زيتية رائعة .

وكانت القهوة من طابقين والموائد صغيرة وأنيقة والكراسى طويلة ومكسية بالقطيفة وأصص الزهور فى كل ركن وكان فيها سبع بنات حسان يقمن بالخدمة ..

وانحنت أمامى حسناء تسألنى فى أدب ورقة عما أطلب .. ولقد عرفتها فى الحال كانت هى الفتاة التى شاهدتها منذ ساعة تتصور فى الطريق ..

وقلت لها وأنا أنظر إلى السواد المتألق فى عينيها ..
ــ زجاجة صغيرة من البيرة ..
ــ لا يوجد هنا بيرة ..
ــ لا توجد بيرة .. ؟
ــ إطلاقا .. إنه مقهى كما ترى فيه قهوة وشاى .. وعصير فواكه ويمكن أن تطلب وجبة خفيفة ..
ــ إذن سأشرب قهوة ..
ــ حالا ..

واستدارت نصف دورة بين الكراسى والموائد .. ثم هبطت سلما خشبيا صغيرا وأخذت أعد ضربات أقدامها على الخشب وعادت بعد قليل تضع أمامى طبقا فيه فوطة بيضاء مبلولة .. يتصاعد منها البخار .

وكنت أعرف أن هذه الفوطة تقدم دائما فى طوكيو قبل الطعام والشراب وحتى عند الحلاق !

فقلت للفتاة مداعبا ..
ــ إن حى جنزا كالبلور .. فمن أين يأتينى العرق والتراب .
ــ ستشعر على أى حال بالراحة بعد مسح وجهك !

ولقد شعرت بالراحة فعلا منذ وضعت قدمى فى هذا المكان .. فجوه الشعرى الحالم .. يرخى الأعصاب .. ويهز المشاعر وكان هناك ثمانية من الرواد .. جلسوا فى هدوء وصمت .. والشىء المتحرك فى المكان .. كان شابا يابانيا ينهض كل دقيقة إلى التليفون .. ثم يعود إلى مائدته ، وكلما وضع السماعة كان يتحدث مع صاحبة القهوة وكانت جالسة على « البنك » تبتسم له وتحيى الداخلين والخارجين بابتسامة أيضا .. وانحناءة من رأسها .. وكانت هناك فتاة واقفة وراء الباب تفتحه للداخلين وهى تحييهم تحية الاستقبال ..

وجاءت فتاتى تتهادى وتحمل القهوة ..
وكان ثمن الفنجان 60 ينا ..

فأعطيتها قطعة بمائة ين .. ولما ردت الباقى قلت لها إنه بقشيش ..

وقالت برقة وقد أحمر خداها ..
ــ إننا لا نأخذ بقشيشا .. ؟
ــ لماذا ؟
ــ هذه تقاليد القهوة ..

وكانت صاحبة المحل ترقبنا بابتسامة فطويت الباقى فى جيبى ..

ولاحظت أن الفتيات الأخريات يحادثن الرواد ما دام ليس لديهن عمل ..

فقلت لفتاتى ..
ــ لقد شاهدتك تتصورين هناك ..
ــ وأنا رأيتك أيضا ..
ــ هل كانت الصورة .. كتذكار ؟ ..
ــ أبدا .. إن المصور يبيعها لمجلات أميركية .. فوج .. ولوك ..

ـ وكم تأخذين على الصورة .. ؟
ــ خمسمائة ين ..
ــ خمسمائة ين ؟ ( 50 قرشا ) إنه يبيعها بمئات الجنيهات !
ــ إن العملية .. لم تستغرق أكثر من نصف ساعة .. والخمسمائة ين لا بأس بها لفتاة مثلى ..

ونظرت إلى وجهها الضاحك .. وكنت أود أن أقول لها إنها تساوى كل ما فى الأرض من ذهب ..

وسألتنى ..
ــ هل تحب أن تسمع موسيقى شرقية ؟
ــ يسرنى هذا ..
وأذاعت بعض الموسيقى الهندية .

وسألتها ..
ــ إلى متى يبقى المقهى مفتوحا ؟
ــ حتى الحادية عشرة ..
ــ وبعد ذلك ؟
ــ نذهب لننام ..

وضحكت ..
ــ وإذا ذهبنا إلى السينما أو المسرح ..
ــ لا يوجد مسارح فى طوكيو فى مثل هذه الساعة .. والسينما .. ماذا يبقى على الفيلم ؟
ــ تكفينى نصف ساعة .. الغرض أن نتنزه معا ..
ــ تعال غدا .. وسأتفق مع إحدى زميلاتى .. ونخرج من الساعة التاسعة..
ــ فى الساعة التاسعة غدا سأكون فى المطار ..
ــ حقا .. راحل عنا سريعا ..
ــ بكل أسف .. يضطرنى عملى لهذا .. وأرجو أن تحققى رغبة شخص غريب يحب اليابان .
ــ ما هى رغبته ؟
ــ أن نتجول ساعة فى حى جنزا ..

وفكرت قليلا .. وهزت شعرها .. ودفعت سوالفها بيديها .. ثم قالت بنعومة ..
ــ انتظرنى على ناصية الشارع .. وسآتى بعد دقائق ..
وشكرتها بقلب حار .. وخرجت من المقهى .. وأنا أطير من الفرح ..

***

وانتظرتها وجاءت .. وأخذنا نتجول فى المدينة الحالمة .. ونرى الفوانيس من كل الألوان على واجهات البيوت .. والبالونات .. تضيئ بالألوان الزاهية..

وكانت السماء تمطر رذاذا ، وشىء خفيف كهزة الزلزال .. ترج المنازل..

وأمسكت بيديها .. ولم يكن هناك شىء فى الوجود يمكن أن يفصلنى عنها فى مثل هذه الساعة .

كنت لا أعرف اسمها .. وكانت لا تعرف اسمى .. ولكنا شعرنا بعاطفة قوية جمعتنا معا ..

وكنت أسمع دقات قلبى كأنها تناديها .. لتقترب منى أكثر وأكثر فى كل خطوة ..

ومشينا على مهل نتمتع بالجمال .. ثم دخلنا مرقصا من المراقص التى تسهر إلى الصباح لنجد وقتا طويلا نقضيه معا ..

وجلسنا متجاورين نتحدث ومن عجب أننى لم ألتفت إلى الرقص وكان المرقص يضم أشهر الراقصات فى طوكيو ..

وسألتنى .. بعد أن خرجنا ..
ــ هل أعجبك الرقص ؟
ــ إننى لم أشاهد شيئا ..
ــ لماذا ؟
ــ إن حواسى كلها كانت متجهة إليك ..
ــ إلى هذا الحد أنت معجب بى ؟
ــ اسمعى دقات قلبى ..
فضحكت

وقلت لها وأنا أضغط على يدها ..
ــ هل يمكن أن نختم هذه الجولة .. بفنجان من الشاى فى الفندق .
ــ كما تحب .. ولكن لا تؤخرنى كثيرا عن بيتى ..

وأحسسنا بالجوع .. فأكلنا لحما مشويا على النار .. ونحن وقوف فى مطعم شعبى قرب محطة شمباسى ..

واشترينا أربع تفاحات كبيرة لنأكلها فى الفندق ..

ولما وصلنا باب الفندق الدوار لم نجلس فى البهو بل وجدت نفسى .. أسير بها إلى المصعد .. ومشت بجوارى صامتة ..

ودخلنا غرفتى .. وجلست محمرة الوجه .. ساكنة .. وسألتها ..
ــ هل نطلب شايا ؟
ــ يكفى أن نأكل التفاح ..

وتناول كل منا تفاحة .. وأخذنا نأكل ونضحك ..

وخلعت بلوزتها .. وجلست بجوارى .. فكنت آخذ قضمة من التفاحة وأقبل فمها .. وكانت حلاوة فمها أحلى من التفاحة .

***

ولم يكن فى غرفتى الصغيرة مرآة .. فذهبت إلى الحمام لتتزين وعادت كالعروس .. فوجدتنى ألقى بالتفاحة الأخيرة والباقية منها فى سلة المهملات وكنت قد أخذت منها قضمة ..
ــ ولماذا تلقيها فى السلة ؟
ــ شبعت ..
ــ ولكنها خسارة ..

ووضعت يدها فى السلة وأخرجتها ولفتها فى ورقة ..
ــ لماذا فعلت هذا ؟ ..
ــ سأخذها لوالدتى .. إنها لم تذقه قط !

وكأنما لسعنى سوط .. فمزق لحمى .. وانتفضت .. وذابت كل عواطفى الجياشة فى تيه من المشاعر المتضاربة .

وأخذت أسائل نفسى .. هل والدتها فى حاجة إلى تفاحة معطوبة .. اشتريناها بأربعة قروش وهل هى فى حاجة إلى مثل هذا المبلغ وأقل منه لتأكل التفاح .. أى بؤس وأى حياة تاعسة تعيشها هذه المسكينة وأمها .. وأنا لا أدرى ولا أفكر إلا فى رغبات حواسى ونزواتى ..

وكانت الفتاة فى قميص النوم فى هذه اللحظة وقد تهيأت للفراش ولم تفهم ما دار فى رأسى ونظرت إليها كشىء ذليل يمزقه الفقر ويمنحنى نفسه .. عن حاجة وليس عن رغبة .. وليس عن حب ..

واستراحت على الفراش .. فأمسكت بيديها ..

وسألتنى بصوت خافت ..
ــ ألا تخلع سترتك ؟
ــ أبدا ..
ــ لماذا .. ؟
ــ لأننى سأرافقك إلى بيتك .. فى الحال وسأشترى لوالدتك صندوقا من التفاح ..

وفاضت عبراتها .. فأمسكت بيدها .. وضغطت على يدى وشعرت بالحرارة الإنسانية لأول مرة .. الحرارة الخالصة للنفس البشرية .. الحرارة المتدفقة من أعماق القلب ..

نشرت القصة بمجوعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " فى سنة 1960 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص من اليابان 2001 من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر بالقاهرة


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى