الأربعاء ١١ أيار (مايو) ٢٠١١
بقلم بوعزة التايك

الشبح

«حبيبة» ابنة أحد أفراد عائلتي طفلة لطيفة خفيفة الدم ومحبوبة من طرف الكل لدرجة أصبحنا نخاف عليها من العين الحسودة والألسنة النمامة النارية. أحبها من كل أعماقي وأشعر أمامها بسعادة لا حدود لها وهي بدورها تكن لي حبا لا يضاهيه إلا حبها لوالديها وجدها.

طلبت مني هذا المساء قلما وورقة فكتبت ورسمت ولعبت وغنت ثم قامت تاركة وراءها القلم والورقة. دفعني الفضول فتصفحت الورقة وقرأت ما يلي غير مصدق أن طفلة عمرها ست سنوات لها هذا المستوى من الكتابة وطرح الأسئلة الصعبة.

عمو بوعزة، هناك أسئلة لم يتجرأ أي فرد من العائلة على طرحها عليك. وقد سمعت مرارا أمي وأبي وأنا بجانبهما بالفراش يتحدثان عنك بمرارة لأنك أصبحت لغزا لكل أفراد العائلة. هل أنت فعلا ضحية سحر أوقعتك فيه امرأة تهوى اللعب بنجوم الليل ؟ هل صحيح أن قلبك من حديد وكبدك ترقص داخله سكين الجني الذي لا لون له ؟ هل عزفت عن الزواج لأسباب ايديولوجية أم أن النساء لا يعرنك أي اهتمام ؟ وتلك المرأة التي كان أبي يعرفها لما كان صغيرا، أفعلا تستحق كل هذه التضحية أم أنك تريد إلصاق فشلك في الحياة بها ؟ ودراستك الجامعية التي تركتها بصفة نهائية سنة 1972 أكانت بسبب عشقك لفستان الثورة الحمراء أم أنها استراتيجية لتبهر بها رفيقات دربك وتوحي لهن أنك ثوري خطير لإثارة إعجابهن ؟ هل ترفض الاندماج في المجتمع لسبب مبدأي أم فلسفي أم ببساطة تكذب على نفسك لأسباب لا شك توجد في أعماق وادي طفولتك؟

أجبني يا عمو فلقد بكيت ليال وليال وأنا أستمع إلى والدي يتحدثان عنك بحسرة ومرارة. أجبني فلقد حيرت عائلتك وأصدقاءك وزملاءك وكذا رواد المقاهي والحانات.أجبني..أجبنا فقد أدميت قلوبنا وأخرست منطقنا ومناهج تفكيرنا. أجبني و لا تخف فلن أديع السر وسأحفظه وسأخبئه بين جلدي وعظامي.لا تبخل بالشرح والصراحة فأنا أعرف بحدس الأطفال أنك تعس وتعاني بصمت.ستجدني نعم الصديقة في السراء والضراء لأني أخاف يا عموأن أموت صغيرة ولا أعرف عنك شيئا.

صباح الخير يا «حبوبة». صباح الخير أيتها الزهرة اليانعة التي أخاف عليها من حجاج هذا الزمان. صباح الخير أيتها النحلة التي سيذيقونها مرارة العيش ومرارة الموت. صباح الخير أيتها النجمة التي سيمحون نورها ويختطفونها من سمائها لدفنها تحت ظل السياط. صباح الخير أيتها الشجيرة التي سيحرقون جذورها ويخنقون أوراقها. صباح الخير أيتها الطفلة التي كلما قبلتها سال العسل من فمي والدموع من عيني. صباح الخير أيتها الطفلة الطاهرة التي اختلطت عليها الأمور فلم تعد تعرف أأذان الصلاة وصلة غنائية أم لحن من ألحان السماء. صباح الخير أيتها الطفلة الملحاحة وبعد:

لم أكن يوما جبانا ولا ضعيفا. لم أكن أبدا من أولائك الذين يلصقون أسباب فشلهم بالظروف الموضوعية والمتطلبات النضالية وﺇكراهات الحياة. كل ما هناك يا حبوبتي هوالغباوة ولا شيئ غير الغباوة. هملت دراستي الجامعية وأنا بالفعل وقوة الفعل مؤمن أن الدبلومات هي من قيم البورجوازية التي كنت أكرهها وأ دعوعليها بالفناء. ألم أكن غبيا عندما حسبت الرعاة بورجوازيين؟

تركت دراستي الجامعية مقتنعا أن الثورة قادمة لا ريب فيها. وذهبت الثورة إلى مكان آمن مطعونة من الخلف من طرف من كانوا في طليعتها. ألم أكن غبيا عندما لم أنتبه إلى أن الثوار كانوا عطشى لنهود العذارى وخدود الحوريات؟

تركت دراستي ورفضت الاندماج في المجتمع خوفا على نفسي من التلوث والوسخ وها أنا مدرس بالسلك الإعدادي منذ خمس وعشرين سنة أمضغ الطباشير وأشم روائح جوارب تلاميذي الأشقياء وأشرب من دموع وعرق زملائي محاولا هضم وفهم ما جرى لي.

أما بخصوص تلك المرأة التي يقال إني عزفت عن الزواج بسببها فأقسم لك يا صغيرتي بالله العظيم أني أحببتها كالمجنون وأحبتني هي حتى نخاع قصة حبنا لكني لا أدري أعدم زواجي رد فعل على الفراق والهجران أم هي إرادته تعالى. ولأنك طلبت مني مصارحتك سأفعل لكن ليس كتابة بل سأحكي لك وحدك كي أستمتع بدموعك علي. فاستعدي لأني سآتي كل مساء لأحكي لك ما سيطير النوم من عينيك الحلوتين.

سأحكي لك كل ليلة عن فصول من مأساة لا يعلم سرها إلا الله. سأحكي لك حكايات تصدمك وتؤلمك لتعرفي من هوعموبوعزة. سأحكي لك عن هذا المجتمع البئيس أبعد الله شره عنك. سأحكي لك عن مناضلين سجنوا وعذبوا أصبحوا الآن يجلدون الأعشاش والأغصان. سأحكي لك عن ناس كانوا يصومون ليأكل الآخرون أصبحوا الآن يأكلون صدور الناس ساعة الإفطار في رمضان. سأحكي لك عن نساء كن يصارعن الوحوش الضارية كي لا يمس أحد طهارتهن أصبحن الآن يستعرضن شفاه بناتهن ويبعن خصلات شعرهن بأبخس الأثمان.

سأحكي حتى ينفجر قلبي ويتجمد الدم في عروق فراشة أحلامي. سأحكي حتى تكبري وتشاهدي ما سيقع لأوطاننا .. حتى تشاهدي المشانق المزروعة في حقولنا.. حتى تشاهدي الغريق يهرب من منقذه.سأحكي لك العجب العجاب حتى تكبري وتندمي على كونك كبرت. وﺇذا اختطفوك فسأحكي للجدران والأشجار اليتيمة وجثت الطيور المهاجرة.

أما إذا اختطفت أنا أوقتلت فسأبقى أحكي للموتى والقبور الفارغة الجوفاء. سأحكي للتراب والجبال الواقفة أمام فرق الإعدام. سأحكي لعظامي وأطلالي وللمكلفين بعذاب القبر. وعندما سأصبح شبحا سأحكي للظلام وسأقض مضجع أولائك الذين أحرقوا وادي أحلامي. سأحرق قصورهم وسأعض صدورهم كما عضوا ونهشوا صدري. سأغرس أنيابي في بطونهم كما غرسوا أشواك ورودهم في أرحام أمهاتنا. سأبصق على وجوههم كما كانوا يتبولون ويتبرزون في راحات أيادينا وواحات صحارينا.

سأضاجع أنا الشبح المخيف زوجاتهم كما ضاجعوا بناتنا وعذارى جبالنا. سأفتض بكارتهم كما افتضوا بكارة وطننا. سأقتلع عيونهم كما اقتلعونا من جذورنا وضفاف أنهارنا. سأنسف مشاريعهم كما نسفوا قصورنا التي بنيناها بسواعدنا في شواطئنا التي طردونا منها. سأخرب بيوتهم أنا الشبح وسوف لن يستطيعوا إلقاء القبض علي هم الذين كانوا أشباح حياتنا.

سأحكي لك يا حبوبتي ما هوأبشع فاستعدي لأني قادم إليك هذه الليلة للشروع في موسم الحكي فباسم الله مجراها ومرساها.وأأ

وقبيل مغادرة بيتي صوب بيت صغيرتي جاءني الهدهد برسالة من عندها تقول فيها: أرجوك يا عمو لا تحك فالقلب قد انفجر. فأقفلت الباب وجلست أفكر. ولما بدأ الظلام يغزوالمكان بدأت أتحول لأصبح ذاك الشبح المخيف.
1997

كانت


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى