الـكـنز

، بقلم رضا سليمان

حدث فى يوم الجمعة الماضى، وفى تمام السادسة مساءا، أن تجمع أهل الطرف الغربي من المدينة، وأحدث تجمعهم هذا ضجيجا شديدا، أدى إلى زيادة توترهم وإثارة أعصابهم.
لم يكن يدرى أحد الواقفين ما الذى قيل بالضبط، لكن إن سئل أحدهم لماذا يتجمع الناس هكذا؟ سيجيب قائلا: لا أدرى.. لكن يقال إن فى الجانب الأخر من هذه الأحراش كنز كبير..
ولا نعلم لماذا انطلقت هذه الأقوال عن وجود كنز كبير فى الجانب الأخر..

منذ آلاف السنين، لا نعلم عن الجانب الأخر شيئا، ولا أحد يجرؤ على تخطى هذه الأحراش، فقد عرفنا ونحن نتعلم نطق الأحرف الأولى من الكلمات، عرفنا أن بها ثعابين ذات أعين نيرانية مشتعلة، النظر إليها فقط قد يذهب بالفرد، عرفنا أنه يتوارى بين ثنايا انخفاضها أشرس الحيوانات، وأحد الأشواك..

عرفنا ذلك بطبيعة الحال، فكيف تأتى لأحدهم اليوم أن يقول بأن الجانب الأخر يحتوى على كنز كبير..

عموما سمعت أحدهم يهمس..

ـ الكنز يكفى لأن يجعلك تعيش فى نعيم إلى الأبد..

فأجابه آخر..

ـ نعم.. إنه يهب صفة الديمومة والأبدية..

لا أدرى لأى سبب دفين شعرتُ بجدية الأمر، لذا آثرت الوقوف حتى نهاية التجمع هذا..
ومن مكاني لمحت حبلا مشدودا فوق الأحراش، ويمر حتى الجانب الأخر فتساءلت فى عجب..

ـ هل استطاع أحدهم المرور إلى الجانب الأخر وشد طرف هذا الحبل؟

ورغم أن سؤالي لم يكن موجها إلى فرد بعينه، إلا أن كثيرين تطوعوا للإجابة..

ـ بالطبع لم يستطع أحد أن يصل حتى الجانب الأخر، ولكن شاءت الأقدار بأن يمر طائر ضخم، استطاع أحدهم أن يلقى بطرف الحبل حول ساقه، ولا ندرى لماذا؟ وعندما هرب الطائر إلى الجانب الأخر، وحاول نزع الحبل من ساقه، فكان أن التف حول شجرة ضخمة عدة مرات حتى تخلص من الحبل، وكانت فرصة لشد طرف الحبل الموجود هنا، حتى بدا على هذه الشاكلة..
أعتقد أن ثمة علاقة بين هذا الحبل و الكنز.. فقد أتاح فرصة للبعض أن ينسج الأمانى..

كنت أشعر من خلال النظرات إلى الحبل، بأنه حقا يمثل بارقة أمل لهم جميعا..

فكما ينظر الأفراد إلى ملك حانى سيمن على واحد منهم بالمال، فكل فرد على حده يتوقع أن يكون هو المقصود، ولكنه يعود ويسأل نفسه..

ـ ما الذى فعلته حتى يرانى الملك دون غيرى.. ألا أكون متفردا بشئ ما حتى
أتفرد بالحصول على المال؟

كما ذلك، كان الواقفون أيضا يتساءلون..

ـ كيف نمر إلى الجانب الأخر؟.. لابد وأن نكون من القادرين على المشى على
الحبل.. وليس أى حبل، فإنه، بدا فى هذه اللحظة، أدق من الشعرة وأحد من
الموسى، والسقوط يعنى الهلاك..

كان هذا هو حال الجمع، وهم فى تكاثر وتزايد، حتى أن المكان ضاق بهم، ورغم أن النهار أوشك على الانتهاء إلا أن درجة الحرارة لا تزال مرتفعة بعض الشئ مما جعل درجة التوتر ترتفع بدورها، وبفعل هذين غرق الجميع فى عرقهم، حتى إنه ثقل على أحدهم أن يتنفس بهدوء..

وقف الأفراد فى حيرة، فلا هم قادرون على العبور للحصول على الكنز، ولا هم قادرون على العودة إلى ديارهم لممارسة حياتهم العادية..

اخترق الحشود المجتمعة، عجوز يتوكأ على عصاه، كان مشدودا بقوى خفيه، بدا وكأنه لم يشاهد أيا من الحضور، تأمل طرف الحبل تأمل ضعيف النظر، مرت فترة صمت كسرها أحدهم وهو يجذب انتباه الرجل المسن..

ـ فى الجانب الآخر كنز ضخم.. إنه يعطى صفة الديمومة..

لم يلحظ المتحدث أن الشيخ قد يفهم حديثة على أنه سخرية من سنه..

يبدو أن شئ ما، ذا رواسب كان داخل الشيخ، فقد بدت على وجهه علامات بسيطة ظلت تزداد وكأنها اللبن يفور فوق النار، حتى حسب الناظر أن العجوز يكاد يضحك..

الحقيقة أنه كان على أتم استعداد لأن يجيب على أى تساؤل، فها هو أخيرا يتحقق له الحلم الذى إن حدث عنه أحدا بالأمس لسخر منه.. لقد عمت الحقيقة وإن طال انتظارها.. إنه يعرف منذ زمن بعيد أن الجانب الأخر يوجد به كنز يعطى من يصل له ـ إلى جانب المتع ـ صفة الديمومة، ولكنه لم يكن يستطيع أن يمر خلال هذه الأحراش، و الآن بدا وكأن طريق الوصول قد أصبح ميسرا..

اقترب العجوز، وهو عميق الإيمان، من الحبل المشدود، الجميع ينظرون إليه فى دهشة.. و ما أن يلمس طرف الحبل حتى يختفى فجأة عن الأنظار.. علت الشهقات والصيحات فترة وما إن هدأت حتى صرخ أحدهم وهو يشير إلى الجانب الآخر من الأحراش ..

ـ ها هو الشيخ المسن..

يعلو الصياح مرة أخرى، ويتسابق الجميع إلى مس طرف الحبل.. لعلهم يصلوا كما وصل الشيخ..

تزاحم الأفراد واقتتلوا قتالا شديدا للوصول إلى طرف الحبل، وحدث لكل فرد أن تزاحمت أعمال حياته الفائتة على ذاكرته فى لحظات، خيرها وشرها، ولا يعرف أن الآخرين حدث لهم نفس الأمر..

بعد صراع طويل وصل أحدهم ومس طرف الحبل.. و.. لم يحدث شئ، صمت الجميع وهم يتأملون الماس لطرف الحبل..

لكن هذا الذى يمسك بطرف الحبل ـ ولم يجد جدوى من مسه كما فعل الشيخ ـ استجمع شجاعته وارتفع فوق درجاتها.. وبدأ يخطو فوق الحبل.. خطوة.. خطوة
سار عدة خطوات وسط دهشة الجميع وبدأ يتأرجح فى خطواته متمايلا ذات اليمين وذات اليسار.. ومع تمايله تعلو الصيحات وتنخفض..

تعجب هذا الذى يسير على الحبل.. إنه لم يتخيل يوما أنه سيكون كلاعبى السيرك ولكن ها هو الأن قد فعلها ولا يدرى كيف؟! حـتى وصل سالما إلى الجانب الآخر..

ما إن رآه الجمع يجتاز الحبل هكذا، حتى سارعوا للمشي على الحبل، ولكن التزاحم على الحبل، بجانب تزاحم الأفكار، جعل أيا منهم لا يستطيع الصمود لحظات خلال سيره على الحبل المشدود، فكان هذا يسقط بين أنياب الأحراش ويضيع صراخه مع صراخ آخر، أو مع شهقات ثالث.. أو رابع يسقط لكنه يستطيع التعلق بيديه في الحبل ويسير متعلقا حتى الوصول..

وتمر بقية النهار والناس هذا حالهم، ويهبط الظلام على الجانب الغربى من المدينة ولا ندرى كم وصل إلى الجانب الآخر من الأحراش، وكم بقى فى جانبنا وكـم سقط ولكن غاية الأمر سمعنا صراخ كثير.. تأوهات.. وبالطبع لم نستطع رؤية الابتسامات التي كانت تعلو وجوه الذين عبروا..


رضا سليمان

كاتب مصري

من نفس المؤلف