بعد عمرة قضيتها

الحج الأصغر

، بقلم فاروق مواسي

بسم الله دخلت أنا مكهْ
أعزف شوقاً لنبيٍّ عاش بوجداني
شوقاً ينساب بصفو أماني
فأرى مكهْ
بجبال وشعابٍ وهجير
قد تيَّمها عشق ليس بفانِ
ما زالت تذكرهُ طفلاً
ونبياً يتدثَّر أو يتزمَّل
وخديجة تحنو « لا يكذبْك الله »
تذكُر هجرتَه ثم الفتحْ
تحدو صُوراً لرجال الإيمانْ
يبدو من جهة أخرى كُفَّارٌ كأبي لَهَبٍ
وأبو سفيانٌ في دار الندوهْ ...
تأتي صفحاتٌ من عهد الجهلاء
وتعود لتدركَ معنى ألا يعبدَ زُلفى للّه
صنمٌ سمَّوه (هُبلْ )
تذكر إبراهيمْ
تذكر إسماعيلْ
والبيتَ وأمنَ الناس مثابَتهمْ
كيف الذُّرِّيَّةُ أضحت في وادٍ من غير الزرعْ
كيف الثمرات تَظَلُّ
مغدِقةً بالرزقْ
أفئدةٌ تهوي نحو المسجدْ
وهناك طوافٌ حول الكعبهْ
هذي الكعبهْ !!!!
جاءوها من كل فجاج الأرضْ
تحمل كل الألوانِ ... لغاتٍ... دعواتْ
مُزجاةً في حزن وأملْ
ويطوفون... يطوفونْ
الهامة تعلو تارهْ
أو تُخفض تارهْ
تعلو كي تسمو للنجم بإكبارِ
أو تُخفض تخشع للباري
ولحونُ الحبِّ .. الإيمان.. الصفوْ
من كل طُيوب المجدِ.. الزهوْ
عاقبة جاءت تحمل نصراً او نصرَا
أفواج حجيجٍ كالأمواجْ
ما أزخرَ هذا الموضعَ بالخلق!
بقلوب واجفةٍ ولْهى بالآيات
هذا أول بيت أو آخر بيت
ِقبلتهم أو قُبلتهم
لا تنسَ الحجر الأسودْ!
وَلَمَسْتُهْ
ظلَّ الأثرُ
في خاطرِ يَدْ
.......
واشرب من زمزمْ
يروي روحَك.
***
قلت : سأذهب نحو حِراءْ
حتى استوحيَ كيف أتى الوحيْ
مع سورة « اقرأ »
فإذا بالجبلِ
أعلى مما كنت أرى
أسأل: « كيف رقى » ؟
قلت: سأذهب حتى أشهد ( ثَوْرْ )
حتى أستوحيَ كيف أتى الوحي إليهْ
إذ يذكر « لا تحزنْ..»
كيف غدت أسماءٌ بنطاقَيها
قلت: سأمضي نحو مناسِكِ حُجَّاجِ البيتْ
نحو مِنًى وإلى عرفاتْ
وإلى موقع رمي الجمراتْ
يعلو التوحيد بكل الأجواءْ
يهفو القلب إلى أصداء الأصداءْ ..
وأعود إلى الحرم
فهنا كانت أحياء قريشْ
إذ أطعمهم من جوعٍ
آمنهم من خوفْ
وهنا كانت لغتي
شعَّت من آيِ القرآن
وهنا آلُ البيتْ ...
أين الشِّعب ْ... وصحيفتهم؟
أسأل:
أين الجبلُ؟
- حيث نوى أن يُلقيَ نفسهْ
حتى أضحى الوحيْ ...
أين الجبلُ
كان وراءهْ
عمرٌ يتهدّدْ
كفَّارَ قريشَ بسطوتِهِ
ها إني أقرأْ سُوَراً مَكِّيَّهْ
حتى أستلهمَ هذا الجوِّ المكِّي
أدعو التاريخ إلَيّ
كي أُدركَ معنى الآياتْ
وهنا بالذَّاتْ
حتى تتجلَّى لي في معنى آخر
وأصلِّي.
 
***
 
بسم الله دخلت أنا طَيْبَهْ
كانت تُدعى يثربْ
فإذا بنبيٍّ نوَّرها فهي مدينتهُ
... يتصافى الأوس مع الخزرجْ
ليُغنُّوا « طلع البدر علينا »
وأنا حين وصلتْ
أطلقتُ مع الصبيان غنائي
« طلع البدر علينا »
حتى وصلتْ « قصوْاء »
بركتْ عند قُباءْ
فإذا بالعطر المُنداح على الأرجاءْ
يغمرني.. ويفوح :
ها أنتَ هنا
قرب حبيبٍ... أنت سَمِيُّهْ
في الروضهْ
صليت وناجيتْ
في دمعِ دعاءْ ...
ودعاءِ الدَّمْعاتْ ...
وقرأتُ « الحجراتْ »
طالعت هنا سوراً أخرى مَدَنِيَّهْ
فإذا بي أقرأ ما لم أقرأ .
قلت لعلِّي آتي « أُحُداً » حتى أذكرَ أو أتذكَّرْ
كان معي عمرُ الفاروقْ
( ولكم أحببت )
كيما يُطلعني عن كثبٍ
كيف الأمرُ... مضى
وقضى فيه الشهداءْ
فاتحةً يا حمزهْ
فاتحةً يا مصعبْ
وسلاماً يا « أحياءْ »
كان النُّور الوضَّاءْ
في طيبٍ نبويٍّ
يختال بكل الأرجاءْ
وأصافحُ
كلَّ صَحابِيٍّ أعرف منهم
وذكرت له ما أعرف عنهُ
إذ كنت أرى فيهم إشعاعَ وفاءْ .
من طِيبةَ سارت أعلامٌ
ومراكب إيمانٍ ومضاءْ
ومواكبُ فتحْ
حتى في حرَّ القيظِ الصَّهْدْ
- لا أدري كيف احتملوهْ -
ساروا حتى ملأوا الآفاق لواءْ .
ورأيتُ كذاك أبا لؤلؤةَ الموْتورْ
قلت له :" بُؤْ في إثم وضلالٍ
كم من مثلِك أمثال .."
.. وشهدتُ حصاراً يوم الدَّارْ
أرقب لا أكشفُ بعض الأسرارْ
حتى أقبل معبَدْ
وَغَريضٌ جاء يغني
.. عن ماضٍ باهٍ كيف مضى
وهناك أبو ذرٍّ وحدهْ
يعتبُ أو يغصبْ
يمضي نحو الرَّبَذَهْ
.. سلمان أيا سلمانْ
يومَ الأحزابِ انهزموا
وأنا أقف اليوم
قرب الخندق
( ما كان الخندق )
ها أقبل من ثَمَّ عليّ
متَّشِحًا بالسيف المشهورْ
في الصوتِ جَراءهْ
والوجهِ وَضاءهْ
قَبَّلْتُهْ
أكثرَ من قُبلهْ
واحدةً: لم يسجدْ للأصنامْ
أخرى: للنَّهْجِ .. بلاغهْ
ثالثة: لمعاناةٍ في دنياهْ .
رابعة .....
سأعود إلى الروضهْ
فهنا المنبرْ
وهنا البيتْ
وهنا يرقد من قلنا .. منذ طفولتنا
« صلى الله عليه وسلم»
بالقربِ... أبو بكرٍ وعمرْ
وهنا كعبٌ أمسى يقرأ
« إن الرسول لنور يستضاء به..»
فأرى البُردهْ
وأرى آثار الكلماتْ .
***
أحمل خارطةَ الحب الأوفى
أسأل عن كل سبيل
ما أكثر ما أتساءلْ ...؟؟
فأُناجي
وأصلِّي.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف