الخميس ٢٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٢
بقلم مصطفى يعلى

الثقافة الشعبية رافدا لقصص مبارك ربيع

لماذا هذا العنوان؟ ألم نتعود على تعميق القراءة حول المكونات السردية من وجهة نظر شكلية، إن في القصة القصيرة وإن في الرواية؟

هناك ثلاث محفزات للخروج عن المألوف، والتركيز هنا على موضوعة طالما غابت في الدراسات النقدية للمتون السردية المغربية والعربية، نعدد بعضها في النقط الموالية:

1 – يبدو أنه آن الأوان لخروج النقد عن ديدنه في التعامل مع النصوص السردية، انطلاقا من مكوناتها وإوالياتها المخصوصة حصرا؛ إلى حد انطبع معه عديد من القراءات والدراسات السردية بكثير من التكرار إلى حد الإملال. في حين هناك الكثير والكثير مما ينتظر استكشافه في الإبداع السردي من موضوعات وقضايا وأشكال كثيرة تقع في صميم الحقل السردي والحقول المجاورة له.

2 – إن عددا لا يستهان به من نصوص القصة القصيرة للمحتفى به الأستاذ الدكتور مبارك ربيع، تنهض على معطيات الثقافة الشعبية المتغلغلة في الذهنية الشعبية المغربية، وتزخر بكثير من الاقتباسات والالتفاتات الدقيقة النفاذة من المتخيل الشعبي، مما يدخل في تكوين الشخصية المغربية على المستوى الشعبي. ومع ذلك لا نرى اهتماما بارزا بهذا الجانب في قصصه، سواء على مستوى النقد أم على مستوى الدراسات الأكاديمية.

3 – لعل وعي المبدع مبارك ربيع ذاته، بهذه العلاقة الوطيدة القائمة بين الثقافة الشعبية والسرد الأدبي الرسمي، تزكي هذا التوجه. فقد فاجأني في ندوة (الخيمة العربية فضاء للقيم السامية والعيش المشترك) المنظمة في إطار فعاليات الجزائر عاصمة الثقافة العربية لعام 2007. حيث قدم عرضا ضافيا تحت عنوان (تحول القيم الاجتماعية ما بين الموروث الشفوي وتجربة السرد الأدبي)، وقد أظهرت مناقشتي له هناك، أن الرجل يمتلك وعيا متحمسا للموضوع، مع أسف خفي لبداية ضياع كثير من موروثات وقيم الحياة البدوية، بعد أن أصبح سكان المدن المغربية الحضريون يمثلون 83 في المائة. وهو ما يؤكد كون الثقافة الشعبية قد شكلت رافدا ثرا لكثير من قصصه القصيرة. وكأني به كان يريد بذلك تسجيل ما هو آيل للاضمحلال من قيم المجتمع الفلاحي، مثلما سبق أن تم أيضا لدى كتاب بعض المدن المغربية العريقة مثل فاس وتطوان وأصيلة وسلا، بالنسبة للمجتمع الحضري.
إن أول ما يثير الانتباه بالنسبة لتجربة مبارك ربيع في الاستفادة من الثقافة الشعبية، هو هذا التشبع المتمثل لأخص خصوصيات هذه الثقافة، بفضاءاتها ومظاهرها وطقوسها وقيمها، وما تنتجه من علائق بشرية وطيدة تدخل في مجال التقاليد والأعراف. ربما لكونه آت من فضاءاتها وممارساتها وذهنياتها العتيقة، ومتشبع بأسرار هذا الموروث الثقافي الجمعي، وخاصة من منطقة فلاحية مستقرة، أكيد أنها تمتلك ثراء وخصوبة في هذا الباب، هي قريته بنمعاشو جنوب الدار البيضاء. وهكذا نجد لوحات الفروسية، وتقاليد الجنازة وطقوسها، وحفلات الأعراس بشيخاتها وطربها الشعبي، ونشاط الحرف التقليدية المختلفة مما تتعاطاه الجماهير الشعبية في حياتها الاقتصادية، والألعاب المتداولة بين هذه الجماهير كلعبة الضاما والورق وما يرافقهما من قواعد اللعب ولحظات السخرية والتهكم، إلى جانب استيحاء الحكايات والأمثال الشعبية والأقوال المأثورة، والاستعانة ببلاغة العامية، وذلك في فضاءات شعبية بكل مؤثثاتها التقليدية وشخوصها النمطيين؛ نقول إننا نجد كل هذا وغيره، بمثابة رافد خصب لعدد مهم من قصص مبارك ربيع، بحيث تكاد لا تخلو مجموعة من مجموعاته القصصية الست، من نص أو نصوص تشكلت باستثمار هذا التأثير البين عليها. كأنما بوصلة هذا التوجه تتمركز عند نوستالجيا المبدع نفسه إلى عالم الطفولة في قريته، في ظل المجتمع الزراعي المميز بتشبثه بالطقوس والأساطير المتوارثة، نظرا لما توفره مراحل المواسم الفلاحية من استقرار، مما يؤبد تلك الطقوس والأساطير بشكل يتحكم في دورة الحياة بالمجتمع القروي.

وبالطبع، لن نستطيع أن نلم هنا في هذه المداخلة المحدودة، باستلال كل تلك العوالم الشيقة من متن القصة القصيرة لمبارك ربيع، لهذا نعمد إلى انتخاب عينتين دالتين لنقف عندهما ببعض السبر والاستغوار. الأولى من الموروث الشعبي اللامادي، والثانية من الثقافة الشعبية المادية.

نبدأ بموضوع الموروث الثقافي الشعبي على مستوى الثقافة الشعبية اللامادية. وبطبيعة الحال يأتي الحكي الشعبي في مقدمتها. فهناك نصوص لربيع مبارك تقتفي أثر حكايات شعبية كلها وتشيد عن طريق محاكاتها عالمها الخاص. من ذلك حكاية سيدنا قدر الشعبية. فمن منا لا يعرف أسطورة سيدنا قدر، وما يستجيب له من مطالب، إذا ما صادف بعض المحظوظين مروره ليلة القدر؟. فقد أخذ الكاتب حكاية هذا الاعتقاد الشعبي، واستثمره في تشكيل قصة قصيرة متماسكة بعنوان مباشر ومقصود (سيدنا قدر)، نشرها بجريدة العلم عدد 6439 في تاريخ 5 يناير 1968، ثم ضمها إلى مجموعته التي تحمل نفس العنوان سنة 1969، مفتتحا إياها بمجموعة من الأسئلة الرامية إلى محاولة استعادة إنسانية مفتاحة الخادمة القرعاء المرهقة بالأشغال الشاقة داخل الدار الكبيرة، والتي تعامل من طرف سيدة الخدم مسعودة معاملة قاسية، وتكلفها بأشغال المطبخ المضنية دون غيرها في حقد وتشف ومن غير رحمة أو شفقة، الوضع الذي يعلن الحوار المتشنج عن توتره اللإنساني الذي يدور بينهما، وهو ما يذكرنا بمعاملة زوجة الأب الشريرة لربيبتها الطيبة في حكاية عايشة رميدة المشهورة.
وتكون الفرصة مواتية لتوظيف الاعتقاد الشعبي في هذه المناسبة، حيث تتسلل مفتاحة إلى السطح ليلا لترقب ظهور سيدنا قدر، على أمل تحقيق أمانيها كغيرها، فيتم استنطاق ذاكرتها المثقلة بثقافة التواكل الشعبية ((قد تحدث المعجزة، بل ستحدث حتما إذا لم يعكرها شيء. سيدنا قدر لا يخلف وعده. فلتترقب مقدمه مع العيون المكروبة الساهرة في كل مكان. ستطلب الكثير من سيدنا قدر: الصحة. والرزق الوفير. والجمال. والزوج يا سيدنا قدر...آه والشعر. هذا أهم. الشعر أولا يا سيدنا قدر. لن تكون بلهاء فتضيع دعواتها في غير الشعر. الشعر أولا. وهذا ما يجب أن لا تنساه. القرع مقيت. وفتاة بدون شعر مدعاة للتهكم والسخرية. كن كريما ورحيما ياسيدنا قدر))(1).

وإذا كان بناء هذه القصة محتديا الحكاية الشعبية في مسارها الطولي، فقد حاول الكاتب التخفيف من التتابع الزمني المطرد بإحداث بعض الوقفات التي تلهينا عن الانتباه إلى ذلك، من مثل الاستباق والحوار المتوتر والتساؤل المونولوجي والأغنية الشعبية القديمة عن جمال الشعر. علما بأن اللحظة العجيبة لظهور سيدنا قدر بتوهج نوره وألوان ضيائه، قد ساهمت في صنع مرحلة الذروة لاستقطاب انتباه المتلقي، وصرفه عن الشعور بالملل من السرد الرتيب، قبل أن تأتي الخاتمة المتوافقة مع أفق انتظاره، المخيبة لانتظارت بطلة القصة مفتاحة.
وفى مستوى استيحاء القصص الشعبي أيضا، نتواجه مع الصراع الكيدي بين المرأة والرجل، كما تقدمه كثير من النصوص الحكائية الشعبية، وفي مقدمتها حكاية (عيشة المهجورة الساكنا ف المطمورة)(2) أو (كيد النساء؟ كيد الرجال؟)(3). حيث عمد مبارك ربيع في قصة (صفحة من لغات الحب والتاريخ)(4) إلى خلق جو التنافر بين اولاد بنجلول ودوار الرعيلات في الموقف الأول، مثلما يقع بين عيشة بنت النجار وولد السلطان طبقيا. وكما انبنت الحكاية على التعريض التنابذي بين بطليها ونسج الشباك الكيدية أحدهما للآخر، كذلك كان المدماك الأساس الذي تنهض عليه قصة مبارك ربيع في الموقف الثاني منها، هو التحرش الكلامي الموجع، الذي دار بكثير من السخرية بين الفتى ولد زيان وبنت الشيخ، في تعريض بلاغي عامي لافت، سرعانما يصبح مواجهة مباشرة بينهما في تفاخر قبلي وتحد شخصي ملؤهما الغيظ والاستصغار، إلى درجة بلغت في ذروة التحدي الاقتراب من فعل العنف. لولا أن لحظة التراخي / التراجع في الموقف الثالث من القصة كانت قد استحكمت، معبرة عن اشتغالها بتشكل حواري حلقي متناوب:

(( ـ أنا ولد المسخوط..أنا؟!
ـ وأنا بنت العقروشة ؟!
ـ أنا وجه الكلب؟!
ـ وأنا مطوية كالخيمة ، معظمة ؟ ! (((5)

فكما انتهى التحدي والكيد بالزواج بين ولد السلطان وعيشة بنت النجار في الحكاية، كذلك انتهى الصراع هنا في هذه القصة بانسيابية فنية بارعة، إلى تحول من الضد إلى الضد بين البطلين، في عز اللحظة الزئبقية المشتبكة بذروة التنابذ والتحدي، سيدها كيوبيد بسهامه النورانية المنفلتة، حيث وجد البطلان المتخاصمان نفسيهما غارقين في أجمل أحاسيس الحب المتبادل بينهما، وكأنهما لم يكونا عدوين لدودين قبل أسطر قليلة، يمثل كل منهما وجهة نظر قبيلته التاريخية ويدافع عنها.

و كان قد سبق للكاتب أن جرب في قصة (زينة)(6)، لعبة التحول هذه من الضد إلى الضد في علاقة الرجل بالمرأة، خلال رصد الصراع بين بطلتها عربية بنت الفقيه سي ناصر في سخريتها واحتقارها للبطل الأعرج ومحاولاته الفوز بالزواج بها، حيث تشتد في قسوتها عليه واحتقاره لعوج رجله ولفقره، لكن القصة سرعانما تنعطف في نهايتها إلى نسج عملية تحول منسابة نحو قول البطلة في خاتمتها: ((صباحك يا عز الرجال...))(7)
وهناك مظهر تنويعي آخر في استفادة مبارك ربيع من القصص الشعبي. ويتمثل في استعارة أسلوب كليلة ودمنة في تشييد شكل القصة، من حيث طرح الحكمة بالتنصيص المباشر في الافتتاحية، ثم الاستدلال عليها باستدعاء شتى الحكايات المشخصة لها. وهو بناء تختص به عادة الحكاية الخرافية الواردة على ألسنة الحيوانات المؤنسنة. فهذا النمط من القصص الشعبي غالبا ما يتوزع إلى بنيتين اثنتين يتم في الأولى وهي الأطول والأهم مسرحة وتشخيص حكمة أو مثل أو كلام مأثور، في حين تصرح البنية الثانية وهي الأصغر بالمثل أوالحكمة أو ما شابههما وما يرتبط بهما من هدف أخلاقي محرض عليه بصورة تقريرية مباشرة(8).

فكما في مطلع نصوص كليلة ودمنة، تسجل قصة (خواطر تحت الظل)(9)، قبل معالجة حدثها، فكرتها الحكمية في الافتتاحية المركزة بهذه الفقرة: ((عندما تريدك (الدنيا) فلا تتعب نفسك بعمل شيء. إنها تأتي من تلقاء ذاتها. أما في حالة المعاكسة فلن ينفعك النصب. وهذا معقول جدا، لماذا لأن حركة الشد والجذب قد تقطع الخيط. وإذا لم تقتنع فافتح أذنيك جيدا ولنبدأ من البداية))(10). مع ضرورة الانتباه إلى عنوان القصة الغارق في هذا الجانب الفكري الحكمياتي. ألا يؤكد مثل هذا المكر السردي، استرفاد القصة لتقنية كليلة ودمنة، حيث يأمر الملك دبشليم من بيدبا الفيلسوف في بداية كل حكاية، بأن يضرب له مثلا على حكمة ما، فيستدل الأخير برواية حكاية أو حكايات حولها ودالة عليها؟

وكذالك تفعل هذه القصة، حيث يسوق الراوي خلال تكون جسد القصة، مثلين اثنين على المطلع الحكمي السابق، كل منهما عبارة عن حدث مرتبط بما هو مخصص له من دلالة. فعلى عادة الحكاية العجيبة والحكاية الشعبية في مراكمة الأحداث واحد تلو الآخر، كذلك تشخص القصة الجزء الأول من الحكمة الخاص بإعراض الدنيا عنك من غير أن ينفع التعب والنصب، عن طريق شخصية علي بولحبيبات المنحوسة، فقد بارت سلعته من الكيف لإعراض الزبناء عنها، بسبب الدخان الكثير والقوة الزائدة فوق الحد لكيفه، رغم أن هذا يعتبر ميزة كثيرا ما جذبت المتعاطين له. وبعد أن حاول جاهدا العمل في مقهى المعلم شعيبة خربوش، الذي لم يقبل تشغيله إلا على مضض ومقابل المبيت في المقهى فقط، طرد عند أول خطإ ارتكبه دون قصد، وحرم عليه الدخول إلى المقهى، لأنه كما يقول تعليق السارد ((الدنيا (بنت كلب) عندما تكون في موقف المخالفة، فلا تنتظر نجاحا لمساعيك))(11).
ولتشخيص الجزء المتبقي الإيجابي من الحكمة المطورحة في الافتتاحية ـ أي أن ((الدنيا عندما تأتي وتريد فهي تعرف كيف تذيب العوائق كما تعرف كيف تقيمها في الحالات المعاكسة))(12) ـ تصطنع القصة نفس البطل، لكن هذه المرة في الموقف المحظوظ الملائم. ذلك أن الراوي يتصورك علي بولحبيبات ذاته لكن في وضعية مختلفة محظوظة، فتصبح مصادفة وفي ظروف ملتبسة واليا من أولياء الله الصالحين.

وهكذا تسترفد قصة (خواطر تحت الظل) بطرح الحكمة في الافتتاحية، والتدليل عليها بسرد تجربتين إنسانيتين متتاليتين متعاكستين، لتنتهي مرة أخرى عند الدرس الأخلاقي التعليمي (إنها الدنيا كما يجب أن يعرف الناس)(13)، نقول: تسترفد شكلها الحكائي من متن تراثي قصصي شعبي شاسع وعريق جدا، هو الحكاية الخرافية.

وتتأكد هذه الحقيقة، بالنظر إلى قصة أخرى للكاتب، وردت ضمن مجموعته الأخيرة (صار...غدا)(14)، هي قصة (فصوص الحكم في نوادر النعم وبوادر النقم)(15). وواضح أننا منذ هذا العنوان التراثي الاستباقي، المذيل بجملة (من كتاب النظر والاعتبار) من أجل الترهين الماضوي مثلما تفعل صيغة (زعموا، ويحكى أن...)، ومن خلال تشريح أقسامه الثلاثة الدقيقة (فصوص الحكم ـ نوادر النعم ـ بوادر النقم)، نستشعر إرادة احتداء هذا اللون من السرد الشعبي، نقصد الحكاية الخرافية المؤنسنة للحيوانات وعوالمها المرمزة. لهذا تحيل هذه القصة على جوهر وظيفة الحكاية الخرافية، كما وردت في مجموعة (كليلة ودمنة). إذ تتسيد على محتوى شكل هذه الأخيرة، الحكمة بضلعيها الإيجابي والسلبي، لتضمخها بالبعد الأخلاقي التعليمي المستهدف. مع ملاحظة أن القصة تتبع في بنائها نفس التشكيل المزدوج، المبتدئ بصياغة الحكمة على صورة المثل، ثم الانتقال إلى التوسع في نسج الحكايات المجسدة لها.

تتوزع هذه القصة إلى أبواب، وكل باب يبدأ بالحكمة / المثل، لتشرع الحركة السردية للقصة بعد ذلك في صوغ تشخيصي حكمي، تتوالد خلاله الحكايات الدالة على تفاصيلها المستدعاة من حقل الحكاية الخرافية ، وخاصة من متن متداول مألوف، لتنتهي في الخاتمة بإقرار الدرس التعليمي المقصود.

ذلك، أن أول باب تنفتح به قصة (فصوص الحكم في نوادر النعم وبوادر النقم)، هو العنوان الهامشي (باب المناهي والمأمور)، وتحته مثلان حكميان تحذيريان، وضع كل منهما بين مزدوجتين: "لا تفتح الباب، من أجل أن تكسره" و "لا تلو ذراع عدوك، دون الأخرى". وتختار القصة بأسلوب تراثي نموذجها الملائم للحكمة / المثل ((ويدخل في هذا الباب، المألوف من حكاية النملة والصرار))(16)، لكن من زاوية نظر خاصة بها، لذلك يستدرك الراوي في نبرة انتقادية، معلقا على نقصان الحكاية المعروفة عن النملة والصرار: ((إلا أن القوم لا يذهبون بالسرد إلى نهايته، وإنما يتوقفون ـ ملتمسين حكمة ـ عندما آل إليه الأمر شتاء، حين القر وامتناع سهولة تحصيل الرزق، فتسخر النملة المجدة من صديقها الصرار العابث، عندما يلجأ إليها في ضيق وطوى، طالبا معروفا وإحسانا، بينما هي في دفء وسعة وامتلاء))(17).

وبدا أن كل ما سبق، ليس سوى مقدمة للإشعار بما ستضيفه القصة من تجربة إنساية غنية إلى المثلين الحكميين. لذا نجد السارد يضع نقطة ويعود إلى السطر، معلنا بنفس الصوغ التراثي الذي تفضحه كلمة (وبيانه): ((وبيانه أن خيبة أمل الصرار، تصادفت مع مثيلتها لدى الغراب، من تنكر صديقته الحمامة له في وقت الشدة...))(18). وبهذا تعطي القصة لذاتها شرعية استدعاء ما تشاء من الشواهد الحكائية المحتضنة لمزيد من الإحداثيات المتماثلة في تجسيد الحكمة المثل، متوسلة بفعلي قال ويحكى السرديين التراثيين، اللذين لا ينتسبان لأحد، ولا لأي زمن رغم صيغة الماضي، التي توحي بموضعة الحدث في زمن هلامي مزعوم. علما بأن فعل قال ويحكى هنا مفتاحان لتداعي الحكايات المتتابعة. فإضافة إلى الاستدراك على (حكاية النملة والصرار) بحكاية الغراب والحمامة المشابهة، تفتح جملة (( قال، ويحكى أيضا أن ثعبانا خرج لتوه من صيام قسري...))(19) ، الباب للاستطراد إلى شاهد سردي مختلف يتعلق بحكاية الثعبان والضفدعة والطائر. بل إن الأمر يتحول هنا إلى ما يشبه توليد شهرزاد للقصة الإطارية إلى كم من الحكايت المتفرعة عن القصة الأم. فهنا نجد الراوي سرعان ما ينتقل إلى تسجيل مثلين حكميين جديدين بين المزدوجتين، هما (لا تسرع ... إن كنت لا تتوقف) و (انج...إن لم تستطع الهرب) ثم يورد النصوص الحكائية الدالة على الحكمة المقترنة بهما، لينتقل إلى حكمتين مثاليتين بشواهدهما الحكائية للمرة الثالثة. وهنا نضطر للالتفات قليلا إلى مظهر بنائي أساسي في هذه القصة، نعني به بلاغة التثليث المستقاة من تشكيل الحكاية العجيبة، التي غالبا ما لا تقوم لها قائمة دون هذا البناء الثلاثي للحدث. وبالطبع لهذا المكوّن في القصص الشعبي علاقة وطيدة بظاهرة أخرى جذرية، تميز هذا الموروث الشعبي، هي ظاهرة التكرار. ونحن إذ نؤجل الخوض في الظاهرة الأخيرة في قصص مبارك ربيع إلى مناسبة أخرى مماثلة، نتوقف قليلا عند انبناء قصة (فصوص الحكم في نوادر النعم وبوادر النقم)، على مكون التثليث هذا. إن اللازمة الثنائية الحكمية اتخذت صفة حسن التخلص من حكاية إلى أخرى جديدة، ومن مستوى حكمي إلى آخر، ثلاث مرات في النص. والأبواب الحاضنة لتلك الحكمة هي ثلاث أبواب (باب المناهي والمأمور ـ بال الاعتبار ـ باب الختم، ويلحق به باب الاستحقاق، على اعتباره ليس سوى تفريع متولد عنه). كما أن الشواهد الحكائية في كل الباب الرئيسي (باب المناهي والمأمور)، الذي يعمثل جسد القصة الأساس، قد تعددت ثلاث مرات للدلالة على الحكمة / المثل المعتمدة، هكذا:

اللازمة الحكمية
 
التثليث الحكائي
 
" لا تفتح الباب، من أجل أن تكسره "
" لا تلو ذراع عدوك، دون الأخرى "
 
حكاية النملة والصرار
حكاية الغراب والحمامة
حكاية الثعبان والضفدعة والطائر
 
" لا تسرع...إن كنت تتوقف "
" انج..إن لم تستطع الهرب؟ "
 
الحكاية الإطارية للكسالى الثلاثة:
الحكاية الغريبة الأولى للكسول الأول
الحكاية الغريبة الثانية للكسول الثاني
الحكاية الغريبة الثالثة للكسول الثالث
 
" اضرب الحديد بارددا...ليسخن "
" لا تعض اليد التي تطعمك، قبل أن تشبع "

" حكاية إحدى جزر الواك واك " مقسمة إلى ثلاث مراحل:

1 ـ مرحلة الحياة الفطرية الثابتة

2 ـ مرحلة الوافد الغريب على الجزيرة

3 ـ مرحلة استيلاء الوافد الغريب على نصف الجزيرة، وتغيير معالمها وطبيعة الحياة فيها

أما بالنسبة لاستثمار قصص مبارك ربيع للثقافة الشعبية المادية، فيمكننا أن نكتفي بمثال واحد، هو احتفالية الفروسية كما سبقت الإشارة. وهي مظهر ثقافي شعبي متوارث، وحاضر باستمرار في معظم العوالم القروية المغربية، وينشط خلال مواسم معينة. وقد تمركز هذا المظهر بصورة شاملة في قصة "الفرسان والساحة" من مجموعة (رحلة الحب والحصاد)(1) لمبارك ربيع. ويبدو وكأنه مجرد رغبة في تشكيل لوحة بانورامية لمشهد الفروسية الفولكلوري، بفرسانه وساحته كما يشير العنوان الاستباقي حقا. إذ تغيب الحكاية داخل القصة، وتحضر أداة الوصف برصيد ألوانها المختلفة ـ على الرغم من أن القصة القصيرة لا تحتمل كثرة الوصف، وخاصة الوصف المباشر غير المندمج مع سرد الموقف ـ لتشتغل على المشهد بمشمولاته وتلويناته الملازمة عادة لاحتفالية الفروسية، في دقة تصوير وقدرة على تتبع التفاصيل الصغيرة، توحي كأن المبدع قد تحول إلى فنان تشكيلي ينجز لوحة فنية عن المشهد الذي تختزنه الذاكرة بصورة حية وكأنه ماثل أمام الأعين. فهو يتتبع صورة الخيل والفرسان ومساعديهم والجمهور والطبيعة، وحركيتها دون أن يفلت أيا من مؤثثاتها خيلا وبشرا وأدوات ولباسا وزينة وسلاحا وأصواتا وزغاريد، حيث تتداخل العناصر الثلاثة الأساسية ( الخيل، الفرسان، الجمهور) في اللوحة الموصوفة بشكل ملتحم ومتناغم، لتكتمل عند انقداف الطلقات الرصاصية في لحظة محددة دون تقديم أو تأخير وكأنها طلقة واحدة، أو كما جاء في مجموعة "صار ...غدا" (وإطلاقها بارودة واحدة بعدة أصوات، أو صوت واحد بعدة بارودات)(2). من غير أن يتم نسيان الإعلاء من شأن القيم الاعتبارية المتبناة داخل هذا المجتمع.

وبعد ربع قرن، يعود مبارك ربيع إلى نفس الموضوع ، عبر القصة الأولى التي تحمل عنوانا تقريريا مباشرا هو (البارودة)، بمجموعته الأخيرة هذه (صار ...غدا). وإن كان قد حاول أن يطعمها بقصة جانبية تتعلق بدخول العنصر النسوي ممثلا في شخصية عويشة، على خط الفروسية الرجالية بين أغلبية مستنكرة وأقلية مرحبة، مما يؤشر إلى ما قد بدأ يحصل من تطور في بنيان هذه الثقافة.

وبهذا وغيره مما لا يسمح الوقت بالالتفات إليه، يكون مبارك ربيع من الكتاب المغاربة القلائل الذن تمثلوا ثقافة واقع مجتمعهم الشعبي، وأدركو مبكرا قيمة أن يكتب الكاتب عن بيئته المحلية، وبلغة جميلة منسابة لا حذلقة فيها، لكنها تندرج ضمن بلاغة السهل الممتنع.

الهوامش

1) مجموعة (سيدنا قدر)، مطابع المغرب الكبير، الرباط، ط. 2، [د, ت] ، ص. 10.

2) مالكة العاصمي: الحكاية الشعبية في مراكش، رسالة مرقونة، نوقشت لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية آداب الرباط، سنة 1987، تحت إشراف د. عباس الجراري، ج. 3، ورقة 490.

3) فاطمة المرنيسي: كيد النساء؟ كيد الرجال؟، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1983.

4) مجموعة (رحلة الحب والحصاد)، منشورات دار الآداب، بيروت، ط. 1 / 1983. ص. 95 – 102.

5) نفسه، ص.100.

6) من مجموعة (دم ودخان)، الدار العربية للكتابـ،، ليبيا – تونس،1975ـ ص. 49.

7) نفسه، ص. 54.

8) انظر د. مصطفى يعلى: القصص الشعبي بالمغرب ـ دراسة مورفولوجية، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، 2001، ص. 86.

9) من مجموعة (دم ودخان)، ص. 55 – 61.

10) المصدر نفسه، ص. 55.

11) نفسه، ص. 57.

12) نفسه، ص. 60.

13) نفسه، ص. 61.

14) مجموعة (صار...غدا)، منشورات مرسم، الرباط، 2008.

15) نفسه، صص. 119 – 128.

16) و 17) و 18) نفسه، ص.119.

19) نفسه، ص. 120.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى