الأبيات الشعرية في خطبة جامع عمرو

المطولات الشعرية في خطبة العريفي الشعر في خطبة العريفي في مصر

، بقلم حمدي كوكب

ألقى فضيلة الشيخ محمد العريفي في جامع عمرو بن العاص بجمهورية مصر خطبة يوم الجمعة 29 من صفر 1434 الموافق 11 يناير 2012، وقد جاءت هذه الخطبة بفنيات جديدة تضاف إلى فن الخطابة في مصر، ويحتذي حذوها الخطباء والفقهاء المصريون، حيث احتوت الخطبة على الشواهد الشعرية المطولة إن أجاز أن نطلق عليها لقب (المطولة) حيث أنها تتعدى العشر أبيات، وقد اعتدنا في مصر أن نسمع الشواهد الشعرية في الخطبة، ولكنها شواهد لا تتعدى البيت الواحد أو البيتين، وإن زادت وكثرت وطالت فهي لا تصل إلى عشر أبيات.
من هنا فقد جاء فضيلة الشيخ محمد العريفي بنوع من التجديد في فن الخطابة وهو الاحتواء على الأبيات الشعرية المطولة التي تتحدث عن نفس موضوع الخطبة. يقول الشيخ محمد العريفي:

_جرد كرام نجائب و خلاص

عيس مدمرة البطون خماص

_وجناء هجن من سلالة منتجن

أمضى و أسرع من صبوب رصاص

_و إذا تناهى سيرها و تسارعت

فكسبق سهم مسدد قناص

ويبين الشيخ محمد العريفي خلال أبياته الشعرية في خطبته تلك التي ألقاها في جامع عمرو بن العاص أنه جاء قاصداً تلك الديار المصرية، وهؤلاء المصريون الكرام، وأنه ما جاء إلا تعبيراً عن حبه لهذا البلد، وليضع قبلة حب وعرفان فوق وجه وجبين مصر، يقول في خطبته:

_وأقصد كرام الأهل في مصر التي

لبست لبوس كرامة و خلاص

_وأركب عنان الشوق و أطبع قبلة

_في وجهها و جبينها الدلاص

ثم ينتقل الشاعر في خطبته إلى وصف مصر عبر نفس الأبيات الشعرية يقول واصفاً مصر:

_مصر المروءة و العروبة طالما

كانت لعز الدهر خير مناص

_مصر و ما أدراك ما هي إنها

أحبار محبرة و أسد فراس

_و يا رب قائد امة من أرضها

كشف البلاء و ضيغمن فرفاص

وبع ذلك يذكر العريفي في خطبته بعض المعالم الجغرافية المصرية فيضرب مثالاً على ذلك ذاكراً أسماء بعض المدن المصرية مثل السويس، أنشاص، الصعيد ،يقول العريفي:

فهو أولاً كان بمصر يقول العريفي:

_هي حبنا من بحرها لصعيدها

_و من السويس إلى ربى أنشاص

ثم يذكر في نفس الأبيات ويعدد الأنبياء (عليهم السلام) الذين قدموا مصر، منذ أن وطأ الخليل إبراهيم (عليه السلام) أرضها، وكذلك يعقوب (عليه السلام) ويوسف (عليه السلام) وموسى (عليه السلام) وأخوه هارون (عليه السلام) ويوشع (عليه السلام) .
يقول العريفي:

_بل منذ أن وطأ الخليل ترابها

_رأس الحنيفة والد الأعياص

_وكذاك يعقوب الكريم حفيده

_و الابن يوسف جابر الأوقاص

_ثم الكليم بها مجدد ملة

درست بفعل خرافة القصاص

_و أخوه هارون و يشوع نونه

أكرم برسل في البلاغ حراص

_كانوا بمصر كنانة الرحمن

_يا نعمة كنانة أربع و عراص

_هذا قضاءكِ أن تكوني مؤلا

_للعز لا لملاعب رقاص

ثم يعود العريفي في خطبته ليرحب بمصر من جديد ويبين مدى حبه لها ومدى الإخلاص لأهلها وأنه جاء من أرض الحجاز بلاد الطهر جاء سفيراً ليزيل الوساوس والأوهام وليعلن الحب الكامن في نفسه لأهل هذا البلد، يقول:

_يا مصر أهلا من صميم قلوبنا

و محبة و تحية الإخلاص

_من أهلكم من أرض نجد مودة

_و من الحجاز قريبها و القاص

_أنا من بلاد الطهر جئت سفيرها

_لأزيل وهم وساوس الخراص

_لأعلن الحب المعطر نفحه

_بشذى الورود و نفحة الإخلاص

وجاء أبياته السابقة كشاهد شعري طويل غير مقسم كما تم تقسيمه سابقاً بل ذكر الخطيب الشيخ العريفي الأبيات السابقة وراء بعضها كالآتي:

_جرد كرام نجائب و خلاص

عيس مدمرة البطون خماص

_وجناء هجن من سلالة منتجن

أمضى و أسرع من صبوب رصاص

_و إذا تناهى سيرها و تسارعت

فكسبق سهم مسدد قناص

_وأقصد كرام الأهل في مصر التي

لبست لبوس كرامة و خلاص

_وأركب عنان الشوق و أطبع قبلة

_في وجهها و جبينها الدلاص

_مصر المروءة و العروبة طالما

كانت لعز الدهر خير مناص

_مصر و ما أدراك ما هي إنها

أحبار محبرة و أسد فراس

_و يا رب قائد امة من أرضها

كشف البلاء و ضيغمن فرفاص

_هي حبنا من بحرها لصعيدها

_و من السويس إلى ربى أنشاص

_بل منذ أن وطأ الخليل ترابها

_رأس الحنيفة والد الأعياص

_وكذاك يعقوب الكريم حفيده

_و الابن يوسف جابر الأوقاص

_ثم الكليم بها مجدد ملة

درست بفعل خرافة القصاص

_و أخوه هارون و يشوع نونه

أكرم برسل في البلاغ حراص

_كانوا بمصر كنانة الرحمن

_يا نعمة كنانة أربع و عراص

_هذا قضاءكِ أن تكوني مؤلا

_للعز لا لملاعب رقاص

_يا مصر أهلا من صميم قلوبنا

و محبة و تحية الإخلاص

_من أهلكم من أرض نجد مودة

_و من الحجاز قريبها و القاص

_أنا من بلاد الطهر جئت سفيرها

_لأزيل وهم وساوس الخراص

_لأعلن الحب المعطر نفحه

_بشذى الورود و نفحة الإخلاص

ثم ينتقل الشيخ العريفي إلى قصيدة أخرى، يوضح من خلالها أن مصر هي التي أنجبت أم العرب، ولو أن السيدة هاجر لم تنجب سيدنا إسماعيل عليه السلام فإلى أي كان سينسب العرب؟

وتتناول الأبيات مقولة مصطفى كامل (لو لم أن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً) وذلك في قول الشاعر أنه لو لم تكن أمه مصر لأنتسب إليها!
يقول العريفي في خطبته:

_مصــــــر التي أنجبت للعرب أمهمُ

_فمن سواها لهم بالحب يقتـــــربُ

_لو لم تكن هاجر إسماعيل قد ولدتُ

_من كان يُّعزي له أو ينســبُ العَربُ؟

_فمصـــــــر أمُّ لأم ينســــــــبون لهاً

_لذاك نحو حماها العرب تنجـــــذبُّ

_لو لم تكن مصــــــر أمي لانتسبت لها

_وضمني لحماها المجدُ والحســـــــبّ

ثم يبين العريفي أن الجنود المصريين هم خير أجناد الأرض، كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم)، يقول العريفي مستشهدا بالأبيات التالية:

_من أرضها خير جند الله قد خرجوا

_في كل معركة أبطالهــــــا انتخبـوا

_يا من تحاول فينا غمـــــز عزتها

_أخطأت قصدك فيما رحت ترتكبّ

_إن مسك الريب فانظر في صحائفنا

_تلــق النواضع فيهـا منك تقتــربّ

_لسنا نحيد بعهــــد الله عن هدف

_وكل نصر له في عرقنـا نســــــــبُ

بعد ذلك يوضح الشيخ في خطبته أن تلك الأيام ووقائعها يرويها الدهر منشد الأشعار المصرية، وأن الدهر يتغنى بتلك الأشعار المصرية، وأن كل ما ينشد من شعر هو أصله مصري، وبقية الأشعار هي صدى الصور لما تقوله مصر، فيستشهد الخطيب بشعر المتنبي، يقول :

_وما الدهر إلا من رواة قصائدي

_إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا

_فسار به من لا يسير مشمرا

_وغنى به من لا يغني مغردا

_أجزني إذا أنشدت شعرا فإنما

_بشعري أتاك المادحون مرددا

_ودع كل صوت غير صوتي فإنني

_أنا الصائر المحكي والآخر الصدى

بعد ذلك ينشد الخطيب من فوق المنبر قصيدة الشاعر المصري حافظ إبراهيم ، والتي تسمى القصيدة (العمرية) التي لخص فيها الشاعر سيرة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول:

_حسب القوافي و حسبي حين ألقيها

أني إلى ساحة الفاروق أهديها

_و من رآه أمام القدر منبطحا

_و النار تأخذ منه و هو يذكيها

_و قد تخلل في أثناء لحيته

_منها الدخان و فوه غاب في فيها

_رأى هناك أمير المؤمنين على

_حال تروع لعمر الله رائيها

_يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه

_والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها

ثم يستشد الخطيب في خطبته تلك بأطول شاهد شعري في تاريخ الخطابة في الوقت المعاصر، حيث ذكر جل قصيدة الشاعر حافظ إبراهيم عن مصر، تلك القصيدة الشهيرة، التي تغنت بها أم كلثومن يقول الخطيب:

_وقف الخلقُ ينظرون جميعًا

_كيف أبني قواعد المجدِ وحدي

أنا تاجُ العلاءِ في مَفرقِ الشرقِ

ودُرَّاته فرائدُ عِقدي

_ورجالي لو أنصفوهم لسادوا

_من كهولٍ ملءِ العيونِ ومُردِي

_لو أصابوا لهم مجالاً لأبدوا

_معجزاتِ الذكاء في كلِ قصدِ

_إنِّهم كالضُبا ألحَّ عليها

_صدأُ الدهرِ من ثَواءٍ وغَمدِ

_فإذا صيْقلُ القضاءِ جلاها

_كنَّ كالموتِ ماله من مَردِّ

_أنا إن قدَّر الإله مماتي

_لا ترى الشرق يرفعُ الرأس بعدي

_ما رماني رامٍ وراح سليمًا

_من قديمٍ عنايةُ الله جندي

_إنني حرةٌ كسرتُ قيودي

_رغمَ رقْبَ العِدا وقطَّعتُ قِدِّي

_وتماثلتُ للشفاء وقد دانيتُ

حَـيني وَهَـيّـَأَ القَـومُ لَـحـدي

_أيُّ شعبٍ أحقُّ مني بعيشٍ

_وارفِ الظلِّ أخضرِ اللونِ رغدِ

_أتُرانِي وقد طويتُ حياتي

_في مِراسٍ لم أبلُغِ اليوم رشدي

_أَمِنَ العَدلِ أَنَّهُم يَرِدونَ الماءَ

صَــفواً … وَأَن يُكَـدَّرَ وِردي

_أَمِنَ الحَقِّ أَنَّهُم يُطلِقونَ الأُسدَ

_مِنهُم … وَأَن تـُقـَيَّـدَ أُسـدي

_نِصفُ قَرنٍ إِلّا قَليلاً أُعــاني

_ما يُعـاني هَــوانُهُ كُلُّ عَبـدِ

_نَظَرَ اللَهُ لي .. فَأَرشَدَ أَبنائي

فَشَـدّوا إِلى العُــلا أَيَّ شَـدِّ

إِنَّما الحَقُّ قُوَّةٌ مِن قُوى الـدَ

يَّـانِ أَمضى مِن كُلِّ أَبيَضَ هِندي

قَد وَعَدتُ العُـلا بِكُـلِّ أَبِيٍّ

_مِن رِجـالي فَأَنجِزوا اليَومَ وَعدي

_أَمهِروها بِالروحِ فَهيَ عَروسٌ

_تَسنَأُ المَـهرَ مِن عُـروضٍ وَنَقدِ

_وَرِدوا بي مَناهِلَ العِـزِّ حَتّى

_يَخطُبَ النَجـمُ في المَجَـرَّةِ وُدّي

ثم يعود الخطيب إلى نفس القصيدة السابقة وإلى نفس الشاعر ويستكمل شاهده الشعري قائلاً:

_إنَّ في الغرب أعينًا راصداتٍ

_كحلتها الأطماع فيكم بزهدِ

_فوقها مجهرٌ يريها خفاياكم

_ويطوي شعاعه كلَ بُعدِ

_فاتقوها بجُنَّةٍ من وئامٍ

_غيرِ رثِّ العرى وسعيٍ وكدِ

_واصفحوا عن هنَّاتِ من كان منكم

_ربَّ هافٍ هفا على غيرِ عمدِ

_نحن نجتاز موقفًا تعثُر الآراء فيه

_وعثرةُ الرأي تردي

_ونُعيرُ الأهواء حربًا عوانًا من خلافٍ

_والخلفُ كالسلِ يُعدي

_ونُثير الفوضى على جانبيه

فيعيد الجهولُ فيها ويبدي

_ويظنُّ الغوي أن لا نظامٌ

_ويقول القوي قد جدَّ جِدي

_فقفوا فيه وقفةَ الحزم

_وارموا جانبيه بعزمة المستعدِ

_إننا عندَ فجرِ ليلٍ طويلٍ

_قد قطعناه بين سهدٍ ووجدِ

_غمرتنا سُودُ الأهاويل فيه

_والأمانيُ بين جزرٍ ومدِ

_وتجلَّى ضياؤه بعد لأْيٍ

_وهو رمزٌ لعهديَ المُستردِ

_فاستبينوا قصدَ السبيلِ وجِدوا

_فالمعالي مخطوبةٌ للمجدِ


حمدي كوكب

شاعر وقاص مصري

من نفس المؤلف