الجمعة ١٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠١٣
بقلم خير الدين جمعة

رجال بلا ملامح

• جريمة الراس الحاف:

في اللحظة التي كان فيها «مزهود بالزاوية الوذرفي» في فراشه اليهودية مزالة مع يترشّف دفء الشهوة في شتاء بارد، كان «علي بن سعيد» قد انتهى لتوّه من شحذ خنجره اليَمَنيّ استعدادا لقتله، يخرج عليّ بن سعيد من بيته متلحّفا الليل يندفع بخطا ثابتة كاليقين، ينسحب من حيّ «الدّشر» السفلي متوجِّها غربا نحو حيّ «الراس الحاف» عند مدخل القرية، كان يختبئ في برنسه الأبيض الصوفي فيبدو في الظلمة كتلة من الغيم في ليل دامس، يتحسّس خنجره عند وسطه بكل عزم وقوة كان يتوجه نحو ديار أولاد بالزاوية، سيقتله الليلة هكذا عزم، لم يعد يرضى بوجوده في القرية..لا بد أن يموت.. سيرديه قتيلا كالكلب في أرضه فما فعله آخر مرة يجعله عبئا على الحياة وخطرا على القرية...

يوم أمس وقف على ربوة البستان كرياح الخريف الحزينة رأى محصول اليقطين كيف يبس و غلبه السواد والتلف، شعر بانقباض قلبه واندثار كيانه...لن يرضى أبدا أن يموت جوعا..ماذا سيبيع هذه السنة؟؟ماذا سيبيع؟؟ آخر مرة ذهب فيها إلى سوق جارة بقابس لم يربح شيئا من بيع محصول البصل..تبدو هذه السنة صعبة قاتمة ويشعر في باطنه أنه قادم على أمر خطير..تلف محصول اليقطين سببه عدم أخذه حصته من الماء الكافية لابد من افتكاك حقنا في الماء بالقوة، مزهود بالزاوية هو السبب، هذه الأيام يتعاظم شأنه بشكل لافت، لابد من قطع رأسه اليوم قبل الغد هكذا اتفق مع أبناء عمه أولاد سعيد، هذه سنة صعبة فحتى السلطات الفرنسية منعتنا من بيع محصولنا في سوق مدينة صفاقس، عند الثكنة في العوينات يفتشون كل شيء ويدققون في كل رجل...يا إلهي ماذا يمكن أن نفعل؟؟ عين القرية يشحّ ماؤها يوما بعد يوم..ماذا سنفعل؟! لن نسمح لأحد بأن يحوّلنا إلى أراذل...محصولنا تلف و مياه الوادي غارت و أصبحنا خائفين من أن تشحّ مياه العين التي تتوسط بساتين القرية، ماذا بقي غير ماشيتنا الهزيلة؟!هي بدورها أصبحت في خطر فبدون ماشية لن تستطيع نساؤنا حياكة الزرابي والمرقوم...كنا كل سنة نبيع الصوف للتجار الهلاليين في سوق جارة بقابس و في المقابل نشتري منهم الغزل والخيوط واليوم ماذا سنفعل؟؟ مزهود بالزاوية سيدفعنا إلى التعامل مع "إزاكينو" تاجر القرية اليهودي ذلك الذي طالما استغل أزماتنا فيبيعنا ما نحتاجه بأثمان مضاعفة لنبقى مديونين له سنوات طويلة..مزهود وبلّحيم كلاهما يريد السيطرة علينا بطريقة خفية..يريدان شراء كرامتنا و حصارنا في قوتنا و قوت نسائنا وأبنائنا...

مزهود بالزاوية صديق اليهود و حليف الفرنسيين وصديق خالي القرد الخائن لابد أن يموت الليلة..سأقرأ على قبره الفاتحة يوم غد...لقد هدّدتُه عديد المرات و لكنه لم يرتدع..يرى نفسه أقوى من كل أهالي القرية..آخر مرة في الصيف الماضي كنت مع أبناء عمّي " الصغيّر" نسقي بساتين النخيل و الزيتون غير بعيد عن مقام سيدي الطاهر و بعد ساعة من العمل المضني انقطع عنا الماء فجأة و لمّا ترتوِ الأرض بعد، تبادلنا نظرات القلق والانزعاج أحكمتُ قبضتي على المسحاة و اندفعتُ أركض متتبّعا الساقية الكبيرة

...مررت ببساتين أولاد الصغير و أولاد الناجح و أولاد الحاج علي،كانت نظرات الاستغراب تجتاحني وانا أركض تجاه العين حيث نبع الماء، عاري الجسد إلا من تبّان حد الركبتين، حييت بعضهم و قد عرف أغلبهم أن الماء انقطع عنا و أحسوا أن هناك أمرا خطيرا سيقع..واصلت ركضي حتى وصلت بساتين دار بالزاوية هناك توقفت و انا ألهث و قد استبد بي الغضب فلقد صدق ظني لقد حوّلوا مسار الماء نحو بستانهم و بدون أن أنظر حولي أو حتى أتثبت في وجوههم قفزت وسط الساقية و شرعت أرجع الماء إلى مساره الصحيح عند ذلك و من أوّل ضربة للمسحاة في الطين انبرى إليّ مزهود وهو يقول :

• هيه توقّف..ماذا تفعل؟؟

فصرختُ في وجهه:

• ابتعد يا غشاش انت موش راجل..ألا تعرف أن هذا اليوم هو دورنا في الحصول على الماء نحن دار سعيد؟؟!

• و ليكن نحن بحاجة إليه اليوم..

• المفروض أن تعلمنا...هذه سرقة !!

في تلك اللحظة أحسستُ أن أولاد بالزاوية أخذوا يحيطون بي رويدا رويدا...تأكدتُ أنني و أنا على أرضهم لا يمكن أن أظفر بشيء...و لكني أطردتُ الرهبة من باطني فأنا لا أخاف ابدا..هكذا تربيت و نشأت..أنا ولد سعيد خلقت كائنا من التهور والنزق و العنف..وفي لحظة خاطفة رميتث المسحاة و أمسكته من عنقه، جحظت عيناه استغرابا إذ لم يكن يتصور أنني سأكون جريئا إلى هذه الدرجة أحكمت قبضتي عليه و قلت له:

• والله لو تعملها مرة ثانية أقتلك على أرضك هذه...

غير أن إخوته و أولاد عمه لم يخافوا بل ازدادوا اقترابا مني و ازدادت حلقتهم ضيقا حولي و رغم ذلك أطردت الخوف عن خاطري و في ثانية كالبرق رفعتُه من وسطه و بحركة من ساقي اليمنى طرحته أرضا مثل خروف معدّ للذبح و أغلقتُ بجسمه مسار الماء أمام ذهولهم جميعا ثم وضعتُ قدمي المبتلة المتسخة بالطين على رقبته و تناولتث المسحاة بسرعة ثم رفعتها بكلتا يديّ أهمّ بأن أهوي بها بها على عنقه ثم صرختُ فيهم:

• والله لو تقدّم أي واحد منكم، أفصل رأسه عن جسده و أنتم تعرفونني جيدا..ابتعدوا..
أخذوا في التراجع و الابتعاد و قد اكتسحتهم الدهشة، أما هو فقد غرق جسده في ماء الساقية الكبيرة و أخذ ينتفض و يسعل مثل ديك أجرب، ضغطت على عنقه بقوة إمعانا في سحقه و بالمسحاة أخذتُ أضع عليه الطين لقد سددتُ بجسده الطيني المبتل مَغلق الماء فاندفع الماء يهدر بقوة عائدا في طريقه إلى مزارعنا، طوقتني السعادة لحظة وأنا أراه يتلوى تحت قدمي و أنا أتابع الماء بانتشاء يعود إلى ديارنا...في تلك الأثناء كنت أفكر في الطريقة التي يمكن أن أعود بها حيا إلى الديار فما فعلته ليس هينا خاصة إذا كان مع ابن شيخ أولاد بالزاوية كان عقلي يفكر بسرعة وعيونهم تحاصرني و تنهشني بكل حنق و نار...شعرتُ أن إعادة الماء إلى الدار أسهل بكثير من عودتي...و لكن في كل مرة يسعفني جنوني بمخرج، قلت لهم مزمجرا:

• أنا سأذهب الآن و سأتركه أما أنتم فتتركون الماء و لا تغيّرون مجراه أنتم أولاد بالزاوية لستم أحسن من بقية العائلات، تأخذون نصيبكم مثلنا وكما جرت به العادة في القرية منذ شحّت مياه الوادي..سأذهب الآن ولو تعرض لي أيّ واحد منكم ستلحق بي عشيرتي كلها و تكون اليوم مذبحة بيننا...

في تلك الأثناء سمع الكثير من أهل القرية الذين كانوا في البساتين بما حصل فانفض السوق من أهله و انسكب الناس من "الراس الحاف " و" الدشر" و جاؤوا ليشهدوا الحادثة و يحاولوا الإصلاح بيننا فيخلصوه من وحشية قدمي و لكن لا أحد تجرّأ على الاقتراب مني...لا أحد.. كل الشيوخ ظلوا ساهمين و كأنهم تفاجؤوا بجرأتي وحيدا بين أولاد بالزاوية و على أرضهم...ظلوا يتفرجون باستغراب وذهول.....واحد فقط..انسلّ من بين الجميع بجسده العملاق و تقدّم بخطا ثابتة، نظر إليّ لحظة ثم وضع يده على كتفي و قال لي في هدوء :

• عليّ يا ولدي اترك الرجل...أعدك لن ينقطع الماء عن دار سعيد..أعدك..و لن يتجرّأ أحد على أن يلمس شعرة منك

توقف الزمن لحظة قاتلة، نظرت إليه بهدوء...نظرت فسافر بي الزمن إلى الماضي البعيد....تذكرتُ تلك الليلة التي دفنّا فيها عمّي تحت جنح الظلام في مقبرة سيدي عبدالجليل في القرية تذكرتُ صوت نحيبه الصامت..تذكرت تلك الليلة التي كنتُ أتبعه فيها و في اليد معول ومجرفة متوجهين إلى المقبرة و لا أنسى كيف حملني في طريق العودة على كتفه..لم أنس بكاءه الفجري الخجول على عمي المغدورفي حياته وفي موته...لم أنس عينه اليتيمة..عين الصقر تلك التي كانت تتلمس لنا الطريق فتمزّق الظلمة بكل عنف وكبر و عنفوان...هاهو " بورية " ينبعث من الأرض مجددا بعد عشر سنوات، لم يتغير فيه شيء نظره الوقاد بنفس الحدة، لعبت بي الذكريات و حين حدّقت في عينه رفعتُ قدمي دون تردد عن مزهود و رأيت ذلك الكلب كيف يقوم و هو يترنح وسط الساقية ويسعل وهو ينظر إليّ بحنق و لكنني لم أعره اهتماما و مددتُ يدي مصافحا ذلك الرجل ذا العين الواحدة..إنه أقوى رجل في قريتنا...رجل يهابه الجميع....إنه بورية...عانقت الرجل بكل حماس لقد اشعرني وجوده بالشموخ..بعد ذلك وقف بورية أمامي و خاطب مزهود و أولاد بالزاوية بنبرة غضب و قوة :

• هذا ولدي و الله لو لمسه واحد منكم أقتله بيدي هاتين...

غرس عينه المخيفة فيهم فتفرّقت الحلقة من حولنا و تراجعت الخطوات في ارتجاف... وهاهو بورية يسري أمامي كالماء العاتي بخطى ثابتة عائدا إلى أرضنا....

أتحسس خنجري تحت البرنس و أنا أطرق باب دارعمي، خرجوا ثلاثتهم كان خليفة والصادق يحملان عصيا غليظة أما محمد فقد وضع بندقية من عيار 16 على كتفه سلمت عليهم وانطلقنا نحو الراس الحاف تلفنا الظلمة ويخترقنا البرد...كان لابد من ظهر يحميني في عملية كهذه فقتل مزهود بين أهله ليس بالعملية الهينة ولذلك كا لابد أن يكون معي أبناء عمي حتى أنفذ ما أزمعت عليه فبعد أن فعلها مزهود مرة ثانية لن يثنيني أي شيء عن قتله. تزداد الظلمة قتامة و السواد يلف المنازل المتباعدة، لاحت لي البساتين الغافية منذ زمن تلك التي ترعى حياتنا و أرواحنا...لا أدري لماذا تذكرتُها في تلك اللحظة...الآن ليس الزمن زمن اشتياق..تذكرتُ عينيها الجميلتين اللتين جمّدتني فأحالتني إلى تمثال من الوله والعشق..تذكرتُها هي بنت بالزاوية التي رأيتها ذلك الصباح عند عين المسقى غير بعيد عن دار أولاد التومي، رأيتها تغسل جلدا بقعب جريدة يابس، تضربه في رفق و حين التفتتْ إليّ و كنت ذاهبا إلى أولاد عمي تجمدتُ في مكاني، كانت خصلة شعرها المبتلة ملتصقة في دلال على جبينها الثلجي فتزيد سواد عينيها بهاء وكبرا..ظلت تضرب الجلد بالعصا الغليظة دون اكتراث بالمارين أو بالنسوة المنشغلات بالغسيل حولها، مع كل ضربة يرتعش قُرطاها الدائريين الكبيرين عند أذنيها فيهتزّ جذعها المكتنز ويبدو اسفلها ممتلئا فقد لفته في ملحفة سوداء عليها زركشات حمراء صغيرة..أحرقت حركاتها جذوة الشهوة و أذكت ما كان نائما تحت الرماد!!!

"حْوِيته بنت بالزاوية " بوجهها الأسمر الملائكي، كان لها وشم صغير تحت شفتها السفلى و شعرها الليلي يطلّ بعنفوان من تحت وشاحها الأحمر القاني، لم تكن المرة الأولى التي أراها فيها فآخر مرة ساعدتُها على وضع الجرار المليئة بالماء على ظهر الحمار ولم أتجرّأ على النظر إليها و لكني انتبهت إلى امتلاء جسمها من خلال انكشاف زنديها العاريين حبّتين من المرمر شهيَّيْن....

شعرت بالحزن وأنا أتذكرها لأنها ابنة عم ذلك الكلب مزهود....كنا نخترق الظلام متوجهين إلى الراس الحاف و لن تمنعني عيون حويته بنت بالزاوية من قتل ابن عمها الكلب...!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى