الانسانُ اليومَ

، بقلم محمود جمال ريان

(في زحمة الصّراع بين الخير والشّرّ وبين النور والدّيجور يبرق كنه الأزليّة الّذي يحتوي بداخله جلّ ما يعتور الانسان من هموم وأتعاب، وفي محاولة الجمع بين القوى بشتّى أشكالها ومعاناة الواقع المعيش، كانت هذه القصيدة)

(1)
قالوا: الانسانَ ضعيفٌ
خلقَ ضعيفًا فكبفَ لا يعتريه الخوفُ؟!
فهو ينوءُ تحتَ زحمة الموج
لا مُغيثَ ولا مُجيرَ
انَّ الاحساسَ المُرهفَ مضى !!
(2)
أينَ الانسانُ يرى الحياةَ في نملةٍ تحملُ حبَّةَ قمح !
أينَ الشّاعرُ وفي كفَّةٍ يمسكُ ريشةَ الفنّان
وفي كفّه الأخرى يُعلنُ الحريّةَ
ويبعثُها الى الدّنيا تزخَرُ عطرًا وماسًا
يُمسكُ بالكونِ في ساعةِ زمنٍ واحدة يحوي الأبديّة
يُفجّرُ شلّالًا من الحياة السّرمديَّة
يهوي العاتي من عليائه تحت صخرةِ القدر
يُزَمجرُ الغاصِبُ، يمورُ الظّالم، ويرتعدُ الانسانُ البسيط
تحتَ سقفٍ واحدٍ من الرّخامِ والحديد
تموجُ الحياةُ باضدّادها، فالكلُّ في معركةٍ معها
حتّى تصفوَ الكلمة
وتُعلنَ أخيرًا أنّه لا أحدَ منتصِرٌ قطُّ !!
أينَ الكادحُ من أجلِ حياةٍ وافرة
كي نصنعَ للعشّاقِ بيوتًا..
للمرأةِ أولادًا
(3)
قالوا مقهور
لكنّه موجود منذ بدءِ الخليقة
يحملُ على كاهلهِ مخاضَ السّنين
لا يرتَوي من ظمأ المسير
يحملُ للإنسانية حلولًا كبرى
لكنّها لا تحفلُ له ولو بأدنى زفرة
مأساةُ الانسانِ أنّه موجود
ويخوضُ الغمارَ دونَ انكسار
لكنْ لا مُعينَ خلَل الزّحام
يعاركُ.. يُجابهُ، ليصلَ الى التّلّةِ القادمة
ويرقبُ الأملَ بعيونٍ دامية
يهيمُ في سبحاتِ الفضاءِ لينزاحَ الرّكام
لكن بنظرةٍ فاحصة يرى قد قُلبتْ كلُّ موازين الكون
فلمْ يعُدْ يحتَفلُ بصدى الكلمات
فقد أرهقهُ ارتقابُ الدّهور
فيُسائلُ النّاسَ والكائنات
هل منطقُنا سرابٌ هائج
هل نحنُ مرضى، نحتاجُ الى تطهير؟
كلّ شيء في الحياةِ قد دَفع الانسانَ اليومَ الى
الهذيان .. الادمان .. الطّغيان !!.
هل يبقى الرّعبُ الأكبر؟
وكوابيس الأحلام المقهورة ..
والآلام الغاصبة ...
وفساد النّوايا العمياء ؟!
والعزلةُ ..عزلة الفرد في أغوارِ النّفسِ الملتوية
مأساة الانسان اليوم ..
مأساة العالم الواسع
الكلّ في عطشٍ روحيّ، ينتظرُ الريّ
الارتواء من موردِ الحبِّ، ومن نورِ الربِّ
(4)
حقًّا ..انَّ الانسانَ لَيطغى!
وليست عندَه نوايا صادقة للحُبّ، للأنام
لكن لن يقدرَ أن يقتلَ فينا الصّفاء
رغم ظواهر الوحشيّة
لن تُقْتَلَ فينا الرّوح العُلويّة
قضينا في الأرضِ أعمارًا وأجيالًا
وفصولًا من صيفٍ وشتاء ..
وأمامَ الانسانِ ملايين أخرى وملايين ...
والموتُ سيفرغُ وسيملأ !!
لكن لن يفرغَ الكونُ من الموجودات
فالوجودُ جيلٌ أو جيلان
والأبديّةُ كلُّ الأزمان ..
والإنسانُ الحيُّ سيمضي
يملأُ الأرجاءَ والأوطان
ينشقُ عطرَ الصّباح وَعطرَ الليل ..
فلكَمْ خاضَ غمارَ الموجِ فلنْ يزحفَ للعتماتِ بعدُ
وسيظلُّ يخوضُ الموجَ، ونضحكُ للموجِ الاتي
ونغنّي للأمل
لحنًا أحلى من عبقِ النّيْلوفَر ..
(5)
يا أرضًا بلّلها الدّمع
يا أرضًا أضفى اللّهُ سبحاتِهِ النّديّة
يا أرضَ الأشجارِ .. الأطيار ..الأنهار
صبَّ عليها القمرُ الأنوار
لا أنكرُ أنَّ عطاءَك مدرار ..
فالحبُّ سيشملُنا أكثر
وندركُ أنَّ زئيرَ الأسودِ الضّاريةِ في الغاباتِ،
وعواءَ الذّئابِ في الفلوات الموحشة
أجزاءٌ من تلكَ الأبديّة!!
الّتي هيَ أزمنةٌ في زمان ...