فيلسوف المعرة يتحدى التكفيريين..!

، بقلم شاكر فريد حسن

قبل ايام معدودات اقدمت مجموعة مسلحة من الجهاديين والتكفيريين المعارضين للنظام السوري، بقطع رأس تمثال الشاعر والاديب والفيلسوف العربي الخالد ابو العلاء المعري، المكنى بـ "رهين المحبسين"، المنتصب وسط معرة النعمان، مسقط رأسه، في منطقة ادلب، باعتباره، وفق عقيدة هذه الجماعات، "زنديقاً " و"كافراً "، ولأن معتقداته وأرائه الفلسفية، التي عبّر عنها في كتابه الشهير "رسالة الغفران" تزعج هذه الجماعات الجهادية الاصولية والسلفية المتطرفة، وتتعارض مع وجهات نظرها وتفكيرها وارائها الدينية المتشددة.

وهذا الاعتداء ان دل على شيء فانه يدل الفكر الظلامي الذي تتبناه هذه القوى السلفية الغيبية المتعصبة، وعدائها للعلم والثقافة المتنورة، وللعقول العلمية والفكرية. وهو عمل وحشي وبربري وظلامي يستهدف رمز من رموزنا الادبية والفلسفية والثقافية له منزلة كبيرة وعظيمة في ثقافتنا العربية الاسلامية وتاريخنا الادبي والفكري الحضاري، ويرمي الى تشويه صورته والنيل من فكره وارائه من الدين والحياة.

وابو العلاء المعري، الذي اعتدت على تمثاله الايدي الشريرة، هو احد ابرز وجوه الادب العربي في القرن العاشر، وايقونة من ايقونات تراثنا الفكري والفلسفي العربي. وهو شاعر واديب وفيلسوف له مذهبه الفلسفي الخاص، اعتزل الناس، وعاش متزهداً، ونظر الى الحياة نظرة تشاؤمية كلها سخط وازدراء. اعتمد على العقل، وآمن بالعلم والمعرفة، ووقف ضد الخرافات والشعوذات والاساطير والتعصب الديني والطائفي والأعمى، ودافع عن العدالة الاجتماعية والانسانية لبني البشر، ودعا الى عدم الانجاب لتجنيب الاطفال المعاناة ومتاعب الحياة وهمومها والامها. وقد كان صافي الفكر، عميق الادراك، صادق التعبير عن ارائه ومواقفه ونظراته الفلسفية والفكرية، وانشغل في الكتابة والتأليف، فوضع "رسالة الغفران" و"وتاج الحرة في النساء واخلاقهن وعظاتهن" و"معجزة احمد بن الحسين المتنبي" و"سقط الزند" و"اللزوميات" وغير ذلك.

ولعلنا نستشف فلسفته، التي يختصرها في هذه الابيات الشعرية، حيث يقول:

غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك او ترنم شادي
وشبيه صوت النعي اذا قيس
بصوت البشير في كل ناد
صاح هذي قبورنا تملأ الرحب
فأين القبور من عهد عاد
رب لحد قد صار لحداً مراراً
ضاحك من تزاحم الأضداد
تعب كلها الحياة فما اعجب
الا من راغب في ازدياد

واذا كانت العصابات المسلحة تمكنت من تدمير وتحطيم رأس التمثال، فانها لا ولم ولن تنال من ابي العلاء المعري، هذا الرمز الساطع والشامخ، و تغييب فكره الفلسفي. انه باق وراسخ في عقول وأذهان مثقفينا ومفكرينا وادبائنا وشعرائنا المسلحين بالرؤية العقلانية التقدمية والنظرة النقدية والجدلية وبالمعارف الفلسفية، لما لأبي العلاء من حضور ادبي وثقافي طاغ ومميز. والخزي والعار لعصابات التكفير وقوى الظلام، التي تغتال المفكرين والمثقفين النهضويين العقلانيين، بدلاً من تكريمهم والاحتفاء والاحتفال بهم، بما قدموه من مساهمات فكرية وادبية وفلسفية لا تقدر بثمن.


شاكر فريد حسن

- كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف