بغداد عاصمة الثقافة العربية للعام ٢٠١٣

، بقلم شاكر فريد حسن

بغداد مدينة السلام، وعاصمة الرشيد، ومنارة العلم والفكر، وواحة الادب، وارث الحضارات المتعاقبة، وجنة الشعراء والادباء والمتأدبين والنحويين والمثقفين والمتثاقفين، الذين انشدوا لها وتغنوا بنخيلها وفراتها ودجلاها وترابها، وهتف لها شاعر الحب والمرأة نزار قباني قائلاً:

مدي بساطك واملأي اكوابي
وانسي العتاب فقد نسيت عتابي
عيناك يا بغداد منذ طفولتي
شمسان نائمتان في اهدابي

بغداد، الف ليلة وليلة، وفينيسيا الشرق المنكوبة، التي تلملم وتضمد جراحها، وتغسل وجهها بالمطر، وصارت لازمة لاغنية فيروز الرائعة "بغداد الشعراء والصور".

وبغداد نصب الحرية، وثورة 1958، التي شهدت ولادة معروف الرصافي وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري وعبد المحسن الكاظمي وعبد الخالق الركابي ومظفر عبد المجيد النوّاب وسواهم الكثير من طلائع الابداع.

بغداد تلك المدينة التاريخية، التي شكلت احدى اشعاعات الثقافة العربية وكانت من اشهر المدن الثقافية والاجتماعية والسياسية،التي انجبت الثقافة والحضارة، وانجبت العلماء والعظماء من رجالات النهضة الفكرية والعلمية، الذين علّموا الناس ابجدية الحضارة والتمدن، والتي لعبت دوراً ثقافياً وريادياً هاماً على مر القرون والعصور الماضية، وكانت من اكثر العواصم العربية تأثيراً في مجالات العلم والادب والفن، حيث صدرت فيها اشهر المجلات والمطبوعات والدوريات الادبية والثقافية كالاقلام والطليعة، وابتدعت مهرجان المربد الشعري، الذي استضافت فيه اشهر واهم شعراء الوطن العربي.

وبغداد، التي اشتهرت بمعالمها الحضارية، وآثارها التاريخية، ومتاحفها،ومعارضها الفنية، ومسارحها، ودور السينما،ومكتبتها العظيمة العريقة،التي جمعت كل العلوم والفنون والآداب الانسانية، وقام بتدميرها وحرقها هولاكو التتري.واشتهرت كذلك بمقاهيها الادبية والثقافية ومكتباتها الشعبية واكشاك الكتب والصحف، التي كان يعج بها شارع المتنبي الشهير، الذي يحمل اسم اعظم شعراء العرب. وعرف بسوق الكتب، التي كانت تفترش ارضه كل يوم جمعة، وكانت مقاهيه محطة لقاء ثقافي بين رموز الابداع العراقي والنخب الفكرية والثقافية العراقية حيث شهدت المناظرات واللقاءات والامسيات الادبية والشعرية والفنية. ولكن هذا الشارع فقد اصالة الماضي وتحولت المقاهي فيه الى مراكز تجارية، وخاصة بعد انفجار السيارة المفخخة فيه سنة 2007، فدمرت الكثير من معالمه، ولا سيما المقاهي الادبية والثقافية، التي كانت تحفل بالصور القديمة لبغداد، والمكتبات التي كانت تحتوي على كتب ومؤلفات ومخطوطات نادرة ومجلات وصحف قديمة.

بغداد، هذه العاصمة التاريخية الابدية للعراق، تستعد للاحتفاء والاحتفال بتتويجها عاصمة الثقافة العربية للعام 2013، والسؤال المطروح:هل بغداد مؤهلة وقادرة ان تكون اليوم عاصمة ثقافية، في ظل الواقع الرهيب، الذي تعيشه وسط الانفجارات وصوت المدافع وأزيز الرصاص، وفي ظل الصراع الطائفي البغيض؟!

بلا شك ان اختيار بغداد لتكون عاصمة للثقافة هو حدث ثقافي كبير يحمل في طياته الكثير من المعاني والابعاد والدلالات، كونها ذات مكانة اقليمية وعربية عريقة. وبالرغم من تراجع دورها الثقافي نتيجة الاحتلال الامبريالي الامريكي الاستعماري، وانقراض مكتباتها باستثناء القليل منها،ورغم ان مثقفيها ومبدعيها ومفكريها يعيشون في المهاجر والمنافي القسرية جرّاء القمع الاستبدادي والارهاب الفكري الذي مورس ضدهم، وعدم قدرتها على احتضان واستيعاب كل المشاريع الثقافية لقلة المسارح ودور العرض السينمائية والاوبرا، الا ان هذا المشروع من شأنه ان يعيد اليها عافيتها وبهاءها ومجدها وملامحها الثقافية الواضحة ودورها الريادي الطليعي.

وفي النهاية يمكن القول، ان بغداد تصارع وتقاتل وتنافح جاهدة بأن تظل عاصمة القراء في الوطن العربي، وذلك تجسيداً للمقولة "القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ"، وكلنا امل بان تحقق بغداد، بمثقفيها وادبائها وكتابها، طموحها الفرح، وان لا يكون مصيرها كالنجف عاصمة الثقافة الاسلامية..!


شاكر فريد حسن

- كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف