فراس حج محمد

الإنسان مجموعة تجارب تصنعه ويصنعها

، بقلم آمنة وناس

صدر مؤخرا للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد كتابا جديدا (رسائل إلى شهرزاد)، وهو باكورة أعماله الأدبية، وعلى ضوء ذلك وبهذه المناسبة كان هذا الحوار مع الكاتب، فقد تحدث حول قضايا كثيرة في النقد والأدب والكتابة متحدثا عن تجربته الشخصية وانكسارات الوجدانية، وأبدى آراءه في كثير من القضايا الأدبية والنقدية، وأبدى آراءه في كثير من القضايا الأدبية والنقدية، والشاعر حج محمد هو من الجيل الجديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب الذين شقوا طريقهم بإصرار دون دعم من أي جهة رسمية، وهو وغيره الكثيرون ممن يمتلك رؤية خاصة ومختلفة، معبرا بتلقائية وعفوية عن آرائه دون أن يكون أي صدى لأي صوت من أصوات الأدباء المكرسين والذين يدور ذكرهم في كل منبر وصحيفة.

يسعدنا في «ناشرون فلسطينيون» أن نقدم لكم هذا الحوار، دعما للمثقفين والأدباء الفلسطينيين.

يحمل الحرف بين الضلوع وينثر العاطفة شعارا، تجوب معانيه الربوع ونشيد قصائده تغريد منيار، بين مرقم الناقد الولوع تسكن عباراته قصصا وأشعارا، لفظه دوما يروع وعطاؤه لا يعرف بوارا، لقلمه الكلمة في خضوع وكأنه زمام الأقدار، مقاصده كأنها ينبوع بخرير الأفراح والأكدار، يعزف لحنا في خشوع، يحاول فكّ سر من الأسرار سمي بالناقد والشاعر والكاتب الفلسطيني فراس حج محمد.

يا لتلك المقدمة، وأرجو أن أكون أستحقها، فأهلا وسهلا بك صديقة ومحاورة بارعة.

- شكرا وأهلا بك سيدي، الحرف بين قلم الناقد وقلم الشاعر والكاتب "فراس حج محمد"، كيف يتماوج وكيف يتكيّف مع انتقالاته واختلاجاته؟
- الحرف يحمل بعض معناه، فهو حرف، ساكن على شفا كل شيء، يحرف مدعيه وكاتبه وينزلق به ربما نحو بعض المتاهات، وينقله إلى حيث التنوع والتكامل ما وسعته الأفكار، فهو حرف يحرف النفس نحو آمالها وتوقعاتها، ليرى ضرورة أن يكتب مرة في الشعر ومرة في المقالة، أو في الخاطرة، ومرة يقاوم بالكتابة كل ما هو نقيض للفرح والسعادة، مستجلبا شيئا من فرح يقابل ما تماوج في الكون من حزن، هو السمة الغالبة للبشرية اليوم.
متى حرف الناقد "فراس حج محمد" ينتضي من أغماده؟

ليس للحرف طقوس خاصة، فقد ينتضى في كل وقت وفي كل مكان، فقد كتبت بعضه وأنا أمام التلفاز أشاهد بعض مصائبنا، أو في الحافلة مسافرا، وحتى أنه قد يهجم في لحظات النوم، فيمنع العيون إلا أن يدرج في مسارح الورق يختال كأنه انتصر، فأشعر بلذته منتصرا وقد حرمني بعض الهدوء.

- "في كل مرة يهرب مني النقد لصالح المعمار الفني الجميل"، من هذا المنطلق ماذا تريد إفهامنا؟ هل إن النقد في جوهره لا يتوافق مع البناء وإنما يسعى لتجريد العمل الفني من أعماقه الإبداعية؟
- كتبت هذا في المقدمة التي قدمت بها لرواية الأديبة اللبنانية "صونيا عامر" "بطن الحوت"، وكنت لحظتئذٍ بين مهمتين، فكيف سأقدم رواية للقارئ، بعيدا عن النقد الذي تجنح بي مراكبه وأنا أقرأ في أي كتاب، ولذا فقد قررت حينها أن أتخلص من الناقد لأكون متذوقا لصالح الرواية، ولكن الرواية ببنائها الفني جعلتني مهووسا بالكتابة النقدية، فأفطن لمهمتي الأولى، فقررت أن أكتب شيئا مختصرا ودالا، ولذلك عندما كتبت مقالة نقدية حول الرواية، ظل التقديم ورؤيته هاجسا متسلطا. أما وأن النقد قد يتوافق أو لا يتوافق مع المعمار الفني فهذه مسألة أخرى، فأنا لم أكتب في النقد إلا حول ما يعجبني من البناء الفني، فأنحاز لما قاله الجاحظ يوما إن المعاني مطروحة في الطريق، وأما المعوّل عندي فهو المعمار الفني أولا وقبل كل شيء وهو الدافع الأول لأن أكتب نقدا.

- في رواية الكاتبة اللبنانية "صونيا عامر" هل أخذت مكانا بين أبطالها وجالست مقاعدهم أم أنك كنت مراقبا من بعيد وفقط تهزّ القلم بالنعت؟
- لا شكّ بأن أي قارئ للرواية سيجد نفسه حالة من حالتها، فقد شملت الرواية كثيرا من الشخصيات، ومنحت القارئ ليكون إحداها، بكل تأكيد جعلتني الرواية متسائلا، ومهموما، وأعادت لي شيئا من أحلامي لتواجهني بها، فهل ما حققتُه وما وصلت إليه وما عليه الآن من تركيبة نفسية راضيا وساخطا معا يعجبني؟ وهل بإمكاني أن أتصالح مع بعض الأحلام المكسورة، وأرضى بما أنا عليه؟ وماذا بإمكاني أن أفعل لتصحيح ما أمكن من أخطائي الكبرى والصغرى؟ بمعنى آخر، هل بإمكاني التغيير أم لا؟ هذا ما دفعتني الرواية لأن أفكر فيه.
ألهذا عنونتها "بأحلام الخلاص العبثي"؟

بكل تأكيد، ولأمر آخر مهم أن طريقة الخلاص التي انتهجتها الشخصيات هي عبثية وغير واقعية، فما علينا إلا مواجهة الواقع، لذلك قلت في آخر المقدمة إن الحياة قدر نصنعه نحن بأنفسنا أو بهذا المعنى.

- "لا تقل بأن الحياة عبث و مجون ولكنها قرار نصنعه أنا وأنت"، إلى أي حد ينجح أو يفشل "فراس حج محمد" في صنع قراره؟
- ما أظن أنني نجحت في اختياره قليل، وبأن الفشل هو ما يسم أغلب قراراتي سواء أكانت على المستوى الشخصي أو على المستوى العام، فالحياة بمجملها لا تجعل قراراتنا صائبة في أغلب الأحيان، لأنك ببساطة لا تعيش وحدك، والذي يُفْشلون قراراتك كثيرون، ولكن سنظل نحاول ليكون الفشل أكثر تقبلا ضمن معادلة الآخرين ووجودهم.

- من منطلق اعترافك هذا، هل تنسجم أم تعارض رأي الشاعرة والأديبة والمترجمة اللبنانية الفلسطينية "مي زيادة" عندما كتبت تقول "كلا كلا لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه"؟
- إلى حد ما، عجزنا عن إدراك التشعبات والعلاقات، والنظرة الأحادية الذاتية لها دورها في مآلات الحياة، فنحن عاجزون في النهاية عن إدراك كل ما له صلة بصوابية القرار، ومن هنا يبدو الفشل تجربة إنسانية مبررة ومنطقية.

- عندما نصارع استهزاء الوجود باهتراء أدوارنا، هل نثير بذلك تهكمه المعهود أم نرفع جنازة رمادنا؟
- وكأنك تشيرين إلى الصراع بين الكينونة البشرية والوجود، فإن كان هذا قصدك فنعم، هناك صراع مستكن في ذواتنا بيننا وبين الوجود، نأملُ كثيرا، ونظن أن أملنا قاب قوسين أو أدنى، وإذا به يتلاشى في لحظة عين، ليبدو الوجود هازئا لاهتراء أدوارنا، إذ إننا نحن في الأساس من يساهم بتشييع ما أسميته "جنازة الرماد"، والمشكلة تكمن في أننا نسلم بكامل يأسنا لذلك الهازئ المستهزئ بنا.

- هل هذا يعني أنك تساير الشاعر العربي "أبو الطيّب المتنبي" في اعتقاده عندما قال "تصفو الحياة لجاهل أو غافل عماّ مضى منها وما يتوقّع، ولمن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتطمع"؟
- أبو الطيب كالمثل لم يترك شيئا لم يقله، فمن ذا الذي يدرك سر الحياة، وأنها لا أمل فيها لمتأمل سوى ثاقب النظرة، ومن أوتي الحكمة؟

- "أعالج موتتي بالموت حبا لعلي قد أموت على مزاجي"، هل نفهم أنك تحاول التفوّق على فكرة الموت أم أنك تحذو حذو الشاعر العربي "أبو نواس" عندما قال "وداوني بالتي كانت هي الداء"؟
- البيت صغته تلخيصا لفكرة رواية بطن الحوت، ويعبر عن قلق وجودي تجاه الحياة بشكل عام، فالحياة بشكل ما والموت بشكل ما أيضا قرار شخصي، فبإمكان المرء أن يعيش كما يحلو له، فما المرء إلا حيث يضع نفسه، كما تقول الحكمة العربية.

ولكن الشاعر اليمني "أبو الحسن التهامي" رأيه عكس ذلك حيث يقول "ومكلّف الأيام ضدّ طباعها متطلّب في الماء جذوة نار وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار"، فكيف لك أن تبرهن لنا عن تفوّق محاججتك لمعتقده وتميّز رأيك على قوله؟

كل إنسان يرى الحياة من خلال تجاربه الشخصية، فالإنسان مجموعة تجارب تصنعه ويصنعها، أحيانا نقول كما قال التهامي لتجربة ما، وأحيانا نرى العكس تماما، فكل تجربة لها خصوصيتها حتى ضمن التجارب الذاتية للشخص الواحد، فالمسألة ليست مسألة تميز في الرأي أو المعتقد بقدر ما هي تعبير عن تلك المعاناة.
"أنا وأنت انتكسنا كثير"، من هي الأنت بالنسبة للإنسان "فراس حج محمد"، وهل هي ذاتها في أعماق الناقد والشاعر "فراس حج محمد"؟

زفرة شعرية قارسة لانتكاسة التجربة الوجدانية، وقد عشتها وخرجت منها بآلام لا حصر لها ولا حد، فالأنت هي تلك المرأة التي عاشت في خيالي وأوشكت أن تكون واقعا حياً، فرحلت قبل أن يكتمل الوجد وتتفتح رؤاه، فلطالما حلمتُ بها، كما قلت في كتابي "رسائل إلى شهرزاد"، فعندما ظننت أنني وجدتها، فرت من بين أصابعي وتركتني لكل هاجس وسقم ومرض، هي فعلا انتكاسة لكلينا، فنحن الاثنين عانينا كثيرا من عقبات كثيرة حالت بيني وبينها، فبقيت هي هناك فكرةً عائمة، وأنا أصبحت شقيا وموهوما، وذلك على حد زعمها.
عندما تتداخل الأدوار وتصبح الأشواك ناثرة للعطور، عندها يطرق الإحساس باب الأشعار، فهل تبلغ الروح التعاسة أم السرور؟

بشكل عام لا أجد في الشعر تعبيرا عن السرور، لو كنت مسرورا لتجربة ما لا أصوغها شعرا، بل إنني أرى أن النثر بها أليق وأنسب، فالشعر عندي سفْر للحزن والتعاسة.
بماذا يمكن أن يرد "فراس حج محمد" على هذه المقطوعة، ردا من غير المنشور، ينشئه الآن ارتجالاً.

إلى متى ساكن يا أملي
بين الأشواك
فكم أدميت مشاعري
والعشق فداك
كأنك نجم متعالي
والروح وهبتها إياك
فهل حلف زماني
بأن لا ألقاك؟
وهل جرح وجداني
ألف جفاك؟
سأظل أسكن مهجة الأحبابِ
حتى يحينَ الوقتُ بالترحابِ
فأنا كما فجر تناغم عطره
لا أعرف الإيذاء والإغرابِ
فالعشق أرواني بكأسه شرابه
ومشاعري فاضت بعذب شرابِ
فلقد وهبتك في الزمان مودتي
وحلفت أن ألقاك بالإطرابِ
لم يجرح الحب الحبيب وإنه
ألف تهادت في سروج ركابِ
أنت النجوم بعلوها وبهائها
هلا اتقيت الله في الأحبابِ
جودي ببعض الوصل إذ أشدو به
فأنا الموله قد حفظتُ كتابي
ونشرته في صفحة الوجد الذي
أهداك أروعه بشهد رُضابِ
لا تبعدي عني وأنت كما أنا
متبتلان بشهقة وعذابِ

"يقول لك: صباحك زهرة فواحة بعبير روحي"، فبماذا يجب عليها أن تسقيه لتحافظ على تفتّح هذه الزهرة؟

حضورها عبر طيفها الذي أراه في كل شيء من حولي، بدءا من ساعة الوقت التي تذكرني بها وانتهاء بحروف الأبجدية التي تشتعل حنينا بكل ثانية، فصباحي لن يكون جميلا بدون أن أراها فيه، تشاركني أول دقاته عندما أصحو على نغمة المنبه التي تقول لي كل يوم: حبيبي صباح الخير، صباحك ورد وفل لوز"، هكذا أبدأ يومي فأطمئن أنها ما زالت على قيد أمل، فتفوح بعبيرها، فأتابع يومي وهي معي في كل لحظة، هذا ما أريده منها في غيابها، طيفها وصورتها وحضورها في أعمق أعماق روحي.

- عندما يصيح الجوع الرابض في أعماق الشاعر "فراس حج محمد" هل يشدو الحلم مع الواقع بداخله وهل يمكن لهما أن يتلامسا؟
- ربما كان الواقع صورة ممكنة لحلم ما، أحيانا أصدق الأحلام أكثر مما أصدق الواقع، وأرى أن الإنسان إذا فقد الإحساس بإمكانية تحقيق الأحلام فليس هناك أي معنى لحياته، فما الذي يجعلك تستعد للدخول في معركة الواقع غير الأمل في تغييره عبر سلسلة من أحلام تتراءى لك واقعا، إن رأيت بعين قلبك وبصيرتك، ولذا فأنا أرى أن الواقع زائل عما قريب ليأتي الحلم، فالمستقبل هو دائما صورة مرتقبة لأحلام اليوم.

- ولكن مرارا وتكرارا يخذلنا الأمل، يلبسنا المرارة في أبهى الحلل، يسقينا الأسى بلا كلل و لا ملل، فكيف تكتب رسائل اليقين وبماذا تبعثها ليستلمها ضوء الشمس ليكون البشير والمطل؟
- ليس لنا مفر إلا أن نثق بأننا سنجمع ظلالنا من بسمات الورد وسنا الطيوف الساكنة فينا، لن ندع اليأس يقتلنا، وإن قهرنا في جولة وضعفنا، ولكن علينا أن نحارب وليس لنا سلاح إلا اليقين، فالمحارب يهزمه الشك، قبل أن تهزمه قوة الخصوم.

- لكن الكاتب والفيلسوف الفرنسي "فولتير" له رأي مخالف حول الشك واليقين حيث يقول: "الشك ليس وضعا مستساغا لكن اليقين حماقة"، فكيف تجيبه؟
- قناعته، و لكل ما اعتقد، فليس عندي لذلك غير "لكم دينكم ولي دين".
"كيف السبيل إلى حبيب ضائع ترك الفؤاد على جنون مبتكر؟"

سؤال عليها هي أن تجيب عنه، ولكنها رضيت بالصمت، فلم تجب، مع ذلك سأظل أكتب إجابتي كل يوم عن هذا السؤال، فلعلها تدرك أنني لن أملّ ولن تخبو جذوة الحنين.

- "هل سيحلو الفنجان على هدير موج الذكريات التي لن تهدأ عواصفها حتى وإن كان البحر جليسا ممتعا؟"
- بالتأكيد لن يحلو، ولكن يظل يأمل أن يكون الفنجان طقسا متكاملا ليس مع طيفها ولكن أنا وهي والبحر، وفنجان واحد من القهوة فقط هو كل ما نحتاجه ساعتئذٍ.

- متى تخرس أحزان الشاعر "فراس حج محمد"؟
- لا أظن أن أحزاني قادرة على الصمت، فهي البلاغة المتصببة وجعا في زمن فقدت فيه كل شيء في الواقع، ولم يتبق لي إلا بعض حلم، أجاهد أن يكون يوما ما وردة نشمها معا في لقاء لا فراق بعده.

- "أنا معك، أعطيك ما أعطيك من أمر قلبي وعقلي أليس وراء كل رجل عظيم امرأة"، لماذا هذا الإيمان المطلق بتبعية المرأة للرجل ومحاربة استقلالية دورها بمحاولات صهره لإبراز عظمة الرجل؟
- هو جانب من الشراكة وليست التبعية، فالمرأة هي التي تعهدت الرجل منذ كان جنينا وحلما مرتقبا، فهي عندما تكون عظيمة تصنع رجلا عظيما بالتأكيد، فالعبارة تؤكد دور المرأة واستقلاليتها وليس تبعيتها.

- يقول المثل الصيني "النساء كالحكام قلّما يجدن أصدقاء مخلصين"، إلى أي مدى تعتبر نفسك صديقا مخلصا للمرأة؟
- عندما تدرك المرأة عبر أدوراها الاجتماعية أهمية وجود الرجل في حياتها، وتقبل بالشراكة وليس التسلط عند ذلك تكون لي صديقة، وأحترم فيها تلك الأدوار وأقدر ما هي عليه، ولكن من خلال علاقات كثيرة متشعبة عانيت شخصيا من الردة في قبول المرأة الشراكة الفاعلة المفضية إلى حالة من التوازن.

- يقول الفيلسوف الصيني "كنفوشيوس" "يتميّز الرفيق بأنه عاطفي بلا قلق، عاقل بلا ارتباك، شجاع بلا دجل"، أي هذه السيمات تجد أنفاسها لدى الشاعر "فراس حج محمد"؟
- هو كذلك فعلا، يجب أن يكون عاطفيا بلا قلق وعاقلا بلا ارتباك وشجاعا بلا دجل، ولكن ما هو حاصل اليوم لا تجدين العاطفة إلا ومعها القلق، ولا تجدين العقل إلا وقرينه الارتباك، ولا تجدين الشجاعة إلا ويخالطها بعض دجل، هي حالتنا في الأعم الأغلب. والفلاسفة عموما يتحدثون عما هو مأمول أكثر مما يتحدثون عما هو واقع، أتمنى أن لا أكون قلقا ومرتبكا ودجالا، ولكنْ فيّ من كل ذلك نصيب.

- "ابننا في انتظارك ليراك، قومي يا أم يوسف، لا تخيّبي رجاء من يتشوّق لرؤيتك"، لماذا لم تستجب أم يوسف للنداء؟ وهل يمكن اعتبار فراقها تواطؤاً للحزن مع ظلم الواقع واستبداد المأساة؟
- في هذا النص الذي كان بين القصة والمقالة تجسيد لحالة إنسانية واقعية، فأم يوسف فارقت الحياة في يوم موعد زيارة ابنها في سجون الاحتلال، فكان الموقف مؤلما ومثيرا، فرحلت وخلفت وراءها الحزن يكبر ويعظم في نفس ابنها المعتقل وفي نفس كل من عرفها، فلم تكن إلا حالة إنسانية مشبعة بالحزن قبل الموت وعند الموت وبعده، وكأن حياتنا نحن الفلسطينيين ترنيمة حزن لا يجود الزمان علينا بغيرها.

يقول الشاعر الجزائري "محمد الأخضر عبد القادر السايئ" "صبرا على الكامنات صبرا لدى العائدات لا تنتحر للنجاة ما ذاك إلا ارتباع" فما بعد الصبر إلا الفرج.

- تقول الناقدة والكاتبة والروائية المصرية "نوال السعداوي" "أنا مريض بالكتابة والكتابة كالحب تقتل"، فهل تماثلها في هذا الاعتقاد؟
- قد تكون الكتابة تعويضا عن كل مفقود، فالكتابة أمل وشفاء وليست مرضا، هي نوع من الحياة، وفيها خلاص مما حاك في النفس وأحببت أن يطلع عليه الناس، ليشاركوك بعض الأسى، ويحملوا معك تجربة إنسانية أنت بحاجة لتسطرها لتكون أيقونة لخلودك، إن كتب لها النجاح، ولذلك الكتابة عمل احترافي، وليست هواية نستمتع بها وقت الفراغ، هي أول وهي أولى الأولويات.

أشكرك الناقد والشاعر والكاتب "فراس حج محمد" على ألق عباراتك وحسن ردودك وجمالية حرفك، دمت في رقيّ وإلى اللقاء إن شاء الله.

شكرا لك جزيلا على هذه الفرصة التي منحتني إياها، لأقول ما قلت، وقد جعلتني أبوح أكثر مما ينبغي، فلك الشكر ودوام المحبة.