الثلاثاء ٧ أيار (مايو) ٢٠١٣
شعرية الخطاب في ديوان
بقلم محمد شداد الحراق

في خاطري.. يبكي الحنين

حينما يتسرب الجمال والبهاء من بين فجوات بعض الأشعار، وحينما تكون نصوصها حبلى ببديع الصور ورشيق الكلمات وجميل العبارات، يجد القارئ المتذوق للفن نفسه مشدودة إلى محاورة تلك القطع الفنية من أجل الاستماع إلى الأصوات المنبعثة من قراراتها وارتشاف رحيق الجمال الكامن في أعماقها. يجد نفسه متوثبة للتعرف على الأنامل المبدعة التي حركت النفس واستفزت الخيال وتفننت في الرسم بالكلمات.

لقد عشت هذه التجربة الجميلة وذقت حلاوة القراءة ومتعتها وأنا أتجول في حدائق شعرية غناء ازدانت جنباتها بأشعار متنوعة أبدعتها وسقتها شاعرية فنان مسكون بحب الجمال، عاشق للكلمة الحالمة، ومهووس بحب الوطن العربي في امتداداته الجغرافية والطبيعية وفي تعدديته الثقافية والسياسية. شاعر يربط بالكلمة الشعرية أطراف هذا الوطن، وينسج انتماءه حبا وشعرا.يتجاوز الحدود بخياله الواسع، ويخترق المسافات بقلمه الدفاق، ويلون الحياة بإبداعه الوديع.يمزج مياه البحرين برذاذ المحيط ويذيب كل جبال البعد الفاصلة بين الأجساد ليتيح للقلوب والأرواح كي تتصافح وتتعانق بكل محبة ومودة.عشت هذه التجربة القرائية الممتعة مع شاعر دولة البحرين المتألق وأحد مثقفيها الكبار،المبدع تقي محمد البحارنة. شاعر لا يعترف بحدود للغة الشعر،يتجاوز بالكلمة الشعرية الأمكنة، ويسافر بخياله عبر الأزمنة، ويرتشف الجمال من كل الصور في هذا الكون البديع، ويعب منه إلى حد الثمالة.شاعر مبدع تشهد آثاره على تألقه وموهبته الشعرية، وهي آثار جديرة بالقراءة النقدية المسائلة لخبايا النصوص والكاشفة عن مكامن القوة والجمال فيها.

يعد الأديب تقي محمد البحارنة من الأصوات الشعرية الأصيلة التي أمسكت بزمام القول الشعري وأعطت للكلمة الشعرية الفرصة كي تتفجر جمالا وروعة وإثارة. شاعر ينتمي إلى النبض الجمالي ويصدر عن رؤية مبدعة تستوعب التراث والحداثة،تذيب الحدود وتضع كل الجسور الممكنة للعبور بين الأزمنة والتجارب الشعرية.إنه شاعر مقتدر منفتح مكتمل الأدوات الفنية، يمتلك آليات النظم على النمط التقليدي كما يمتلك ميكانيزمات الحداثة الشعرية. اجتمعت فيه الشاعرية والمعرفة والحكمة والدراية الواسعة بسراديب الحياة ومنعرجاتها. فتحولت أشعاره إلى سيرة ذاتية لشخصيته العاشقة للجمال والسابرة لأغوار الواقع والمتأملة في الوجود والإنسان والحياة.

لقد وجدت نفسي محاصرا بسياج شعري مذهب يجذبك إليه جذبا ويدعوك إلى مغازلته والارتماء في أحضانه كي تنال حظك من جماله وعذوبته التي تنساب بغزارة لتروي الجميع.وجدت نفسي بإزاء عالم شعري فسيح نابع من مبدع ذي عمق معرفي وذي دراية واسعة بقواعد النظم وشروطه وأصوله، من شاعر موهوب ملهم يطرق القول الشعري بالأصالة لا بالتبعية، من شاعر له وعي بالشعر وبأبعاده الروحية والجمالية والإنسانية.

ولهذا اخترت الاقتراب من عالم هذا الشاعر المقتدر بغرض إدراك السياق الرؤيوي الذي تنتظم فيه تجاربه الشعرية.ولعل الدخول إلى هذا العالم الشعري المثير يحتاج إلى شجاعة كبيرة وإلى جرأة قوية بنفس درجة ما يحتاج إلى مفاتيح وظيفية قادرة على فك شفرات النصوص،وقادرة على إحداث فجوات يتسلل من خلالها القارئ لاستنطاق دلالاتها القريبة والبعيدة ولتفكيك بناها العميقة بكل ما تتضمنه من متخيلات وتحليقات وسياحات جمالية. فالمخزون الإبداعي لشاعرنا لا يمكن فهمه أوالتحاور معه أواختراق جداره إلا باستيعاب تام للسياق النفسي والفكري الذي ينتظم هذا الإبداع،والذي يشكل الخلفية الذهنية لكل ولادة شعرية. فالدواوين الشعرية التي أبدعتها يد هذا الفنان تترجم ملامح شخصيته الملهمة التي كانت وراء ممارسته الشعرية،كما أنها تفصح عن مساهمة إبداعية ناضجة وشمت الساحة الثقافية العربية وأغنت خزانتنا الأدبية:

-  ديوان "بنات الشعر" صدر عام 1996
-  وديوان" في خاطري.. يبكي الحنين" صدر عام 2003
-  وديوان" من يضيء السراج"صدر عام 2009

هذه التجارب الشعرية نابعة من رؤية شعرية منفتحة تنهل من التراث العربي وتتغذى بمائه وترتوي بروائه، كما أنها تنصت إلى همسات العصر وتستجيب لذبذباته. تستوعب الموروث الشعري وتحترم قواعده وآلياته، وفي الآن عينه تنفتح على قضايا الراهن وتتفهم أذواقه واختياراته. يتقاطع فيها الهاجس الوطني بالحس القومي بأحلام الذات وبأسئلة الحياة. تتعدد فيها الألوان والأطياف والظلال بتعدد ألوان أعلام الوطن العربي، وتمتد فيها الكلمات بامتداد خريطة هذا الوطن. فهذه الدواوين الشعرية- وإن اختلفت عناوينها- كتبت بمداد ملتزم أصيل، وبروح متعالية عن التعصب والطائفية، وبوعي إنساني يحترم كرامة الإنسان ويقدر مشاعره. ولذلك تتحاور القصائد الوطنية مع شقيقاتها القومية والإنسانية والإخوانية. وتتعايش فيها أسئلة الواقع مع أسئلة الذات.وتسافر فيها الكلمة الشعرية بين المحيط والخليج غير عابئة بالحواجز الجغرافية والسياسية والوهمية.في هذه الدواوين يلتقي حب البحرين وعشق ترابه بحب وعشق كل ذرة رمل من بلادنا العربية. ينبعث منها نشيد العروبة وصوت الأقصى وصيحات العراق ونبضات الخليج في أقصى الشرق، كما تنبعث منها نسمات أزهار المغرب ورذاذ مياه المحيط في أقصى الغرب. تتوحد فيها القصائد والمقطوعات والأبيات لتنسج ثوب الأصالة ورداء الهوية ولتصوغ شهادة الانتماء.وكل ذلك بأسلوب شعري خاص متميز، تظهر فيه ملامح صاحبه، وتنتصب فيه شاعريته الأصيلة التي شقت طريقها وسط كون شعري تعددت صوره وأصواته وتجاربه. فقد قرأ الشاعر لأسلافه ولمعاصريه، واحتك بتجارب غيره، وأرهف السمع والذوق لكل صوت شعري عذب،لكنه توقف عند عتبة هذه التجارب الشعرية القديمة والحديثة،فلم يتخذها قوالب جاهزة، ولم يتخذ أصحابها أوثانا مقدسة،ولم يكتف بترديد ما سمعه وترتيل ما قرأه، وإنما صاغ حمولته الشعرية صياغة تحكمت فيها موهبته وذوقه الخاص،وغذتها ثقافته الأدبية وحساسيته الجمالية. وقد عبر الشاعر عن أصالة شاعريته بقوله: "لا أستطيع القول إنني تأثرت بشاعر معين من هؤلاء بحيث حاولت أن أنسج على منواله، ولكني استفدت منهم في تكوين ذخيرة شعرية وذوق أدبي. فالشاعر الملهم يجب أن يكون له أسلوبه الخاص وطابعه المميز".

1- مفهوم الشعر ورسالته

أبدأ عملية الاقتحام الفني لهذا العالم الشعري بشهادة الشاعر في علاقته بالشعر بقوله:" لم يكن الشعر عندي من أجل تحقيق جمال لغة التعبير فقط وإنما هوالتعبير عن مشاعر النفس بأسلوب رصين وسهل يتجاهله اليوم كثير من الشعراء المحدثين. ولست ممن يستطيع أن يقول الشعر بناء على طلب من أحد. وقد مارست العمل الدبلوماسي والعمل في مجلس الشورى من دون أن أتخلى عن الشعر ووظفت شعري وشعر الآخرين في تضمينه خطاباتي وكتابتي بما يؤيد اتجاهاتي الفكرية وأحيانا بما يلطف الجوعلى الحضور... ومازلت أفعل ذلك."

هذه الشهادة متضمنة لأكثر من إشارة ومنبه. ففيها نستخلص رؤية نقدية واضحة تترجم مفهوم الشعر عند هذا الشاعر، وتنتقد بعض طرائق الكتابة والإبداع التي انحرفت مساراتها ببعض الشعراء المحدثين. كما نجد فيها اعترافا صريحا بكون الشعر لم يكن غاية لذاته بقدر ما كان وسيلة طيعة للتعبير عن هموم الذات وللترويح عنها ولترجمة المواقف والقناعات والمنطلقات التصورية للشاعر.

من هنا تتراءى لنا الخطوط العريضة للسياق الرؤيوي الذي تنتظم في إطاره الممارسة الشعرية عند تقي البحارنة. كما تتراءى لنا معالم السياق النفسي والذهني الذي ينتظم عملية الإبداع عند هذا الشاعر.لقد ارتبطت تجربته الشعرية بتجربته الحياتية،وكان الشعر بوصلته الهادية التي ترشده إلى الجمال وتهديه إلى عشق الإنسان والوطن.ارتبط قلبه وفكره بتراب أرضه، واستحم بأنوار بلاده، واغترف من معين تراثه ليصبح شاعرا للبحرين، وليتسع شعره لكل البلاد العربية.لم تسرقه مهامه التجارية والدبلوماسية من أحضان الشعر، ولم تستطع عزله عن محيطه الفني الذي يرتوي به في كل وقت وحين،وإنما كان الشعر له سندا ورفيقا في أسفاره وسياحاته وانشغالاته اليومية،ودفترا حميما يعود إليه للتذكر والحنين كلما تغرب عن الديار، وواحة هادئة يلجأ إليها للترويح عن النفس كلما اشتدت الأزمات، ولحظة تأمل عميق تيسر له التخلص من أعباء الحياة كلما تكاثرت المسؤوليات.فقد جعل شعره جزءا من حياته،فلا تستقيم نبضات قلبه إلا بهمسات الشعر وإشاراته،ولا تستوي أنفاسه إلا إذا اختلطت بنسيم الشعر ونفحاته.

بهذا الهوس الشعري تعلن هذه الشخصية الشعرية عن حضورها الإبداعي في الساحة الأدبية العربية، ترسم صورتها المتميزة وتفرض وجودها في نادي الشعراء العرب. تحمل معها رصيدا من التجارب يؤهلها لتكون مدرسة شعرية ناضجة ومتزنة،تجمع بين الأصالة الرصينة والمعاصرة المتزنة،وتربط عبق الماضي بهدير الحاضر،وتؤسس لمستقبل شعري جديد تتم فيه إضاءة دروب الإبداع الشعري من أجل تصحيح مسارات المواهب الناشئة.

2- مكونات المتن

وللاقتراب أكثر من هذا العالم الشعري،سأترك لنفسي فرصة للتحاور مع بعض التجارب الشعرية من أجل استجلاء دلالاتها وكشف طبقاتها ومستوياتها الفنية والتسلل إلى مضمراتها وبنياتها الخفية. ولهذا الغرض سأعمل على فتح دفتي ديوان:في خاطري..يبكي الحنين.وهوواسطة العقد في هذا التراث الشعري، ويمثل درجة وعي الشاعر بقضايا ذاته الفردية والجماعية، كما يمثل مستوى استجابة الشاعر لنداءات الحاضر العربي ومدى تفاعله مع مستجدات الواقع المحلي والإقليمي والعالمي.

-  شعرية العنوان

تنطلق هذه القراءة من عتبة العنوان التي تعد من أهم المناطق في تشكيل نسيج الإبداع الشعري. يستوقفنا العنوان كمنبه دال على ما يتضمنه المنتج الشعري، ويستدرجنا – من خلال حمولته الدلالية- نحواعتقاد متسرع وانطباع سطحي،وذلك حينما يدفعنا إلى إصدار أحكام مسبقة قد تكون بعيدة عن حقيقة المادة الشعرية، فنضطر إلى تصنيف هذا العمل الشعري تصنيفا خاطئا لا يحيط بحقيقة متنه ولا يستوعب إحالاته وقضاياه. ولكن تخطي عتبة العنوان والولوج إلى الفضاء الشعري يصيب القارئ حتما بالإحباط ويسبب تكسيرا لأفق انتظاره، وذلك حينما يجد نفسه قد كان ضحية لتضليل عنواني مخادع. إن العنوان المتسيد المتربع على صفحة البوابة الرئيسية ذودلالة محدودة لا تعكس حقيقة المادة الشعرية، ولا تترجم تنوع المتن الذي يسكن بين دفتي الديوان.ومع ذلك فقد أصبح هذا العنوان مفتاحا سحريا لفعل القراءة،إذ لا يمكن اختراق حواجز وسدود هذا الديوان إلا بامتلاك ذلك المفتاح وتوظيفه كمنطلق لقراءة المادة الشعرية وكأداة للدخول إلى ثنايا النصوص.فهذا العنوان -على الرغم من دلالته الجزئية التي ترتبط ببعض محاور الديوان- فإنه، من حيث بنيته الفنية والدلالية، له اتصال بالتجربة الشعرية ككل،يلخصها ويرمز إلى أبعادها.إنه يعبر عن أهم مضامين التجربة الشعرية،ويعلن عن هويتها،ويكشف عن جانب من الرؤية الشعرية التي تحكمت في الممارسة الشعرية.ولهذا تصبح مشاركة القارئ التأويلية لهذا العنوان عملية ضرورية لدخول عالم الديوان.

إن بناء هذا العنوان بهذه الصيغة التركيبية وبهذه الحمولة الدلالية وبما له من مقومات إيحائية وجمالية نابع من استراتيجية تجعله معادلا رمزيا للعمل يلخص مدارات التجربة،بحيث يصبح نصا إضافيا وموازيا للمنتج الشعري.فهونص منفتح على الحياة الإنسانية في شقها العاطفي،يرسم صورة حزينة لذات رومانسية استبد به الحنين والشوق،وسكنتها الذكريات ونداءات الماضي الجميل الذي يرفض الانسحاب من الذاكرة،ويمتنع عن التلاشي والغياب مهما طالت الأزمنة واختلفت الأمكنة.يحملنا العنوان إلى المنطقة الجوانية للذات الشاعرة(في خاطري)،إلى طبقات النفس وحناياها، ويكشف عما يموج فيها من أحاسيس مشحونة بالأسى والحزن والحنين.وهناك في قرارات الأعماق يفرض الحنين حضوره بممارسة طقوس البكاء(يبكي الحنين). وهكذا تحيلنا وظيفة العنوان الشعرية إلى داخل المنتج الشعري،وتوجهنا إلى الموضوعة المحورية التي تهيمن عليه.

فحينما يبكي الحنين وتهيج الأشواق في الأعماق،تتحول الذات إلى بركان هائج تضطرب فيه المشاعر والعواطف والانفعالات.وفي هذه الحالة ينبغي البحث عن منفذ أوقناة يتم من خلالها تصريف تلك الانفعالات العاصفة بالذات.وهنا يختلف الناس في نوع القناة المختارة لهذا الغرض. لكن الشاعر تقي البحارنة يصرح بأن قناته المثلى لم تكن سوى حبه الكبير لوطنه. فقد استطاع هذا الحب امتصاص كل انفعالاته وتوتراته، وحولها إلى سكينة وطمأنينة. ولهذا نجد الشاعر قد وضع تصديرا شعريا في المقدمة بأبيات تبرر اختيار هذا العنوان وتسوغه، وتقدم بيانا وتفسيرا يوضحه، وذلك بقوله:

حتى إذا هاج الحنين بخاطري..وبكى طويلا
بادرت يا وطـني إليك فلم تكن عنــي بخيـــلا
ونهلت حبك مـــوردا عذبا،وماء سلســـبيلا

وحينما نتجاوز هذه العتبة ونلج فضاء هذا الديوان تستضيفنا باقة من العناوين المتنوعة، والتي جعلها الشاعر في ثمانية محاور:

1- الملك القائد

2- نداء فلسطين

3- سباق المسافات

4- أشعار التجار

5- مراسلات ومداعبات

6- الألف والسكن

7- صروف الدهر

8- أشواق

وكل محور من هذه المحاور تتناسل منه وتتفرع طائفة من العناوين الصغرى التي تعرف بالنصوص وبالمقطعات الشعرية الواردة في الديوان.وقد حظي المحور الخامس بالنصيب الأوفر من هذه النصوص (18 عنوانا). وتفيدنا هذه المحاور في استجلاء البنية الموضوعاتية لهذا الديوان وفي تبيين المضامين التي قاربها هذا المتن الشعري.وتستوقفنا ظاهرة التنوع إلى درجة تجعلنا نبحث عن الخيط الرفيع الرابط بين تلك المحاور.والحقيقة أن محاور هذا الديوان وتعدد العناوين الفرعية وتنوع اتجاهاتها ودلالاتها يعكس بشكل كبير الشخصية الواقعية للشاعر ويترجم اهتماماته وارتباطاته ومسؤولياته.فاستحضار سيرة الشاعر الذاتية واستعراض تجاربه الحياتية يفسر لنا حقيقة هذا التنوع في المادة الشعرية.

-  قراءة في محاور الديوان

تعد قراءتنا لهذا الشعر- من خلال معرفتنا بصاحبه- مدخلا ضروريا للإحاطة بالملامح العديدة لشخصية المبدع وبمضامين الرؤية الشعرية الموجهة لهذا الحدث الشعري. فالمحور الأول: (الملك القائد) هوبحق عقد بيعة ووثيقة ولاء ووفاء، وصورة معبرة عن إخلاص للوطن ولعاهل البلاد.وتحت هذا العنوان يترك الشاعر لقلمه المجال الرحب للإفصاح عن حبه وعن تعلقه بملكه. ولذلك تتراكم صور المدح وآيات الثناء، وتتعدد عبارات التقدير والامتنان:

عشقتك اسما..وناديت باسمك .. حتى انتشى مسمعي
وقالوا بأنك فوق التراب.. وقلت بأنك في أضـــلعي

وعلى هذا النحودرجت قصائده الوطنية.وفيها نجد الاشتغال بالفكرة مقدما على العناية باللغة الشعرية، حيث يصير الأسلوب خادما للمضمون.وقد كان الشاعر محرجا ومضطرا إلى ركوب هذا المركب الفني.إذ كان يحلق بشعره الوطني على مقربة من مخاطبه ومتلقيه، لا يبتعد في سماوات الخيال،ولا يستغرق في طقوس استدعاء الصور ونسج الإيحاءات،ولا يتكلف في اصطياد أرق الكلمات وبديع العبارات،يوجهه- في ذلك- طبيعة السياق التخاطبي ويضغط عليه شرف الموضوع،فيستسلم عن وعي وبطواعية لإملاءات اللحظة الشعرية. كما نجده أحيانا مطالبا بالتجاوب والتفاعل الإيجابي مع بعض المناسبات والأنشطة الملكية والأميرية.ولهذا جاءت قصائده لتؤدي وظيفة الإطراء والثناء على بعض الفعاليات،ووظيفة التوثيق لتلك الأنشطة،وذلك بأسلوب التهنئة الرسمية:

من سواها أحق بالتكــــريــم
وهي أم لمعســـر ويتيــــم
أنشأت أول الحضانات للطفل
وشــادت مـراكز التعليـــــم
وأقامت جمعية الطفـل والأم
على خير مستوى التنظيم

وفي تهنئة شعرية أخرى يقول:

يـــا مي يا فخرا لكــل متيـــــم
بهوى أوال على مرور الأعصر
محصت في التاريخ زيف رواته
وأبنت مـــــا طمسته كف مزور
وأعدت للإنســــان قيمة فكـره
والتضحيات تشع بين الأسطـــر
أكبرت فيـــــك إرادة لا تنثنـــي
عزماتــها،وشعــــاع فكــر نير

وبعد أدائه لفروض الولاء ينتفض الشاعر في المحور الثاني(نداء فلسطين)، فيركب حصان العروبة، ويغير مداد الكلمات، ويغمس قلمه الشعري في قلب النزيف العربي، ليرسم بالعبارات والعبرات والدماء مشاهد العدوان الغاشم،ويقف خلف مواكب الشهداء، لينعي الأرواح الطاهرة بقصائد ملتزمة بالقضية، يبث فيها صدق انتمائه لعروبته،ويؤكد عمق انشغاله بهموم أمته التي كثرت جراحاتها، وسالت دماء أبنائها في ساحة الأقصى السليب، حيث تصادر الأحلام وتغتال الحرية وتغتصب الحياة.

مهلا فقد يأتي الفــــداء بحجـــة
بيضاء يقطر من جوانبها الدم
تستنهض التاريخ من كبـــــواته
فله لســان والجراح لهـــا فم
في ساحة الأقصى دماء أهــدرت
ومـــذابح ومجـــازر وجمـاجم
وصبية عصف الرصاص بحلمها
وعلى المدارج دمية وتمــائم

ولكن الشاعر، مهما هزت المجازر كيانه ومهما أدمت المذابح قلبه، لا يلتحف بالسواد ولا يردد نشيد الموت. وإنما يصوغ أغنية الشهادة والخلود، ويردد شعار الكفاح والصمود، ويرسم ملحمة النصر القادم بروح واثقة متوثبة عازمة على الثأر حتى تحقيق النصر:

يــــا صبر أيوب.. ترفق أننــا
شعب يضــام وثــأره لا يرحم
أملى الطغاة دروسهم ودفاعنا
عن قدسنا فيه الجواب المفحم
تحيا الشعوب بعزم كل مجاهد
بالحق والمحـتل..حتمـا يهزم
طعم الشهادة للشهيد مذاقـــها
عذب وصاب للطغـــاة وعلقم

جاءت قصائده الثورية تحية إكبار وإجلال للمرابطين في ثغور الجهاد، تذكي فيهم مشاعر الإباء والعزة،وتحفزهم على الصمود في الخطوط الأمامية دفاعا عن هذه الأمة.

حي الفداء ونبئ الطغيـــانـــا
إن الشــهادة تخلق الإنسانــا
جيل يمـــر وآخـــر بــــإزائــــه
يأتي...وكل يفتدي الأوطانـــا
هي عروة وثقى تقض مضاجعا
وتدك للمستعمرين كيـــــانـــا
من يفتدي الـــوطن الحبيب فإنه
يرســي لعزة شعبه بنــيــانـا

وفي اعتزازه بدماء الشهداء وبجيل المجاهدين،لا ينفك الشاعر عن توجيه رسائله الحادة للغاصب، يتوعده بالثأر القادم، ويدق المسمار في نعش كل طاغية ظالم:

من يغتصب حق الشعوب فلن يجد وطنــا ولا أمنـا ولا غفـــرانا

ويقول متوعدا العدوومتطلعا إلى الفجر القادم وإلى النصر الزاحف فوق سواقي الدماء وبقايا الأشلاء:

قل لصهيون سوف تروي فلسطين دماه..كما روت لبنــــانه
وسنستاف من دمـــــاء ضحــايــاه كما استاف بادئا عدوانه
يا فلسطين..ساعة النصر دقت ودماء الشهيد خطت مكانه
وغدا..مـــــوعد مع النصر آت تتراءى في أفقه إنســــانه

ومن علامات التزام الشاعر وارتباطه بالقضايا المصيرية ما نجده من انتقاد لاذع للحكام ولكل الذين خذلوا أمتهم وهانت عليهم مآسيها، واكتفوا بمشاهدة مسلسل التنكيل والتقتيل والتشريد الذي تعددت حلقاته دون أن يتحرك فيهم ضمير أوقليل مما تبقى من عزة. فراح الشاعر يسأل عن المخلص المنقذ من أبناء هذه الأمة، بعدما عصفت رياح الظلم بالمراكب، وتخاذل الربان في القيام بالواجب:

يا أمة هانت على حكامـــــها فأذاقها المتربصون هوانا
هل من فتى يسعى ليجمع أمة ويضم شملا أويفك لسانا

ويقول في نص آخر متحسرا على ما آل إليه حال الأمة بسبب تخاذل رجالها وعقوق أبنائها.ولهذا ينفجر الشاعر غضبا وسخطا وهيجانا كالبركان الثائر، كالإعصار الهادر،تحركه الغيرة والهوية وصدق الانتماء:

أمتي تستباح،وهي بلا حــام فأين الأبـــاة والأحـــرار
كلما ناشدت بنيها وقد حاروا جــــوابا...أجـابت الأعذار
أمتي لم تمت..ولولا عقوق من بنيها لعمها استنفار
لم تزل-رغم ما تكابده-أما حنونا..وضرعـــها مدار

إنها صرخة مدوية في وجه كل متخاذل منتظر متواكل،صرخة ثائرة ترج أسوار القلوب المتحجرة والأفئدة المتصلبة، وتهز كيان الجزر العربية المتخاذلة، وتحرك البرك الآسنة الملوثة التي امتلأت بنماذج بشرية مشوهة مبتورة الجذور،تتاجر بالأرض والأعراض والأرواح والجثث. تبيع القضية من أجل صورة تذكارية مع خنزير من الخنازير البرية.وتكفر عن جرمها وجبنها ببيان إدانة لا يعفي أصحابه من المسؤولية.

وهكذا نجد الشاعر يرسم استنكاره شعرا، ويخط نضاله صوتا مدويا غاضبا،ويرسم المستقبل بأنامل الجيل القادم بعدما تخلف الحكام وشيوخ القبائل العربية، وعجز مريدوهم عن كتابة ملحمة النصر.إننا نجد ثورة عارمة تستبد بالشاعر وتملك كل كيانه،وهي ثورة تترجم المواقف الإيجابية التي وقفتها فئة من النخبة المثقفة في وطننا العربي إزاء ما تراكم من انتكاسات ونكبات وهزائم ومؤامرات. نخبة رائدة ظلت وفية للمبادئ،متشبثة بخيار المقاومة من أجل استرجاع كل حق سليب.وهي الفئة التي وقفت في وجه مهندسي الأزمات وصانعي الهزائم وكل الكراكيز الذليلة الموجهة لخدمة مصالح العدووحلفائه.

إن الشاعر - في أشعاره الملتزمة- لم يرفع راية الحزن أوالانهزامية، ولم ينزوفي زاوية البكاء أولباس الحداد،ولم يردد شكوى الضعاف وابتهالات المنتظرين للمعجزات، بل ظل يخط الأمل ويلون المستقبل، ظل يذكي نار العزة في النفوس، واثقا من غد أمته رغم النزيف،متفائلا مهما طال الليل وعم الظلام.

ومن شعر النضال والمقاومة ينتقل بنا الشاعر إلى أغوار نفسه العاشقة للارتحال والأسفار،حيث كان السفر وتغيير الأجواء والأمكنة مرادفات لذاته.ولذلك أفرد المحور الثالث (لسباق المسافات)،يترجم فيه - بالكلمة الشعرية- لجزء آخر من حياته ؛الحياة الوديعة التي استمدت من الشعر عبيره وعنفوانه وجماله. في هذا المحور تخاطبنا القصائد بلغة شعرية جديدة وبتراكيب حبلى بالجمال والخيال والأدبية، يختزلها البيت التالي:

قد همت بالأسفــــــار أعشقها..غـــراما مستحيــلا
كم سابقت خطوي الشموس..فكدت أسبقها وصولا

في هذا المحور تتدخل الخبرة والحكمة والتجربة في صياغة القصائد ونظم الأبيات،تغذيها الحساسية الجمالية،وتزيد في بهائها رومانسية تتجاوز الواقع وتتمرد على التراب،وتنفلت من مغناطيس المادة، لتعتصم بالمثال وتتطلع إلى درر الجمال الكامن في صور الوجود،في الغاب،في صورة الإنسان،في الشمس والقمر،في أزاهر البستان:

روض خمائــــــــله تميس تشــــتاق منظره النـــفوس
في غابة طاب المسير بها وطــــــاب لنا الجــــــلوس
ملتــفة أغصـــــانــــــــها كالعرس..عـــانقها العريس
نحني الرؤوس لفرعــــها ولمثلنــــا تحنى الــرؤوس
وتشابكت فيها الحشائش والأزاهــــــر والغـــروس

...

والطير يشـــــدوتــــــارة أوفوق هــامتهـــــا يجوس
والماء يجري في البحيرة فهومنطـــــــــلق حبيـــــس
فجـــــــداول غنت وشــلال حمى فيــــــــه الوطيــــــس

بهذه اللغة الشفافة الرقيقة يرسم الشاعر هذه اللوحة الطبيعية،ينتقي الكلمات ويختار العبارات ويستدعى القاموس الرومانسي ليمنحه طاقة للتعبير والتصوير.لكنه يزيد الصورة رومانسية حينما يوظف لغة السرد الشعري لوصف مشهد الرفقة والأنس في أحضان الطبيعة:

سرنــــــا إليه صبيـــحة
والجوصحولا عبــوس
في رفقـــة مـــــأنوســـة
والأنس يجلبه الأنيـــس
كم جنة حسنت مناظرها
وصـــــاحبها تعيــــــــس
ومهامه كالخلد تحسبها-
إذا حضـــر الجليــــــــس

وفي غمرة هذه الرحلة المؤنسة يستعيد الشاعر وعيه بالحياة ويتذكر صروفها ويدرك تناقضاتها. فيمزج رومانسيته الحالمة بلغة الحكماء، ويعيد خياله المحلق إلى الوقوف عند تخوم الواقع حتى يستوعب الدروس:

تلك الحــــيــاة وحكمـــــها
فوق القيــــاس..لمن يقيـــس
فترى النفيــــس مرخصـــا
وترى الرخيص هوالنفيس
همست لي الغـــابـــات
فـي المسرى،فآنسني الهمـــوس
تأتي السعـــادة ثم تمضــي
والــدروس هي الـــــدروس
ليست تباع،وليس تشريها
الـــــــدراهم..والفلــــــــوس

وفي تجربة شعرية رومانسية أخرى يصوغ الشاعر رؤيته إلى الجمال الممتد على ضفاف المحيط في بلاد المغرب، مستعينا ببناء شعري درامي عبر الحوار بين أغادير وإيموزار، حيث لمس الشاعر معاني الحسن والبهاء في الناس والأرض والسماء.وهناك تفتقت شاعريته، وتدفقت قريحته،وأبدعت ملكته شعرا يحاكي المكان روعة وعذوبة.ففي مباهج الطبيعة وبين مناظرها الخلابة أحس الشاعر بأنه قد أصبح من أهل الجنة قبل الأوان، وامتلك موضعا فيها بعدما عثر على مفاتيحها،فاستحم بعطرها وأذهب الأحزان بمفاتنها:

هل سرت مثلي في أغادير الجمـــــــال بلا عنـــان
تتقاذف الأمـــواج خطوك ســـارحا بين الحســان
أوفـــوق أرصفة المدينة غـــارقا في الأرجــوان
أوهــــــــائما بالعطر،من نسمـــاتها والأقحــوان
قدمـــاي- عـفوا- ســارتا بين المرابع والمـغاني
فعثرت في الجبـــل الأشم على مفــــاتيح الجنــان
كتب الإله بأن أطــــــوف بجنــــة قبـــــــل الأوان
ما شئت من حسن فخــذ زادا لقــــافيــة البيـــان
أوكنت مكلــــوم الفـؤاد، غسلت حزنك.. في ثواني

وبعد سياحة طويلة في تضاريس الأرض وزرقة السماوات وعلى امتداد المسافات يعود الشاعر ليبدع شعرا من صميم مهامه وانشغالاته،سماه:(أشعار التجار). وهومصطلح نقدي وتصنيف شعري جديد من إبداع الشاعر. في هذا المحور تستوقفنا أشعار من نوع خاص، أشعار تقارب عالما لا يلتفت أصحابه-عادة- إلى ماء الشعر وخضرة الأدب،يمضون أغلب أوقاتهم في مغازلة الأرقام وإحصاء النسب وتعداد السندات.عالم المال الأعمال،عالم فئة من الناس لا وقت لديهم للتحليق مع الصور والأخيلة. تأسرهم العقلانية والمنطق وتستهويهم الإدارة والصفقات والاجتماعات.ولكن الشاعر- بفضل شخصيته التي جمعت بين الأدب والعلم- اقتحم هذا العالم بسلاح شعري فتاك وبذخيرة كبيرة من العبارات والصور البديعة التي تحدث وقعا فنيا جميلا في طبقات الفكر، وتقلل من جاذبية متعة المشاريع،وتخلص المرء من صرامة التفكير المادي، وتعتلي به إلى مواطن الجمال، وتعرج به معارج السموالروحي، وترتقي به مدارج الفن النبيل.وهكذا نجد الشاعر يرى في فن الإدارة جمالا يناظر جمال النغم وبهاء الترتيل،جمالا في التخطيط والتنظيم وتدبير الوقت وإتقان الصنعة وإدارة الأعمال وتسيير الرجال:

إن فـــن الأداء فيـــــه جمـــــال شـــاعري كنغمــــة الترتيــــل
أتقــــن الله صنعــــه ليجيـــــــد المرء صنعا حتى يفي بالجميل
ليس من يبرم الأمــــور بعـــزم مثــــل من يستنيــــم للتأجيـــل
وإذا استعصت الأمـــور علــى العاقل أن يهتدي برأي الخليــل
ومن العلم أن يكــــــون عليــما بصغيــر الأمـــور قبل الجليـــل
قدوة في السلــوك فهومهـــاب شخصه في غنى عن التبجيــل
وهوفي الجهد بارع نافذ الحيلة لا يرتضـــي بغيــــر الجزيـــــل
يرصد الفرصة الكبيرة للأعمــال تأتــــي نعمــــاؤها كالسيـــــول
فاز بالغنم من يديــــر المعــــالي عند أوقـــــــاتها..بلا تأجيــــــل

إن الشاعر- في هذا المحور- يرسم خريطة لتحركاته، ويدون مذكرة لاهتماماته وانشغالاته.فظلال تجربته الحياتية تحيط بتجربته الشعرية من كل جانب، وتمنحها الخصوصية والتميز.فارتباط الشاعر بعالم المال والأعمال،وترؤسه لبعض المؤسسات المالية، وارتباطه بأصحاب الأسهم والمشاريع، جعله أهلا لسبر أغوار هذا العالم.ولذلك جاء شعره ترجمة صادقة لجوانب مهمة من سيرته الذاتية في جانبها العملي والوظيفي.فها هوينقلنا- مرة أخرى- إلى عالم البورصة الصاخب،إلى حركات الأسهم وحروب المضاربين وأحلام المساهمين:

هبطت أسهمـــي من الجـــوزاء واستقرت في حارة الفقـراء
سعرها كان في السمـــاء ينــــا جيني بحلم الثراء والأثريـاء
أين فـــوزي إني توسمت فيــــه خير مـا يرتجى من المــدراء
سوف يبني سوقا كسوق عكـاظ لذوي المــــال..ليس للشعراء
وسيغــــدوللسهم سعر وصرف لا كصرف الخليـــــل والفراء
والمنــادي إذا تعــــــالى بصوت أخرسوه،بأسهـــــم خرســـــاء
صانع السوق ماهر يعزف الألــــ ــــــــــــحان للخاسريــــن والسعـــداء
هي حرب..سلاحها أسهم الأوراق تدمــي.. لكـــن بغيــر دمــــاء

ومع المحور الخامس الذي يحمل عنوانا منفتحا على أكثر من موضوع (مراسلات ومداعبات)، تنفتح شاعرية متدفقة بروح الأخوة والدعابة والأنس والبشاشة.وتتراءى شخصية الشاعر المرحة التي تلون كل المناسبات والأمكنة بألوان البهجة والسعادة.وترسل رسائل المودة لجميع القلوب ؛تواسي كل حزين، وتتودد لكل صديق،وترسم البسمة على الشفاه.ففي تحيته لصديقه المرحوم إبراهيم العريض يرصع الشاعر أبياته بنبرات المحبة الصادقة،يخلد فيها ذكرى صديقه الحبيب،يمدح شعره ومشاعره، ويثني على سيرته وشاعريته، ويرسلها رسالة إطراء ووفاء تتجاوز كل المسافات:

التحيــات.. بـــاقة من زهـور نثرتهـا على خطــاك الدروب
والأماني..فجر أطل وروض بتجليــــك.. زاهـر وخصيـب
ومعين الإبداع..شعرك غضا ند عنه نفح،وضـوع طيـــب
والمعــاني المجنحات..كروم يسكر الحرف خمرها..فيطيب
وربيع الزمــــان..بستان شعر يجتنـي منه شــــاعر وأديــب

في هذا المحور تعددت المراسلات الشعرية الموجهة لأصحاب القلم، وحضرت المساجلات المتبادلة بين أرباب الكلمة الشعرية،تهنئ المبدعين وتقرظ أعمالهم وترسل عبارات المودة والتقدير للطبقة المثقفة المهووسة بالقول الشعري.وفي هذه الأشعار ترتقي نسبة الجمالية في القصائد، وتزداد درجة بلاغة الإبداع، سواء في مستوى التصوير الفني، أوفي دقة انتقاء اللغة الشعرية الموحية.وهنا نستمع إلى شاعرنا وهويرسم انطباعاته بالصورة الشعرية وبالكلمة الموحية والإيقاع الجميل:

غنى الحداة فهل عرفت الحــادي
فسل الشذى..أوسل عبير الوادي
 
سفر من الأشعار( أحمد) ساقــه
من غيره يـــروي غليل الصـادي
 
من غيره يذكـي الأوار إذا خـبـت
نـــار..وعـــاد النصــل للأغمــــاد
 
ديــــــوانه غزل تفجر لـــــوعــة
بالغيــد،فهـــولهـــن بالمــرصــاد
 
يستلهم المعنى الجميل من الهوى
بجمــــال ليلى أوقـــوام سعـــــاد
 
من كان خمرته اللحــاظ فلا يرى
فـــي الكــــأس رعشــة الأجســاد
 
يا طــــائفا بالحسـن يقطف ورده
لـــم تبق بستـــانــا إلى مرتــــــاد
 
جاهرت والعشــاق تكتم سرهــا
فــي غفلــة من أعيـن الحســـــاد

وعن ديوان آخر يقول مبديا مواقفه من القول الشعري ومن أهله،وخصوصا حينما تبدعه أنامل بتاء التأنيث جمعت بين رقة الأنوثة وجمال الفن وخيال الشعر:

ظمأ الشعــــر،روحه العطشــانــه ترتــــوي من قريحة فنـــــانه
لا ترى الــــوجود غير احتفــــــال شــــــاعري وصورة فتــــانه
سحر هذا الكون البديع من الخالق إذ قــــــال كن جميــلا فكــــانه
ريشــــــة الفـــن تستمــد طيوفـــا من شمـــــوس منيـــرة أكوانه
وبحور الأشعـــار يسكنهــــــا الدر وتخفــــي في سرهـــا مرجـانه
ليس من غاص يجتني الدر فــــي القاع،كمن هام قاصدا شطــآنه
كلهـــم شــــــاعر ولكــــن أخــــــا الشعــــر.. مــــن أتــم بنيـــانه

أما المداعبات والمساجلات فمائدة شعرية شهية وطريفة،تأخذ بلب القارئ وتأسر قلبه، وتزيده لذة ومتعة.تعددت نصوصها، وشكلت مظهرا ثقافيا معبرا عن تواصل النخبة الشاعرة وتحاورها فيما بينها،ودالا على المستوى الفني الرفيع الذي كان عليه رفاق الشاعر في قرضهم للشعر، وفي توظيفهم له كقناة فنية لبث روح الدعابة ومد حروف المحبة وتقاسم معاناة الهوس الفني وتنشيط الحقل الثقافي.وفي هذا السياق تتقدم مجموعة من المساجلات الشعرية كشاهد على جدية هذا المشروع وأهميته،منها هذا النموذج الشعري الطريف الذي يجسد حوارا شعريا/ نقديا بين الشاعر وأحد رفاقه الأدباء حول المسألة الإبداعية،وحول علاقة المبدع بشعره:
يقول الأديب محمد جعفر العرب معاتبا الشاعر على هجره للشعر:

أبا أسامة قل يــــا خير مصطحب ما سر هجرك عمدا ســـاحة الأدب
قد كنت بالأمس سبـــــاقا بلا جدل واليوم بعـدك عنهـــا بعد مغتـــرب
أبا أسامة طــــال الانتظــــــار بنا ماذا جرى لك أفصح لي عن السبب

فيجيبه شاعرنا بقصيدة على نفس البناء الإيقاعي،مطلعها:

يا جعفر الخير بل يا جعفر العرب ليس التشاعر من طبعي ومن أربي
لا أقرض الشعر إلا عن طواعيـة ولا أقـــول بــأني شـــــــاعر العرب
إن أمني الشعر أدنيت الوساد له وإن تنـــاءى تنـاءى غير محتــرب

ولا يخفي الشاعر- في هذه القصيدة- موقفه من بعض شعراء زمانه ممن أساؤوا إلى فن الشعر،فمزقوا كيانه،وهتكوا عرضه،واستباحوا حماه،فجعلوه طلاسم وألغازا وتعمية:

يا لهف نفسي على الفصحى وما فعلت بها الطليعة من حمــــالة الحطب
تمزق الشعر أوزانــــا وقـــــــــافية وأحرق البيت بالنيـران واللهب
وأصبح النظم ألغــــــازا وتعميـــة ما بينها وفصيح القول من نسب

وإذا كانت المحاور السابقة ترسم صورة المبدع في علاقته بالمجتمع الثقافي والمهني والسياسي،فإن المحور السادس( الألف والسكن) يحملنا إلى قرارات بيت الشاعر،نطل من خلاله على حياته الخاصة في ارتباطه بأهله وذويه.وهنا تنكشف ظلال الذات الشاعرة التي تتقاطع فيها الحساسية الإبداعية بالمسؤولية الزوجية والأبوية.فتأتي الأشعار محملة برقة الشعر ممزوجة بقيم الوفاء والمحبة والصدق العاطفي.وإذا كانت هذه القيم هي جواز السفر الذي لامناص منه للعبور إلى ضفاف القلوب، لامتلاك مفاتيحها واستيطانها والتربع على عروشها،فإن أولى الناس بها هم خاصة الخاصة بالنسبة للشاعر،أهل بيته،من ملأ عليه دنياه شذى وعطرا، وغمرها حبا ودفئا.الملاذ الآمن والقلب الحنون وشريك الأيام والسنين؛ أم البنين:

لا خلا البيت من شمـائلك الغــر ولا غـــاب نجمك الوقـــــاد
أنت في الدار عطرها وشذاهـا يجتنيـه البنـون والأحفـــاد
ومــــــلاذ إذا ألمــت خطــــــوب وعمـــــاد تشده أوتـــــــــاد
قد بذلت الإحسان نهجا إلى الخير ونعم العطــــاء للخيـــر زاد
لا عدمنــــاك كلنـــا مغرم فيــــك فأنت المنـى وأنت المـــراد

ولم ينس الشاعر أزهاره العطرة التي تزين روضه،ونجومه المتلألئة التي تضيء سماءه.فكان لهم نصيب من هذا الشعر، يعكس عاطفة الأب الوديع وروحه التي سكنت في أكثر من جسد. وهنا تتجلى لنا هذه الروح في بطاقات التهنئة التي خص بها الشاعر من سكن مقلة العين، ومن ألهمه قول الشعر وعشق الفن: لميس وأسامة وياسر وأيمن.

كان الشاعر متابعا لمسارات بنيه، موثقا لتفاصيل حياتهم،قريبا من ذبذبات قلوبهم وحركات أنفاسهم. يستمع إلى كل النبضات،ويتفاعل مع كل الأحداث والمناسبات:
ولدي يا أسامة الحب والخير
حبــاك الإلـــه بالرضـــــوان

أنت مني حشى وخفق فــــؤاد
وأنا منك نبضة من حنـــان
...
ياسر..أنت سحرها وشذاها
ولك الدوح،والهزار الطروب
 
المسرات في حضورك تأتــي
وإذا غبت..رافقت القلــــوب
...
مضـــى أيمن وخلا منـــــــزل
وخلف في كل مرسى..شراعا
 
فمـــــا أصعب البين في زهوة
من العمر..بل ما أمر الوداعـا

ومن وثيقة وفائه لأهل بيته وبنيه، يتحول الشاعر إلى وثيقة وفائه لرفاق دربه وأهل مودته وصحبه الذين طواهم الردى، وخبطت في ساحتهم المنية خبط عشواء،فلم تمهلهم ولم تترك لهم فرصة للبوح بآخر الأشعار والأسرار.فجاء الشاعر ليرسم أساه وعزاءه شعرا وجدانيا رقيقا امتزج مداده بعبرات العين، واختلطت حروفه بزفرات الحزن.فكان المحور السابع للعبرة والموعظة من (صروف الدهر)التي تسرق الفرحة من كل قلب ومقلة، وتغتال الآمال بلا أدنى رحمة، وتصادر ما تبقى من الأحلام، وتزرع بذور الآلام في كل خلية من خلايا الأرواح المحبة الصادقة.وهنا تنبعث أصداء الجوالجنائزي الذي صاغته مرثياته المفعمة بآيات الترحم والثناء وبنشيج الحسرة والبكاء على ثلة من رجال العلم والقلم، يتقدمهم فقيد الشعر ورائد الأدب البحريني الكبير الأستاذ إبراهيم العريض الذي جمعته بالشاعر صداقة بل أخوة تتجاوز حدود الشعر وأسوار القوافي.فنجد الشاعر يسكب عبراته وزفراته على قبره تترا،وينسجها شعرا وذكرى:

نثرت دموعي فيك فانتظمت شعرا وتلك القوافي بالدموع هي الأحرى
تعهدتـــــها ريع الشباب لا وزهوه وكهلا وفجرت البيــــــان بها سحرا
فـــواحزنها إذ قـــــام بالنعي قــائم ويــا شوقها أن تلثم اللحد والقبـرا
وإن كان يدري لمعة الحزن والـه فإن بنــــات الشعــر هــن بــه أدرى

ولا يفوت الشاعر التغني بشاعرية الفقيد وبآثاره ومواقفه الخالدة:

وثقفت جيلا مستنيـــــرا بعقلـــه ليبدع فنـــا،أويمـــد لـــــه فكـــرا
وترقص بالألحان منك"عرائس" من الشعر لم تترك لمغتــرف بحرا
فكم خلجة أوحــى بهــا فن مبدع وكم قصة ســال اليــراع بها شعـرا
أضـأت"شموعا"يعبد الفن راهب بمحــرابه والليل أرخــى له ستـرا

... أبا الفن من سحر البيــان ووحيه تجليتــه شعـــرا،وأبدعتــه نثــــرا

ومنزلـــة للشعر أنت ابتدعتهـــا ليسموعلى كل الفنـون بهــا طــرا

وفي هذا الجوالجنائزي تصبح النفوس مهيأة لترديد الابتهالات وإسقاط العبرات، ولكن هل ينفع الفقيد البكاء والنواح والصرخات؟

ما بكاء الحبيب من فوق قبر وجفون تسخوبوابل قطــر
أترى ينفع الفقيـــد عويـــــل ونواح..أولطم خد وصدر
ليس يدري بما يكــــون وهل يزداد نفعا به إذا كان يدري

وهنا يبدأ الشاعر في مواساة نفسه، يسيطر على مشاعره، ويستدعي ثقافته الدينية أمام هذا المصاب الجلل، ليستمع إلى صوت الإيمان الصادر من أعماقه،وهويشرح حقيقة الموت وعبرته:

إنما الموت يقظة، ولهــــا في أوجه المحسنين أفراح بشر
ليس تبقى للمرء غير سجاياه إذا أسلمــت إلـى حسن ذكــر
ودعـــــــاء من قلب كل محب يترجى عفــوالقديـــر الأبــــر

وبصوت مفعم بالذكر والدعاء والابتهال، يسطر الشاعر تضرعاته الخاشعة بين يدي باريه وخالقه، يرجوالقبول والرحمة وحسن الخاتمة:

يا إلهي أنت المعاذ فهب لـــي في غدي موعدا إلى كشف ضري
لم أجد ملجأ سوى رحمة منك وتقـــــوى فـــي جهــرة أوســــر

وبعدما سال مداد الشعر مع الدمع مدرارا، وانسابت القوافي مع الزفرات والابتهالات غزارا. يشعل الشاعر قنديل الحياة في أعماقه، ليضيء له الزوايا المعتمة،لينعتق من أسر الأحزان ويتحرر من قيد الأسى، وينطلق إلى تمثال الجمال،يناجي الأرواح والأطياف والظلال المقيمة في الذاكرة.يغني أغنية الأشواق،ويردد سمفونية الخلود التي جعلها خاتمة لهذا الخضم الهائل من الأحاسيس المتباينة. فوضع لهذه الخاتمة عنوانا لا يقل رومانسية عن نغماتها العذبة، يختزل رؤيته الحالمة المتفائلة والعاشقة للحياة (أشواق).ففي هذا المحور الأخير يلبس الشاعر عباءة العذريين ويستعير لغتهم ومعجمهم، ويستحضر مواقفهم وتجاربهم.فنجده يرسم لوحات شعرية وجدانية تعيد للذات اعتبارها،وتجعلها محورا ومدارا.تحضر الذات الشاعرة بمعاناتها وجراحاتها من أثر العشق ووطأة الصبابة. تعاني من فراق الأحبة والخلان، يستبد بها الحب والشوق، ويؤلمها الشك والهجر والأرق،حتى صارت كعصفور مقصوص الجناح يكتوي بنار الهجر ولهيب النواح:

إني ذكرتك فاذكرينـــي وإذا لقيتك فارحمينــي
قاسيت من ألم الفـــراق من جنــونك أوجنونـي
وشربت كأسا بالصبابة لم أذقهـــــا من سنيـــن
زيدي عذابي..فالشجون تذوب في نار الشجــون
أشكوإليك هـــــواك في قلبي وتسهيد الجفــون
ومن اشتيـــــاقي يكتوي بالشك حينا،واليقيــــن

وفي مناسبة أخرى يصبح الشاعر معشوقا - على نمط عمر بن أبي ربيعة- فيعطي لشعره الحق في البوح بما يعتمل في قلبه من ذبذبات العشق وأحاسيس الغرام وترانيم الهيام.فها هويلحن مقطوعة رومانسية صاخبة تتفاعل معها المشاعر وطبقات النفوس في ليالي الأنس والعشق والأفراح:

يا سائلا عني وأين مكانــي إني جلست على فم البركــــان
كل المليحات الحسان بجانبي وأخـال كل مليحة تهـــــــواني
ألحاظهن..وآه من نظـــراتها تلك التي ارتعشت على أجفاني

3- مظاهر شعرية الخطاب في الديوان

بعد هذه القراءة الأفقية الاستقرائية لمحاور الديوان،تتبدى لنا ذات شعرية حاضرة بقوة بين ثنايا النصوص وفي أعماق الصور وخلف ظلال الألفاظ والعبارات.ذات شعرية لها من الخصوصية والتميز ما جعلها بارزة تدل على أصالة المبدع وعلى صدق التجربة والشعور في شعره،كما تدل على تمكنه من الأدوات الفنية التي تؤهله لممارسة فعل الإبداع الشعري بكفاءة عالية ومقدرة متميزة.

أول ما يسترعي انتباه القارئ هوامتياح الشاعر ممارسته الشعرية من مصدرين فنيين ومعرفيين متكاملين؛من الموروث الشعري بمقوماته الفنية وبغنى رصيده اللغوي والدلالي والفني،ومن الحداثة الشعرية بما تطرحه من إمكانيات لتكسير النمط وتجاوز النموذج واستحداث تجربة شعرية جديدة تحترم التراث ولا تقدسه، وتنهل منه ولا تقلده.وقد تجلى هذا التنوع المرجعي بوضوح على أكثر من واجهة.

البناء الفني

فمن حيث البناء الفني للنصوص الشعرية، يكشف الديوان عن ثلاثة أشكال بنائية:
-  القصيدة(مداعبة)(حوار بين أغادير وإيموزار)( أستاذنا المرحوم...)
-  المقطوعة(زواج)(في مجلس الشورى)(أسماء وأفعال).....
-  الأشطر (تحية للبحرين)(في متحف الإنسان)،( في ذكرى فقيد الوطن)

وإلى جانب التنويع في الشكل الفني للنصوص الشعرية،اهتم الشاعر كثيرا بالتنويع في البناء الإيقاعي.وذلك في اعتماده على الأبحر الخليلية بمختلف أشكالها التامة والمجزوءة،الفخمة والسريعة،وفي انتقائه للأوزان التي تنسجم مع الوضعيات النفسية ومع طبيعة الموضوع،وتستجيب لمستوى الضغط الذي تمارسه الولادة الشعرية.كما تتجلى عناية الشاعر بالجانب الموسيقي في تنويعه للقوافي مابين المطلقة والمقيدة. فالأصوات النهائية للقوافي تخدم الدلالات،وتجسد الانفعالات.وكذا تفعل التكرارات وأنواع التوازي وباقي العناصر الموسيقية التي استعان بها الشاعر لتضخيم الجانب النغمي في ديوانه.

لقد أبدى الشاعر احتراما كبيرا للتقاليد الشعرية، وأظهر وفاء للقصيدة العربية الكلاسيكية،ولم يمنعه احترامه ووفاؤه من ممارسة فعل التجريب في ساحة الحداثة.وفي كل ذلك حافظ الشاعر على صوته الشعري وعلى خصوصية تجربته.ولهذا تنوعت البنية الهندسية لنصوصه وتنوعت بنيتها الإيقاعية تجسيدا لهذا الانفتاح وانسجاما مع ما تقتضيه الحالة الشعورية.(قصيدة: في متحف الإنسان)و(قصيدة:في ذكرى فقيد الوطن)

ومن أهم ما يطبع الممارسة الشعرية عند تقي البحارنة هوتنوع القول الشعري ما بين الغنائية والدرامية والملحمية. فاللغة الذاتية مبثوثة في ثنايا النصوص،وبمحاذاتها تحضر اللغة التراثية من خلال استدعاء للمعجم العربي القديم،كما تبرز لغة الحكي المرتبطة بالنزعة القصصية السردية الواصفة والأسلوب الحواري،إلى درجة حدوث تداخل وتقاطع بين الشعري والسردي وانتفاء الحدود الفاصلة بينهما.وهي خصائص جمالية بقدر ما تدل على غنى وتنوع وانفتاح التجربة الشعرية،بقدر ما تعمق درجة تفاعل القارئ مع النصوص الشعرية لحظة التلقي.( أرض الشهداء)،(أم الشهيد)،(حوار بين أغادير وإيموزار)،( في متحف الإنسان)،(نجمة المغرب)..

ونجد مجموعة من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية قد عملت عملها في المبدع،وأثرت في ممارسته الشعرية،وطبعتها بطابعها الخاص. فالنص الشعري عند تقي البحارنة يتميز باحتضانه لإشارات عديدة تنفتح على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي.وهي إشارات معبرة ورامزة إلى خصوصية التجربة الشعرية عند هذا الشاعر، كما تعكس شخصيته وتدل على تجربته الحياتية. ولهذا فالقصائد والمقطوعات الشعرية تتمظهر بشكلين مختلفين:فهي وثائق فنية ومستودعات لحمولة فنية وجمالية ورؤية شعرية خاصة من ناحية، وهي من ناحية ثانية وثائق فكرية ونصوص تسجيلية توثق للأحداث وترسم الوقائع وتؤرخ المناسبات في قالب شعري بديع.وهكذا يتأثر الحدث الشعري بحسب الوظيفية التي يفرضها السياق التخاطبي. فتارة يكون الشكل الفني ولغة الشعر وأساليب التعبير أداة خادمة للمضمون ووسيلة وظيفية لإبلاغ الخطاب وتحقيق الدلالة.وتارة أخرى يتغلب المنطق الجمالي،فيتحول أسلوب التعبير وفنية الكتابة إلى غاية يقصدها الشاعر ويسعى إليها.

ومن مظاهر شعرية الخطاب الشعري عند تقي البحارنة اشتغاله على مجموعة من الظواهر الفنية،واهتمامه بالتشكيل الشعري لنصوصه الشعرية على مستوى آليات التعبير وتقنيات التصوير،منها:

خطاب التقابل

من أهم التقنيات الفنية الأساس في هذه التجربة الشعرية التركيز على الثنائيات والاهتمام بخطاب التضاد والتقابل:

الموت/الحياة. الغياب/الحضور. الذاتي/القومي. الخاص/ العام. الواقع/الخيال. الدنيا/ الدين.الحاضر/الماضي.

وهذه الثنائيات تعكس رؤية الشاعر للعالم ومستوى وعيه ودرجة تفاعله مع الواقع المادي والبشري المحيط به.كما أنها علامات دالة على بنية التوتر التي يتأسس عليها الخطاب الشعري عند البحارنة.ويحضر التقابل على شكلين لفظيا ودلاليا:

يا غائبا.. يا حاضرا
صنته قاص وداني
الحظ يأتيك إقبالا وإدبارا
إني أحبك مضطرا ومختارا
قد كان في أهله خير منقلب
وصار بعدهموفي سوء منقلب
لا شأن لي بالناس رائحات غاديه
فكم طويل عماد في خلائقه قزم ..
وقزم بدنيا المكرمات علا

ومن صور التقابل الدلالي ما يحفل به هذا النص:
بعضهم يقتل وقتا ضائعا،وبعضهم يبحث عن أمان
بعضهم ينثر حبا للعصافير التي تحوم في المكان
وبعضهم تخاله محنطا.. في متحف الإنسان
يعيش في الحاضر لا يعبأ بالزمان
وبعضهم فوق حصان طائش،يجري بلا عنان

خطاب الترادف

كما اشتغل الشاعر على خطاب الترادف بشكل مكثف ليزيد في تدعيم دلالة النصوص وفي إحداث الوقع الجمالي لدى المتلقي:

عم الأسى فبكى الصغير وأجهش الشيخ الجليل
نزل القضاء فليس يجدي اليوم..نوح أوعويل
ظمأ الشعر روحه العطشانه
فينم الشعر الجميل عليه ناشرا فوق حسنه أفنانه
ذوالفضل فيها قانط ويؤوس
نجوم هدى في دربه وشموس
شعرك الفياض جوهرة زانها در ومرجان
والحاضرون أحباء وخلان
فللسعادة تطريب وألحان
ويا شوقها أن تلثم اللحد والقبرا

خطاب التناص

كان للتكوين الثقافي المتنوع للشاعر تأثير قوي على البنية الفنية لنصوصه الشعرية،حيث تحضر أصوات كثيرة وتتحاور نصوص قديمة أدبية ودينية، وتتناص فيما بينها لتخلق نتاجا شعريا متعدد الظلال وغنيا بالإحالات.ومن هنا كان البحث عن تلك النصوص الغائبة مطلبا أساسيا للقيام بحفريات بقصد الوصول إلى جذور الشجرة الأدبية والمعرفية المشكلة لذاكرة الشاعر. على أن هذه النصوص الغائبة ليست كلها سهلة الإدراك والضبط فغالبا ما تكون في حالة زئبقية لزجة تمتنع عن التصيد والبوح، وبعضها يتحول إلى شفرات منسية لا يمكن إدراكها وتحديد أصولها القديمة( ).

لقد استطاعت الموهبة الشعرية لتقي البحارنة امتصاص العديد من النصوص،وفي مقدمتها النص القرآني، وعملت على تضمينها بشكل فني دال على امتلاك قوى لزمام القول الشعري، ودال أيضا على مقدرة فائقة على تكييف النصوص المختلفة مع السياقات الشعرية.

اضرب بعصاك الحجر الصلد...
ألقت عصاها...
وكلبهم رابعهم...
ومشوا حيارى مهطعين...
كل يغني على ليلاه...
بها الطليعة من حمالة الحطب.
يجتث دابرهم كما يجب.
والباقيات الصالحات...
بمعتصم نادت فلبى نداءها...
وأقسمت بالزيتون والتين ضارعا...
الصبح موعدنا...

ومن قبيل التناص تحضر تقنية التضمين كعلامة دالة على مرجعيات الشاعر الفنية وعلى مصادر ثقافته الشعرية:

ومن البلية عذل من لا يرعوي
إذا رأيت نيوب الليث بارزة....
تعطيك من طرق اللسان حلاوة....

خطاب التصوير

إن الشعر عموما تفكير بالصور،يتم من خلاله ترجمة العواطف والأفكار والمواقف بلغة واصفة وبتقنيات أسلوبية تعيد تشكيل العالم من جديد، وتعيد بناء العلاقات بين الذات ومحيطها المنظور وغير المنظور.ولهذا تعد الصور الشعرية أهم العلامات الدالة على مستوى الأدبية في العمل الشعري،وعلى مدى خصوبة الخيال وأصالة الخلق الفني.بل يعد ابتكار الصورة الشعرية معيارا تقاس به الشاعرية ودرجة الإبداع.ولهذا " كانت الصورة الشعرية دوما موضوعا مخصوصا بالمدح والثناء، إنها وحدها التي حظيت بمنزلة أسمى من أن تتطلع إلى مراقيها الشامخة باقي الأدوات التعبيرية الأخرى"( ).

وبالنظر إلى المادة الشعرية في الديوان نكاد نسلم بوجود وعي تشكيلي لدى الشاعر وإدراك لأهمية التصوير الفني في العمل الشعري.ولهذا نلاحظ عناية كبيرة بهذا الجانب.فقد عمل في الكثير من المحاولات على ابتكار صور شعرية أصيلة من صميم المعاناة الشعرية سواء في أشعاره الملتزمة أوالوطنية أوالوجدانية أوالمناسباتية أوالإخوانية.وبهذا الوعي الفني تحولت نصوصه الشعرية إلى لوحات فنية تتقاطع فيها الأصوات والألوان والحركات، إلى جانب حضور لافت للآليات البلاغية والأساليب البيانية من تشبيهات واستعارات ومجاز،مع توظيف ذكي للغة شعرية متعددة المصادر؛ واقعية ورومانسية وتراثية.ومعلوم أن" الصورة الشعرية لا يتم القبض عليها بواسطة عنصر دون آخر، فلكي تصل إليها ينبغي ألا يهمل أويغفل عن أي عنصر من العناصر"( ). إلا أن الحضور المكثف لبعض العناصر الفنية يتحول إلى مثير أومنبه قوي يمارس ضغطا استثنائيا على القارئ حتى يحظى باهتمام خاص.ولكن حضورها المكثف لا يلغي ولا يضعف أثر بقية العناصر المساهمة في التشكيل الفني للنص الشعري.

إن حضور الصوت والحركة واللون في تشكيل المادة التصويرية أعطى للشعر زخما فنيا كبيرا ووقعا جماليا قويا يزيد من درجة التجاوب والتفاعل بين الأثر الأدبي ومتلقيه.كما أن حضور هذه العناصر التشكيلية عكس أحوال الشاعر النفسية والوجدانية،بحيث تعتبر هذه الآليات التصويرية جسرا فنيا للدخول إلى العالم الداخلي للشاعر.وقد ارتبطت هذه العناصر بذكر الوطن- الموت- المقاومة- المرأة- السفر- الأشواق...وكانت كل هذه المجالات مسرحا لصخب حركي وصوتي ولوني:

العفوعفوك شاملا
كالسيل جاء عرمرما (الحركة)

وإذا ترتل بالآذان مؤذن
ضج النحيب ورددته مآتم( الصوت)
 
يخال جعجعة الوغى طربا
وضجيجه نوعا من الغزل (الحركة والصوت)
 
تعمل في الصمت كالعنكبوت
وكالنحل ترشف أزهارها (الحركة والصوت)
 
ملتفة أغصانها
كالعرس..عانقها العريس (الحركة)
 
كعود الند قلب الصب
يزكوكلما احترقا( الحركة)
 
ومضى الركب في دجى الليل
فأين الشموس والأقمار(اللون)
 
غارقا في الأرجوان(اللون)
واخضر منه جانب
وابيض مثل الصبح ثاني(اللون)

إن توظيف ألفاظ اللون والحركة والصوت في الصياغة الشعرية يعطي للمعنى ظلالا جديدة ويساهم في تحقيق الانجذاب والإثارة. فهولغة إيحائية ورسالة رمزية خاصة تعين الشاعر على تحقيق الدلالة المقصودة، وتضفي – بتضافر مع آليات التشكيل البيانية- طابعا جماليا على النص الشعري.ولهذا لم يأت استخدام هذه العناصر بقصد التزيين أوالزخرفة أوالتأثيث السطحي للعمل الشعري، بقدر ما كان استخدامها لأداء وظيفة تعبيرية تترجم نظرة الشاعر إلى الذات والحياة، وتحمل رغبته في تشكيل عالمه الخاص بما يلائمه من أصوات وألوان وحركات.وبهذا نخلص إلى كون الشاعر قد تجاوز –في تجاربه الشعرية- مستوى إيقاع الإنشاد الكلاسيكي إلى مستوى إيقاع الرسم بالكلمات والإشارات حسب الرؤية الحداثية للكتابة الشعرية.

خاتمة

هكذا تتكامل عناصر الخلق الشعري في هذا الديوان، كما تتكامل أدوات الإنشاء الشعري عند صاحبه الذي لم يتنازل قط عن شروط الأداء الفني الرفيع.فقد كان يبدع وينتقد،ينشئ ويصحح،يقول الشعر ويشذب رياضه من الطفيليات العالقة به. كان حريصا على الوفاء لمفهومه للشعر ولرسالته. لم يجعل شعره ترفا فنيا مقصودا لذاته،ولم يسخره تسخيرا انتهازيا لغيره،ولم ينزله من عرشه وكبريائه، وإنما جعله نافذة فنية نطل من خلالها على صخب الحياة بكل متناقضاتها وبكل قضاياها وأسئلتها،باعتبار هذا الشعر تعبيرا لرؤية خاصة للعالم ووعيا بما يحيط بالشاعر من قضايا سياسية واجتماعية وثقافية. وقد أكد الشاعر- من خلال هذا الديوان- على أن الرسالة الفكرية والإنسانية في الشعر يمكن أن تؤدي غرضها وتحقق هدفها دون أن تخمد جذوة الفعل الجمالي.
د/ محمد شداد الحراق – باحث من المغرب.

مصادر ومراجع

-  البحارنة،تقي محمد، ديوان" في خاطري.. يبكي الحنين".المنامة، البحرين 2003
-  الطريسي، أحمد أعراب: الرؤية والفن.في الشعر العربي الحديث بالمغرب، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع البيضاء- الدار العلمية للطباعة والنشر بيروت - لبنان..
-  مجاهد، أحمد: أشكال التناص الشعري، ط (1) الهيئة المصرية العامة للكتاب. د ت
-  الولي،محمد: الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، ط (1)، المركز الثقافي العربي 1990.
-  الوسط البحرينية، (صحيفة) - العدد 1625 - السبت 17 فبراير 2007م الموافق 29 محرم 1428هـ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى