الأحد ١٦ حزيران (يونيو) ٢٠١٣
بقلم يوسف لعجان

عرض نظرية التلقي

تــمــهــيـد:

لم تنشأ نظرية التلقي من فراغ، وإنما استمدت أصولها النظرية من الفلسفة الظاهراتية، وأصبح المنظور الذاتي هوالمنطلق في التحديد الموضوعي، ولا سبيل إلى الإدراك والتصور الموضوعي خارج نطاق الذات المدركة، ولا وجود للظاهرة خارج الذات المدركة لها.

فهي تسعى في مجمل أهدافها إلى إشراك واسع وفعلي للمتلقي بغية تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل الحثيث مع النصوص الفنية، حيث أن حضوره أضحى نافذا منذ وضع اللبنات الأولى لكتابة الرواية، فانتقل من دور المستهلك إلى مرتبة الشريك المحاور الذي يملأ الفراغات بل يلزم الكاتب بتركها، كما استطاع أن يرغم الكاتب يوما بعد يوم على إسقاط الأقنعة اللغوية والبلاغية التي طالما تدثر بها. ويمكن استشفاف ذلك من خلال مجموعة من مجموعة النقط والقضايا التي سأتطرق إليها في هذا العرض؟

تقديم المتلقي وتـجلياته:

مفهوم المتلقي (القارئ):

يطرح هذا المفهوم عدة صعوبات، إذ تتضارب حول الآراء، فإيزر يتحدث عن القارئ الضمني وأمبرتوإيكويتحدث عن القارئ النموذجي، وهناك من يتحدث عن القارئ الواقعي والمثالي والفذ والعليم، ومهما تعددت الأسماء والتصنيفات فإن القارئ موجود بالقوة والفعل إلا أنه يتعذر تصنيفه ضمن فئات محددة.

إن القارئ الحقيقي أيا كان نوعه دائما يُمنح دورا معينا ليلعبه، و" هذا الدور هوالذي يشكل مفهوم القارئ الضمني،"( ) وهو– أي القارئ الضمني – الذي يرافق الروائي في جميع مراحل إنجازات الرواية، ويصطحبه في رسم كل الاستراتيجيات التي تكون الرؤيا الشمولية للرواية. ولهذا المفهوم جانبان أساسيان ومتداخلان، دور القارئ بوصفه نصية " أي أن المؤلف حينما ينسج عمله الأدبي يبني رؤية محددة للعالم، وقد تكون هذه الرؤية محددة المعالم، وفد لا تكون هذه الرؤية بالضرورة رؤيته الخاصة، وبذلك فالعمل الأدبي ليس نسخة من العالم المفترض، فهويبني عالما خاصا به يصنعه من المادة الموفرة له، ولذلك يأتي على درجة متفاوتة من الغرابة بالنسبة لقرائه المحتملين، لذلك فلا بد للنص أن يخلق موقفا يساعد القارئ على رؤية أشياء ما كان له أن ينتبه إليها "( ).

ودور القارئ باعتباره فعلا مركبا وهوالدور الذي من المفروض أن يضطلع به القارئ هوأن " العمل الأدبي وخاصة الرواية بناؤها من أربع رؤى أساسية، وهي رؤى الراوي والشخوص والحبكة والقارئ الوهمي،"( ) والتي قد تتفاوت في ما بينها من ناحية الأهمية إلا أنها تجتمع داخل نقطة التقاء واحدة هي معنى النص ، وعلى القارئ أن يدرك مختلف وجهات نظر الرؤى النصية واندماجها الذي يوجه التفاعل بين الرؤى المتغيرة والاندماج التدريجي.

إذن فالقارئ مع نظرية التلقي أصبح يستبد النص في وجوده وفي غيابه، وأثناء إنتاجه من طرف الكاتب، وطول مدة قراءته. يقول نورمان هولاند فيرى " أن قراءة القارئ للنص إنما هي قراءة لهويته هو، إن القارئ يضم خيوط هويته فينسجها خلال استجابته للعناصر التي يتكون منها النص "( ) فالنص إذن يعيش تحت سلطة القارئ ووعيه أكثر مما ينعم بالحياة والراحة عند صاحبه.

خبرة المتلقي وذوقه الجمالي:

ليست مهمة المتلقي مقصورة فقط على مجرد الاستحسان أوالاستهجان، بل هي مهمة البحث والتنقيب وإعمال الفكر، وليس كل متلق يهتدي بفكره إلى وجه الكشف عما اشتملت عليه الصورة من معنى دقيق، بل يتطلب الأمر أن يكون المتلقي قادرا على إدراك العلاقات في مجال الصورة. فخبرة المتلقي " ليست مقاييس هندسية حادة، تتعامل مع النص بحسابات جبرية فترفض هذا الشكل لوجود انحراف معين عن زواياه المحددة، أوتقبل غيره لتساوقه مع القياس "( ) بل خبرته وذوقه الجمالي هي وسائل استكشاف لعناصر الجمال في النص.

فعملية التلقي هي في الأصل عمل فني مشترك يسهم فيه صاحب النص بخلاصة التجربة التي عايشها، وتسهم فيه اللغة بدلالاتها الموحية، كما يسهم فيه الدارس أوالمتلقي بخبرته الفنية وذوقه الجمالي. فالعلاقة بين هذه المحاور تشبه " بناء هرميا، قمته النص في لغته ومعطياته، وقاعدته المتلقي والأديب وهي علاقة قد لا تبدوواضحة وضوح الحس بهذا الشكل التنظيمي ولكنها علاقة ذهنية تفرض نفسها على المتلقي ناقدا أوقارئا أومستمعا."( )

مستويات تطور المتلقي:

بفضل انتشار الصحافة والمجلات الأدبية المتخصصة، أضحى للقارئ دور مهم في الساحة الأدبية انطلاقا من عملية اختياره للمؤلـَّفِ ( رواية أوغيرها ) واقتنائها إلى مرحلة نقدها وتقييمها. فقد تكونت لديه بعض المعايير الجمالية التي تؤهله للانخراط المسؤول والفعال في المسيرة الأدبية، فأصبح الكاتب كذلك يحتاط في كتاباته ويستحضر مستويات القارئ أثناء بناء هيكلها، إذ أصبح يحاول استبطان أفق انتظارهم، وبفضل سلطة القارئ يرى أحمد اليابوري " أن مؤسسة الرواية شهدت تغييرات على مستوى اللغة والخيال والتيمات، فعلى المستوى الأول انتقلت من الرصف إلى أغلال السجع والمحسنات البديعية إلى البساطة والميل إلى السهولة، ومجاراة لغة الناس، أما على مستوى التخييل فقد وقع هناك تحول والتجأ بعض الروائيين أمثال الطاهر وطار والميلودي شغموم... وغيرهما، إلى توظيف العجائبي من أجل التجريب "( )

فمن خلال هذا يتضح أن القارئ انتقل من مرتبة المستهل إلى مرتبة الشريك المحاور الذي يملئ الفراغات بل يلزم الكاتب على تركها، كما استطاع أن يرغم الكاتب يوما بعد يوم على إسقاط الأقنعة اللغوية والبلاغية التي طالما تدثر بها. فسعي نظرية التلقي إلى هدف الإشراك الواسع للمتلقي، هوهدف غايته تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل الحثيث مع النصوص الفنية.

مهمة القارئ أوالمتلقي:

إن مهمة القارئ هي مهمة تأويلية في الدرجة الأولى، بحيث يجب أن تكون هي العملية التوضيحية للمعاني الكامنة في النص، والأجدر أن لا يقتصر تأويله على معنى واحد فقط أوعلى معنى سطحي. فالمعنى الكامن الكلي لا يمكن أن يدرك من خلال عملية القراءة فقط، لكن هذا الأمر هوالذي يجعل المعنى أكثر جوهرية إلى حد أن المرء كلما أعاد القراءة اكتشف معاني أخرى... فعندما ندرك تلك العوامل التي تكون شرطا أساسيا في تكوين المعنى وصياغته، سنكون إنئذ قادرين على استنباط المعنى الوحيد – ولوأن كلمة وحيد مبالغ فيها -...

إن إشكالية التأويل مشروط بنية المعنى التخييلي، والتي لا تتحدد إلا من خلال مسألة مهمة وهي القراءة، بحيث نجد هناك مجموعة القراءات التي تختلف في عمليتها التأويلية، فكما هومعلوم أن التأويل للنص لا يمكن أن ينشأ إلا من خلال عملية قرائية صحيحة ومضبوطة الخطوات والتقنيات، التي تحدد المعنى من خلال أشكال مختلفة عن طريق التحليل المؤسس للفهم.

علاقة القارئ بالنص:

طبيعة البنية النصية وفهم القارئ:

من اللازم والضروري أن تكون هناك طبيعة معقدة تحتضن البنية أوالبنيات النصية، فبالرغم من أن النص يتضمنها ويحتضن مجموعة من المتتاليات، فوظيفته لا تستوفي إلا إذا كان هناك تأثير من القارئ. وكما أشار إلى ذلك فولفغانغ إيزر " أن كل بنية قابلة للتمييز في التخييل لها غالبا وجهان:

الوجه اللفظي: وهويوجِّهُ المظهر اللفظي رد الفعل ويمنعه من أن يكون اعتباطيا.

الوجه التأثيري: يكون المظهر التأثيري استفاءا لذلك الشيء الذي قد تمت بنْيَنَتُهُ بواسطة لغة النص.

وبالتالي فأي وصف للتفاعل بين المظهرين يجب أن يجسِّد في الآن ذاته بنية التأثيرات (النص) وبنية التجاوب (القارئ)." ( )

إن النص هوتصور مركب، فلا يمكن ينطبع تلقائيا في ذهن القارئ، لأنه لا يمكنه أن يكون النتاج الكلي للمعنى، فما يعرضه النص ينبغي إدراكه حسيا، وتتوقف طريقة إدراكه على القارئ بنفس قدر توقفها على النص نفسه. كما أن القراءة ليست عميلة تلقين مباشرة، لأنها لا تسير في اتجاه واحد، فهي إذن تفاعل دينامي بين القارئ والنص.

إن فهم النص يتطلب من القارئ امتلاك أفق انتظار مرن ومطاوع يساير النص في توجيهه العام حتى لا يسيء فهمه في الوقت الذي يراكم فيه افتراضات تأويلية على امتداد المتواليات السردية، فالنص مهما انتشرت رقعته لا يساوي ما يستخلصه منه القارئ. إذن فالقراءة " أرحب من الكتابة، إذ لا يكتفي القارئ بمطاوعة الكاتب في الالتزام بما هومكتوب، وإنما يضيف إليه ما يحصى من الافتراضات أثناء القراءة، وهويسميه إيزر وجهة النظر المتجولة ."( )

التفاعل بين النص والقارئ:

إن النقص الحقيقي في القدرة على التأكد وفي القصد المحدد، هوبالضبط يحدث التفاعل بين القارئ والنص، وهنا يوجد ربط حيوي بين الثنائي. فالنص يثير باستمرار وجهات نظر متغيرة لدى القارئ. ومن خلال هذه " الوجهات يبدأ اللاتماثل في فسح الطريق لبلوغ الأرضية المشتركة لوضعية ما. ولكنه من خلال تعقيد البنية النصية، يصعب على هذه الوضعية أن تكون مشكلة بصورة نهائية من طرف إسقاط القارئ ( وعلى العكس من ذلك فإن تلك الوضعية يعاد تشكيلها باستمرار مثلما يعاد تعديل الإسقاطات نفسها بواسطة لاحقتها)." ( )

فالنص بخلاصة موجزة، هونسق كامل من مجموعة من العمليات، وفي هذا النسق يقع مكان يخص الشخص الذي ينبغي عليه أن ينجز إعادة التركيب. هذا المكان يتميز بالفراغات القائمة في النص، وهويتكون من البياضات التي يجب على القارئ ملؤها، وبالطبع فإن هذه البياضات لا يمكن أن تملأ من طرف النسق نفسه، وبالتالي فإنه يستتبع ذلك أنها لا يمكن أن تملأ إلا من قبل نسق آخر. ومتى سدَّ القارئ هذه الفراغات بدأ التواصل.

فالبياضات والفراغات النصية، تترك الروابط مفتوحة بين المنظورات في النص، وبالتالي فهي تحث القارئ على التنسيق بين المنظورات، من خلال إنجاز العمليات الأساسية داخل النص، وذلك بدافع أن يتبنى القارئ في آخر المطاف موقفا يتعلق بالنص.

إذن ففهم النص وتحقيقه للتفاعل مع القارئ، يقتضي تمكنا من وحدته – أي النص – والاستجابة لمتطلباته، وبمعنى آخر فإن تأويل النص الإبداعي يعني إتباع النهج الذي يفتحه هذا النص.

نموذج رواية "مدائن نون":

" إن هذه الرواية هي تجربة سردية حديثة، تنزاح بالقارئ أثناء قراءته إلى أفق انتظار تطبعه الدهشة والمتعة، إذ أن النص يسمح بتوسيع واقع القارئ وأفقه التوقعي من خلال البياضات واللاتحديدات، وهي اللاتوازنات التي يعيد القارئ توازنها، ويتمم نقصها، انطلاقا من قراءته لمقاصد النص وخفاياه الجمالية من خلال سياقات تناصية حولها الكاتب بذكاء إلى خطابات محكية تؤثت للحدث المشترك، وأن قواها الفاعلة يقوم بأدوار ووظائف في إطار علاقات صراعية، تحمل أبعاد درامية، ودلالات عاطفية ونفسية واجتماعية وتاريخية.

فقارئ هذه الرواية، سيجد نفسه في عالم نص يستشف منه اللذة وحب القراءة، انطلاقا من:
- زمن التلقي الجمالي المقترن بالدهشة الفنية، التي يحسها قارئ هذا العمل السردي، فيخضع لوقعه ويتفاعل معه في معزل عن العملية الإدراكية.
- زمن التأويل الاستعادي الذي يتحقق للقارئ وفق قراءة استعادية، يطمح من خلالها إلى تبرير دهشته عن طريق تطلعه إلى الفهم والتأويل وكشف الأفعال الكامنة في هذا النص السردي.
- زمن التلقي التاريخي الذي يتم عن طريق تأويل النص، اعتمادا على كشف النص ومقارنة صيغة العرض ومقاطعه، وطريقة تنظيمه الزمني، وتنظيمه الموضوعاتي (التيماتي ). خاصة وأن رهان هذا النص السردي المعنون بـ مدائن نون هوتعبير عن رؤية وموقف وفكر يمتزج فيها الخيالي بالواقعي، والاجتماعي بالسياسي، والديني بالأسطوري، لذلك تداخلت الأحداث والشخصيات، وتكررت المشاهد والمواقف المتباينة في بناء الحدث وتلونت الحبكة في تعقيداتها وتركيباته، وطبيعة تسييرها في هذه الرواية، تحيل في جوهرها إلى قضية وجودية، أساسها الإنسان، تثير خلفيات رغباته وميولاته وأحاسيسه المتباينة إزاء مواقف دقيقة ومعقدة كالموت والحب والسلطة، بلغة سردية مثيرة، وبأساليب محكمة كثيرا ما تضم اقتباسات وتضمينات، تمد الأحداث بنفس يترجم صياغة الكينونة والامتداد.

في خلاصة الحديث، يمكن أن يتفاعل القارئ مع هذا العمل السردي انطلاقا من مقاربة مستويات بناء المعنى واكتشافها ورصدها، بناء على مستوى النصية، ومستوى التفاعلية ومستوى القرائية."( )

الـخـاتـمـة

إن الشيء الأساسي في قراءة كل عمل أدبي، هوالتفاعل بين بنيته النصية ومتلقيه (أي القارئ ). فالنص ذاته لا يقدم إلا مظاهر خطاطية يمكن من خلالها أن ينتج الموضوع الجمالي للنص بينما يحدث الإنتاج الفعلي من فعل التحقق الذي ينجزه القارئ.

فجمالية التفاعل لا تظهر إلا من خلال مرور القارئ عبر مختلف وجهات النظر التي يقدمها النص ويربط الآراء والنماذج المختلفة بعضها ببعض. هذا الفعل الحركي الذي يقوم به – أي القارئ –، فإنه يجعل العمل الأدبي يتحرك، كما يجعل نفسه حركة كذلك. لأن الموقع الفعلي للعمل يقع بين النص والقارئ، إذ أن من الواضح أن تحقيق التفاعل هونتيجة للتفاعل بين الاثنين.

المراجع والمصادر

◘ فولفغانغ إيزر - فعل القراءة: نظرية جمالية التجاوب في الأدب - ت: د. حميد لحمداني، د.
الجلالي الكدية - مكتبة المناهل، فاس – ب ط.

◘ ضفاف ( مجلة إبداعية ثقافية ) – فبراير 2004، العدد: 6 – مؤسسة النخلة للكتاب.

◘ د. محمود عباس عبد الواحد - قراءة النص وجماليات، بين المذاهب الغربية الحديثة وتراثنا النقدي ( دراسة مقارنة) - دار الفكر العربي، مدينة نصر - ط: الأولى 1996م.

◘ سعيد العلام – رواية: مدائن نون – دار أبي رقراق – ط: الأولى 2010.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى